أوتوبيسات إيران الشاهنشاهية

خرجت بلادنا من حربين متتاليتين سنة 1967 ثم عام 1973 منهكة متعبة، عاشت خلالهما سنوات وجهت فيها كل إمكانياتها إلى المجهود الحربى، وتوقفت عمليات تطوير مشروعات البنية الأساسية فى العديد من القطاعات، ومن بينها قطاع النقل الذى أصيبت أدواته بنوع من العطب الشديد.

مشاهد تاريخية عاشها المصريون فى الأوتوبيسات خلال فترتى الستينات والسبعينات، لم يكن الراكب يجد موضعاً لقدم فى أى مكان بما فى ذلك على سلم الأوتوبيس، وكان الوصف الأمثل الذى يطلقونه على الأوتوبيس فى ذاك الوقت هو «علبة السردين»، لأن الركاب كانوا يتلاصقون فيه، مثلما يتلاصق السردين داخل العلب.

أيضاً مشاهد الصعود والنزول من شباك الأوتوبيس. فما أكثر ما كانت تأتى المحطة التى يريد أن ينزل فيها أحد الركاب، لكنه لا يستطيع الوصول إلى باب الخروج بسبب الزحام الشديد، ولم يكن ثمة بد لدى البعض فى مثل هذه الأحوال من النط من شباك الأوتوبيس، مثلما لم يكن هناك بد من أن يحشر أحدهم نفسه من الشباك، بعد أن أغلقت الكتل البشرية الباب، ليدفن نفسه فوق المجموع الراكب.

ربما يذكر من عاصر حقبتى الستينات والسبعينات هذه المشاهد، وقد يتذكر أيضاً الفرحة التى اجتاحت الشارع، وحالة الاندهاش التى استقبل بها الناس صفقة الأوتوبيسات الإيرانية التى تبخترت فى شوارع القاهرة خلال النصف الثانى من السبعينات.

وهى صفقة أهداها شاهنشاه إيران محمد رضا بهلوى إلى مصر مساهمة منه فى حل مشكلة المواصلات التى اشتهرت بالمحروسة فى ذلك الوقت.

فعدد السيارات الملاكى بالبلاد كان محدوداً، والسيارة «نصر» كانت بالحجز، ولم يكن هناك ميكروباصات أو تكاتك أو أى وسيلة أخرى للنقل غير الأوتوبيسات، المترو أيضاً لم يكن موجوداً، باستثناء «قطار حلوان/ باب اللوق». وإلى جوار الأوتوبيسات كان هناك الترام فقط.

الركاب الأوائل لصفقة الأوتوبيسات الإيرانية كانوا فى قمة الدهشة، وهم يعاينون جمال المقاعد وطراوتها والستائر المنسدلة، ونعومة السيارة وهى تسير على الطريق. سيارات الصفقة كانت ماركة «مرسيدس» وتم تجميعها فى إيران، ومثلت فى نظر الكثير من ركابها نقلة حضارية مقارنة بالأوتوبيسات التى كانت تسير فى شوارع القاهرة قبلها.

مسألة تجميع السيارات كانت شائعة فى عدد من الدول، بما فى ذلك مصر، وكانت تتم بمستوى جودة معقول، لكن دولاً مثل إيران كانت متفوقة على هذا المستوى، لعدة أسباب من بينها أنها لم تعانِ من الحروب والمواجهات التى عانت منها مصر، كما أن التوجه نحو التصنيع فى إيران كان أكثر جدية وعمقاً من التوجه الشبيه بمصر الستينات، أضف إلى ذلك أن تحليل التجربة الإيرانية تشير إلى أن التصنيع هناك يرتبط باستمرار بالتوسع فى إنشاء الجامعات العلمية والتكنولوجية والتى توفر قاعدة من الخريجين القادرين على العمل الناجح والأداء المتميز.

فى كل الأحوال مثلت صفقة الأوتوبيسات الإيرانية ركوبة ملوكى أو شاهنشاهى فرح بها بسطاء المصريين بعد سنوات الحرب.