«البنا» وأبناؤه.. جذور الخيانة وفروعها

سمير عمر

سمير عمر

كاتب صحفي

فى الأيام العشرة الأخيرة كان العديد من السفارات المصرية فى دول غربية بالأساس هدفاً لحملات تحريضية ممتدة، بدأت بدعوات التظاهر أمام السفارات، ثم تحولت لدعوات إغلاق السفارات، ثم بلغ التحريض أقصى مدى بالدعوة إلى استهداف الدبلوماسيين والاعتداء عليهم!

كل هذا تحت شعار دعم القضية الفلسطينية والاحتجاج على موقف مصر تجاه الحرب على غزة، وأنا هنا لا أريد تفنيد ما ساقه المروجون لهذه الحملات التحريضية من مزاعم، ولا أعتزم التذكير بأن الأولى إن كان الهدف هو التنديد بالعدوان على غزة أن يكون التظاهر أمام سفارات إسرائيل فى تلك الدول، لكن ما أود مناقشته هو موقف هذه الدول من تلك الاعتداءات على السفارات المصرية.

وفقاً للقانون الدولى، فإن تأمين مقار سفارات الدول الأجنبية هو مهمة الدول التى تقع السفارات على أراضيها، وفى القانون أيضاً، فإن دعوات التحريض والدعوة لاستخدام العنف، حتى لو لم تنفذ، تعتبر جريمة، وفى القانون كذلك، الفرق كبير بين تنظيم مظاهرة أو فعالية احتجاجية سلمية، وبين الاعتداء على مقر سفارة أجنبية، وما حدث مع عدد من السفارات المصرية فى الخارج لم يكن مشهداً احتجاجياً، بل كان اعتداءً واضحاً على مقر السفارة بإغلاقها وسب العاملين فيها والتهديد باستهدافهم، فلماذا تباطأت بعض الدول فى التعامل بالقانون لمنع هذه الاعتداءات أو معاقبة مرتكبيها؟

وهل للعلاقة بين تنظيم الإخوان، الذى أطلقت عناصره هذه الدعوات وتبنتها أبواقه الدعائية، والمنصات الإعلامية التابعة والمؤيدة له، وبين تلك الدول دور فى هذا التعامل المثير للريبة؟

للإجابة عن هذا السؤال نحتاج إلى مراجعة تاريخ العلاقة بين تنظيم الإخوان والقوى الغربية، وبالتحديد الأمريكية والبريطانية، فلا شك أن ذلك سيفيدنا جداً فى قراءة المشهد الحالى، وفى هذا الصدد ننقل عن «مارتن فرامبتون»، فى كتابه «الإخوان المسلمون والغرب: تاريخ العداوة والارتباط»، الصادر عن جامعة هارفارد الأمريكية، قوله: إن تنظيم الإخوان لفت انتباه الدبلوماسيين الأمريكيين لأول مرة خلال الحرب العالمية الثانية، وفى مطلع الأربعينات تحديداً.

قبل ذلك، لم يعيروا اهتماماً يُذكر للتنظيم، ووصف المسئولون فى المفوضية الأمريكية بالقاهرة الإخوان بأنهم متورطون فى «أنشطة تخريبية». وفى رأيهم، كان الإخوان «يميلون إلى المزايدة لإعطاء ولائهم لمن يدفع أكثر».

وطبعاً كان الإخوان، ووفقاً لهذا الرأى، جماعة مثالية للتعاون مع الأمريكان الذين كانوا قد وصلوا لقناعة فى هذه الفترة بضرورة التنسيق مع بريطانيا فى رسم السياسات الاستعمارية فى الشرق الأوسط بدلاً من التنافس.

يواصل «فرامبتون»، فى كتابه الذى اعتمد فيه على الوثائق التى رُفعت عنها السرية من الأرشيف البريطانى والأمريكى، روايته الموثقة عما سماه أول لقاء بين مؤسس الجماعة حسن البنا ومسئول أمريكى رفيع.

يوضح «فرامبتون» فى كتابه: عقد مسئول رفيع المستوى فى السفارة الأمريكية، وهو فيليب أيرلند، اجتماعاً مع حسن البنا لمناقشة الوضع السياسى، وهو أول اجتماع كبير بين دبلوماسى أمريكى وزعيم الإخوان المسلمين.

وفى الملاحظات التى سجلها «فيليب أيرلند» عن اللقاء يقدم صورة حية عن «البنا» كرجل مندفع وعصبى سريع الكلام وحاضر البديهة. ويلاحظ «أيرلند» التباين بين تصريحات «البنا» السلمية، وبين ممارسات التنظيم على الأرض.

ووفقاً للدبلوماسى الأمريكى، فقد أمضى «البنا» الكثير من هذا الاجتماع منتقداً خصومه الداخليين، ساعياً إلى كسب تأييد الولايات المتحدة.

فقد أدان حزب الوفد، باعتباره يضم «شباباً خفاف الدماغ مأجورين من السوفيت»، علاوة على ذلك، وفى إشارة واضحة إلى المصالح الأمريكية، أشار «البنا» للإسلام باعتباره «الحاجز العظيم» للشيوعية، وعلى هذا الأساس، أراد «البنا» التحالف مع الولايات المتحدة، واقترح أن «أمريكا والإخوان يجب أن يصبحوا حلفاء فى محاربة الشيوعية».

هكذا بكل وضوح سعى «البنا»، الذى ما خرجت جماعته إلا لشق الصف الوطنى وضرب الحركة الوطنية، لتقديم نفسه وجماعته للقوى الصاعدة فى قيادة المعسكر الغربى.

ويواصل «فرامبتون» فى سرد تفاصيل هذه الصفقة ويقول: «ولتأكيد دورهم فى التصدى للمد اليسارى فى مصر، ساعد الإخوان، فى مايو 1946، على إنهاء إضراب عمال النسيج فى ضاحية شبرا فى القاهرة احتجاجاً على الظروف المعيشية وشروط العمل. وخلال هذه الفترة اشتبكوا مراراً مع اليساريين فى شوارع مصر بدعم من البريطانيين والقصر والحكومة. وخلال هذه الفترة أيضاً، بدأ التنظيم يتباهى علانية بقوته العسكرية من أجل إقناع الأمريكيين بأنه أفضل حليف يمكن التحالف معه لضرب الحركة اليسارية فى مصر. وشدد (البنا) على حجم وإمكانات الإخوان، وتأكيد أن الإخوان يمكن أن يشكلوا رصيداً حقيقياً للأمريكيين فى مصر».

فى هذا التوقيت لم يفت على التنظيم ومؤسسه حسن البنا أن البيئة المتغيرة بعد الحرب العالمية الثانية يمكن أن تساعد التنظيم على النمو والانتشار. وكانت رؤية «البنا» أن العالم يقف عند مفترق طرق: طريق يتجه نحو الشيوعية وروسيا السوفيتية. والآخر نحو الديمقراطيات الغربية وبريطانيا وأمريكا. وكان خيار التنظيم مغازلة المعسكر الثانى، دون قطع كل الخيوط مع المعسكر الأول.

حقاً لقد كان «البنا» مجيداً للعب على التناقضات سواء داخل جماعته التى أبعد عنها أى شخص لا يدين له شخصياً بالولاء، أو داخل الخريطة السياسية فى مصر ومراكز الثقل والتأثير فيها من القصر إلى الإنجليز إلى أحزاب الأقليات الداعمة لهم، أو حتى داخل خريطة التحالفات الدولية حين عرض خدماته على دول المحور «إيطاليا وألمانيا» دون أن يقطع خطوط الاتصال مع بريطانيا.

وبقيت سيرة «البنا» ومنهجه هو الطريق الذى تسير فيه الجماعة وقياداتها اللاحقة، فكان التحالف الأشهر فى سبعينات القرن الماضى عندما فتحت الجماعة أبواب مقرها الرئيسى فى التوفيقية بقلب القاهرة لتلقى طلبات التطوع لـ«الجهاد» فى أفغانستان، بدعم وتوجيه الولايات المتحدة الأمريكية تحت مزاعم محاربة الشيوعية والاحتلال السوفيتى، متجاهلة قضية العرب والمسلمين الكبرى فى فلسطين.

وعلى هذا الدرب مضت العلاقة بين الطرفين؛ هجوم إعلامى فى بعض الأوقات لحشد الأنصار وتعبئة الجماهير، وتعاون دائم فى السر يدعم الجماعة ويمولها ويفتح لها الأبواب الموصدة.

بريطانيا راعية الجماعة وصانعة قياداتها

بالطبع لم تكن العلاقات بين جماعة الإخوان والولايات المتحدة الأمريكية هى الأولى فى سجل خيانات الجماعة ومؤسسها ومن خلفوه فى قيادتها، فقد سبقتها بالتأكيد العلاقة مع بريطانيا، دولة الاحتلال التى أفسحت المجال أمام حسن البنا وجماعته للتوسع وكسب الأنصار لضرب الحركة الوطنية المصرية وتشتيت نضالات الشعب الساعى للتخلص من الاحتلال وذيوله.

وهناك الكثير من الوقائع التى يصعب سردها فى هذه المساحة، لكن دعونا نتخير بعضها، وهنا ننقل مرة أخرى من كتاب «فرامبتون» الذى يقول:

عام 1946 التقى السير «والتر سمارت»، من السفارة البريطانية، بحسن البنا، فيما يبدو ثانى لقاء من نوعه بين الاثنين.

ويشير تقرير «سمارت» إلى أنه تحدث مع «البنا» فى منزله قبل ثمانية عشر شهراً. وفى تعبير عن ثقته المتنامية، أكد «البنا» أن «الأهداف الدينية فى الإسلام هى بالضرورة سياسية».

وأهم من هذا أعاد «البنا» تأكيد ما سماه سمارت «أطروحته القديمة»، بأن «الإخوان المسلمين هم حلفاء بريطانيا الأكثر فائدة فى مجتمع مهدد بالانحلال» وشدد «البنا» على أن الإخوان المسلمين هم «أكبر حاجز ضد الشيوعية» و«أكبر عامل لتحقيق الاستقرار».

إنها نفس الطريقة فى تقديم «البنا» لنفسه ولجماعته للقوى الاستعمارية: نحن الحلفاء الأكثر فائدة لكم، نحن الذين سنواجه الشيوعية، نحن الذين سنواجه الانحلال، نحن الذين سنواجه الديكتاتورية، نفس النغمة بنفس الطريقة بنفس الاستعداد للعمالة والخيانة، ستجدون فى مفردات الجماعة وخطابها مع الغرب تأكيداً على ذات المعانى.

فعلها خيرت الشاطر فى مقال نشره فى صحيفة الجارديان البريطانية عام 2005 وهو يقدم جماعته للغرب كبديل متعاون وأكثر فائدة للغرب عن نظام الرئيس مبارك تحت عنوان «لا تخافوا منا»، وفعلها الإخوان على منصة رابعة حين تحدثوا باللغة الإنجليزية، داعين الولايات المتحدة للتدخل واحتلال مصر وإعادة رئيسهم محمد مرسى.

وطبعاً لا يجب على الغرب أو أى قوة استعمارية أن تخشى من الإخوان، فتاريخهم ملوث بالتعاون والتنسيق، بل وحماية الاستعمار حتى ولو كذبوا ورفعوا شعارات المقاومة المزيفة.

ففى عام 1946 وبينما كانت القوى الوطنية صفاً واحداً فى مواجهة الاستعمار البريطانى فى مصر، كما يقول الأستاذ خالد محيى الدين، عضو مجلس قيادة الثورة: «اتخذت جماعة الإخوان خطاً سياسياً مخالفاً لإجماع الحركة الوطنية؛ فأعلنت تأييدها الطاغية إسماعيل صدقى ودعم وتأييد مشروع (صدقى - بيفين) وخرج مرشد الجماعة، الشيخ حسن البنا، فى سيارة حكمدار البوليس المكشوفة ليهدئ المتظاهرين ضد هذه المعاهدة».

وبعد اغتيال «البنا» وتولى حسن الهضيبى منصب المرشد العام للجماعة سارت الجماعة فى ذات الطريق، فبعد إلغاء معاهدة 1936 فى 18 أكتوبر 1951 وأُعلن الكفاح المسلح ضد الإنجليز فى القناة، قال المرشد الجديد للجماعة، حسن الهضيبى، لمندوب جريدة المصرى فى الخامس والعشرين من أكتوبر 1951: «وهل تظن أن أعمال العنف تخرج الإنجليز من البلاد؟، إن واجب الحكومة اليوم أن تفعل ما يفعله الإخوان من تربية الشعب وإعداده، وذلك هو الطريق لإخراج الإنجليز».

وخطب «الهضيبى» بعدها فى شباب الإخوان قائلاً: «اذهبوا واعكفوا على تلاوة القرآن الكريم»،

وقد رد عليه الأستاذ الجليل خالد محمد خالد، الذى لم يكن بعيداً عن الجماعة، بمقال كاشف فى مجلة روزاليوسف تحت عنوان «أبشر بطول سلامة يا جورج» قال فيه:

الإخوان المسلمون كانوا أملاً من آمالنا، لم يتحركوا، ولم يقذفوا فى سبيل الوطن بحجر ولا طوبة، وحين وقف مرشدهم الفاضل يخطب منذ أيام فى عشرة آلاف شاب قال لهم اذهبوا واعكفوا على تلاوة القرآن الكريم، وسمعت مصر المسكينة هذا التوجيه فدقت صدرها بيدها وصاحت: آه يا كبدى».

والواقع أن اللعب على المتناقضات داخل الحركة الوطنية المصرية، وموالاة الملك تارة، وقوى الاحتلال البريطانى تارة أخرى، لم يكن وحده أهم ما يميز «البنا» وتابعيه، فعلى الجانب الآخر كان هناك توجه استراتيجى سيبقى عنواناً مهماً لتحركات الإخوان بعد ذلك وهو الاستعداد الدائم للتعاون مع القوى الاستعمارية.

حقاً لم يقذف الإخوان فى سبيل الوطن بحجر، لكنهم وجهوا نيرانهم وإرهابهم ضد الوطن والشعب، وأخيراً ضد سفارات مصر فى الخارج تحت مزاعم دعم القضية الفلسطينية.