اعترافات مشاهير «تيك توك» تكشف المستور عن «شبكة غسيل الأموال»

كتب: محمد طارق

اعترافات مشاهير «تيك توك» تكشف المستور عن «شبكة غسيل الأموال»

اعترافات مشاهير «تيك توك» تكشف المستور عن «شبكة غسيل الأموال»

يُشكل العالم السفلى لـ«غسيل الأموال» كابوساً هوليوودياً للنظام المصرفى، يزداد إثارة يوماً بعد يوم، باستغلال الطفرة الصاروخية لتكنولوجيا تبادل الأموال، لتعقيد مسارات التتبع، وبناء جسور وهمية لنقل الأموال وتبييضها ومنع تعقبها. ورغم صعوبة قياس النطاق الحالى لغسيل الأموال، فإن تقديرات البنك الدولى وصندوق النقد (IMF) تشير إلى أن حجم الأموال المغسولة عالمياً يتراوح بين 3% و5% من الناتج المحلى الإجمالى العالمى (GDP)، ما يعادل تقريباً 2.2 تريليون إلى 3.7 تريليون دولار سنوياً.

التيك توك الذى ينافس على عرش التطبيقات الأكثر ربحاً فى التاريخ، أصـبح قِبلـة لــ«مبيضى الأموال» حـول العـالم بـعـد أن وجــدوا فى عملته الافتراضية الـ«Coins» «مــلاذاً آمناً»، ومن بينهـم بالطبـع ساكنو «الدارك ويب»، والذى يصل حجم اقتصاده لمليارات الدولارات سنوياً، كمبيعات لتجارة المخدرات والنصب والاحتيال، وسرقة واختراق الحسابات البنكية، وغيرها من العمليات الإجرامية التى تتم داخل دهاليز العالم المظلم المعروف بـ«DARK WEB».

أول الخيوط التى التقطتها «الوطن»، فى محاولة لمعرفة كواليس ما يجرى فى الجانب الآخر من عالم «تيك توك»، بعيداً عن الرسوم والأشكال المبهجة. كان اعترافات عدد من «التيك توكرز» المشهورين على «تيك توك» بتلقيهم عروضاً من المتورطين فى شبكات غسيل الأموال.

«نادر»: حسابات مجهولة عرضت علىَّ «تبييض الأموال» مقابل نسبة.. والمزايدون على بطاقات الفيزا المسروقة عبر «الدارك ويب» يستغلون التطبيق لتحويلها إلى «كاش»

التيك توكر نادر أحمد، الذى يحظى بنحو 2 مليون متابع على حسابه على التيك توك ويُعد من أشهر التيك توكرز داخل مصر، كشف كواليس تواصُل أشخاص متورطين فى شبكة لغسيل الأموال على التيك توك قائلاً: «حسابات وأشخاص مجهولين تواصلوا معايا، وطلبوا منى أكون جزء من عمليات غسيل أموال على تطبيق التيك توك، هيرسلوا ليَّا هدايا خلال البث المباشر، مقابل الحصول على نسبة من الأموال المحوَّلة».

«نادر» سرد باقى التفاصيل الخاصة بشبكة غسيل الأموال قائلاً، فى تصريحات مُسجلة لـ«الوطن»: «الغريب أن هذه الحسابات بعد أيام قليلة من عدم ردى عليها اختفت تماماً وحُذفت من التيك توك»، مضيفاً: «نسبة كبيرة من الأموال تُرسَل من بطاقات بنكية مسروقة ومهكرة، تم بيعها داخل مزادات مشبوهة على «الدارك ويب».

نادر أجاب أيضاً عن النسبة المحددة بين المتورط فى «غسيل الأموال» ومُقدم المحتوى المشارك معهم قائلاً: «حجم الأموال المرسلة والنسبة ستكون بناء على شهرة صاحب البث المباشر وعدد مشاهديه، فكلما كانت شعبيته أكبر، يحصل على أموال ونسبة أكثر لإبعاد أى شكوك».

ثغرات غسيل الأموال

طبقاً لقسم حماية المستهلك بولاية يوتا الأمريكية، قدمت «تيك توك» ميزة البث المباشر (LIVE) فى عام 2019، وسرعان ما أصبحت شديدة الشعبية، مما شكَّل مصدراً رئيسياً لإيرادات الشركة. وفى نفس العام، أضافت TikTok ميزات تحقيق الدخل التى تسمح للمستخدمين بشراء «العملات» (Coins) وإرسال «هدايا» افتراضية خلال البث المباشر، ويمكن للمستلمين تحويل هذه الهدايا إلى أموال حقيقية.

الدكتور وليد حجاج، خبير أمن المعلومات ومستشار الهيئة الاستشارية العليا للأمن السيبرانى، قال إن منصات التواصل الاجتماعى تُعد أرضاً خصبة للابتكار والإبداع، لكنها فى المقابل تُشكّل ساحة جديدة للجرائم الإلكترونية، وأبرزها غسيل الأموال. يظهر ذلك بشكل متزايد على تطبيق تيك توك، حيث تُستخدم عملاته الافتراضية كوسيلة غير مباشرة فى هذا الأمر.

خطوات غسيل الأموال عبر «تيك توك»، وضَّحها حجاج، فى تصريحات لـ«الوطن»، قائلاً إنها تبدأ بشراء المتورطين كميات كبيرة من العملات الافتراضية المتاحة على التطبيق باستخدام الأموال غير المشروعة، مستخدمين حسابات مسجلة بأسماء مزيفة أو مجهولة، لضمان صعوبة تتبُّع مصدر الأموال، ثم تُستخدم العملات الافتراضية لشراء هدايا رقمية تُرسَل إلى مقدمى المحتوى (اللايف ستريمرز) خلال البث المباشر.

«حجاج» أشار إلى أن هذه الهدايا تظهر كدعم مباشر لمقدمى المحتوى، مما يجعل العملية تبدو طبيعية وغير مثيرة للشبهات، ثم يقوم صاحب البث المباشر بتحويل الهدايا إلى مقابل مادى يُودع فى حسابه البنكى، إلا أن «تيك توك» يخصم نسبة تصل إلى 50% من القيمة الأصلية للهدايا، ويحول المبلغ المتبقى إلى صاحب البث.

«حجاج» أوضح أن تتبُّع هذه الأموال فى غاية الصعوبة، خصوصاً أن «تيك توك» لديه ملايين المستخدمين النشطين يومياً، مما يجعل اكتشاف مثل هذه الأنشطة تحدياً كبيراً، علاوة على أن المتورطين فى غسيل الأموال يستخدمون تقنيات معقدة لإخفاء هويتهم، مثل الحسابات الوهمية والشبكات الافتراضية الخاصة (VPN).

وأشار «حجاج» إلى أنه رغم خضوع البنوك والجهات المالية لالتزامات قانونية بمراقبة الإيداعات مثل الإبلاغ عن أى إيداع يتجاوز الحد القانونى (عادة ما يكون 10٫000 دولار)، كما تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعى لاكتشاف الأنماط المشبوهة، فإن المتورطين فى عمليات غسيل الأموال يستغلون الثغرات الرقابية لإيداع أموالهم المشبوهة، مثل تقسيم الأموال إلى مبالغ صغيرة، وإيداع الأموال فى دول أو مؤسسات بنكية ذات رقابة ضعيفة، واستخدام تقنيات مثل العملات المشفرة التى تُصعِّب عملية التتبع، وكذلك استغلال التكنولوجيا مثل المحافظ الرقمية والتشفير لتضليل المؤسسات المالية، مما يجعل اكتشاف الأنشطة غير المشروعة أكثر تعقيداً.

«حجاج» أوصى بتعزيز الرقابة البنكية وتطبيق معايير صارمة للتحقّق من الهوية عند فتح الحسابات، والاستثمار فى أنظمة ذكاء اصطناعى قادرة على اكتشاف الأنماط المريبة ومتابعة العمليات غير الاعتيادية، وزيادة الشفافية، بمطالبة المؤسسات المالية بتحليل وتحقيق دورى فى المعاملات الكبيرة، فرغم الرقابة البنكية الصارمة فى بعض الدول، إلا أن استغلال الثغرات القانونية يحدث.

«مداهم» يرد على اتهامات «غسيل الأموال»: «أغلب اللى بيغسلوا أموال أكونتاتهم مجهولة واتعرض عليَّا 4 مرات ورفضت وسككى كلها ميرى ومستعد أواجه أى حد بحساباتى البنكية»

التيك توكر نادر أحمد، لم يكن الوحيد الذى أعلن عن تلقيه عروضاً للتورط فى شبكة لغسيل الأموال، التيك توكرز «مداهم»، والذى يُعد أحد أشهر التيك توكر أيضاً داخل مصر، ولديه أكثر من 3 ملايين متابع، تلقَّى العرض نفسه، حيث خرج فى بث مباشر على صفحته منذ أشهر للرد على شائعات تورطه فى الأمر قائلاً: «الحمد لله عمرى ما غسلت 10 آلاف جنيه حتى، وأقسم بالله اتعرض عليَّا 4 مرات، ولله الحمد مانفذتش مع حد علشان مش وش الكلام ده، ولله الحمد».

«مداهم» أبدى استعداده أيضاً لكشف كافة حساباته البنكية قائلاً: «عندى استعداد أواجه أى حد بحساباتى البنكية، أنا نضيف من أول يوم دخلت فيه البرنامج، وهفضل نضيف لحد ما أرحل منه، عندى استعداد أواجه أى حد وأوريهم حساباتى البنكية، ويطلعوا على حسابى على التيك توك، أنا ولله الحمد سككى كلها ميرى». مضيفاً: «أغلب اللى بيغسلوا أموال بتكون أكاونتات مجهولة».

التفاصيل التى أعلن عنها «مداهم» دفعت «الوطن» للتواصل معه منذ أشهر لإجراء مقابلة صحفية لكشف الكواليس الكاملة، وبالفعل وافق على إجراء المقابلة، إلا أن «الوطن» تفاجأت، قبل ساعات من تحديد الموعد، بتراجع «مداهم» عن اللقاء أو حتى الإدلاء بأى تصريحات عن الموضوع.

أسواق «الدارك ويب»

الحديث عن تورط «الدارك ويب» فى عمليات غسيل الأموال عبر «تيك توك» فتح تساؤلاً عن حجم هذه السوق «المظلمة»، لارتباطها الوثيق بـ«غسيل الأموال» على التيك توك، وهو ما حاولت الإجابة عنه شركة Chainalysis، التى تُعد أبرز الشركات المتخصصة فى تتبُّع التعاملات المشفرة ومكافحة الجرائم المالية ولها شراكات حكومية حول العالم.

الشركة رصدت، خلال تقرير جرائم العملات المشفرة 2025، والذى حصلت «الوطن» على نسخة منه، وجاء فى ١٣٥ صفحة باللغة الإنجليزية، أن أسواق الإنترنت المظلم ومتاجر الاحتيال «Darknet markets and fraud shops»، والتى تُعد إحدى منصات التجارة غير القانونية داخل شبكة «الدارك ويب»، تلقت فى ٢٠٢٤ عملات «بيتكوين» توازى أكثر من ٢ مليار دولار، بعد أن كادت تقترب من ٣ مليارات دولار فى ٢٠٢٣، وذلك نتيجة الجهود الدولية لمكافحة جرائم وتجارة «الدارك ويب» والتى وصلت ذروتها عام ٢٠٢١ بعد أن تخطت ٣ مليارات دولار.

جولات «تيك توك»

ثانى الخيوط التى التقطتها «الوطن»، فى تتبُّعها لبصمات «غسيل الأموال»، كان «جولات التيك توك»، التى أشارت إليها أصابع الاتهام باعتبارها «مسرح غسيل الأموال الرئيسى»، لكن ما هى هذه الجولات، وماذا يجرى داخلها؟ وما حجم الأموال والهدايا المرسلة خلالها حتى تكون أرضاً خصبة لمثل تلك العمليات المشبوهة لـ«تبييض الأموال»؟

الجولات هى إحدى الأدوات المهمة داخل «تيك توك»، عبارة عن تحديات ومباراة مدتها 5 دقائق، يتنافس خلالها أكثر من مقدم محتوى على استقبال الهدايا، والفائز هو من يجمع أكبر عدد من «النقاط»، التى تُحدَّد بشكل رئيسى بناء على عدد العملات الافتراضية للهدايا المرسَلة من «الداعمين» (كل نقطة توازى عملة افتراضية، وكل هدية تساوى عدداً معيناً من العملات، بعضها يساوى عملة واحدة مثل «الوردة»، وبعضها يتجاوز الـ30 ألف عملة افتراضية مثل «الأسد»)، وبعد إرسال الهدايا يحصل التيك توك على نسبة 50% من قيمتها، والنسبة المتبقية تُحوَّل فى شكل رمز رقمى يسمى «الماس»، يستطيع مُقدم المحتوى استبداله بمقابل مالى بالدولار بناء على عدد الرموز.

«الوطن» حاولت جمع معلومات أكثر عن عالم «الجولات» ورصد حجم الأموال المتداولة خلالها، لفهم كيف تُمرر عمليات غسيل الأموال عبرها، وفى سبيل ذلك رصدت «الوطن» عينة من أشهر وأكبر الجولات التى أُجريت عبر تطبيق «تيك توك» خلال عامى 2023 و2024، وشهدت إرسال عدد كبير من الهدايا خلالهما، فى محاولة لرصد حجم الأموال التى تُرسل عبر هذا النوع من «اللايفات».

واعتمدت «الوطن» فى عملية الرصد التقريبى للأموال على الحصر اليدوى لأغلى الهدايا المرسَلة، والمؤثرة فى نتيجة الجولة، مع استبعاد معيار «الاسكور»، لتأثره بحوافز لا تضمن دقة الحصر، مثل ما يُعرف بـ«الدبل والقفاز»، وهى أدوات يستغلها مُقدم المحتوى لمضاعفة الاسكور خلال ثوانٍ ودقائق محددة.

أولى هذه الجولات والتى صُنفت من ضمن أكبر الجولات داخل «تيك توك»، كانت بين «ك. ى»، أحد أشهر التيك توكرز بالوطن العربى، وعلى حسابه نحو 5 ملايين متابع، و«أ. ن»، حامل جنسية إحدى الدول الآسيوية، حيث تجاوزت قيمة الهدايا التى أُرسلت خلال «الجولة» قيمة الـ27 ألف دولار، والمفاجأة أن داعماً واحداً فقط يُدعى «خ» تخطى نصيبه من هذا المبلغ حوالى 59%، بإرساله هدايا تجاوزت قيمتها الـ16 ألف دولار، فى مدة لا تتجاوز الـ5 دقائق.

وخلال الجولة، كانت هدية «TikTok Universe»، والتى تُعد الأغلى داخل تطبيق التيك توك، هى الأكثر إرسالاً بحوالى 35 مرة، حيث يبلغ ثمن شراء الداعم لكل واحدة منها 44999 عملة افتراضية، أى ما يعادل 674٫9 دولار، بإجمالى 23.624 ألف دولار (هو سعر الـ35 TikTok Universe فقط قبل خصم حصة التيك توك).

الجولة الثانية كانت بين «ن. ى»، الذى يمتلك على حسابه 4 ملايين متابع، و«ع. ن»، الذى يمتلك أكثر من مليون متابع، حيث تجاوزت قيمة الهدايا التى أُرسلت خلال «الجولة» الـ23 ألف دولار، خلال 5 دقائق فقط، كانت الهدية الأكثر إرسالاً هى «صقر الرعد»، التى تُعد من أغلى الهدايا داخل التطبيق بسعر 39999 عملة افتراضية أى ما يعادل 599.9 دولار، وأُرسلت 24 مرة بإجمالى مبالغ بلغ 14.3 ألف دولار، كان نصيب الداعم «أ. ر» منها 21 مرة، بإجمالى مبلغ تخطى الـ12 ألف دولار، فيما جاءت هدية «TikTok Universe»، فى المركز الثانى بمعدل إرسال 12 مرة، بإجمالى مبالغ وصل لحوالى 8.1 ألف دولار.

الجولة الثالثة، التى رصدتها «الوطن»، كانت بين «م. ى» الذى يمتلك أكثر من 5 ملايين متابع، وعدد من التيك توكرز الصينيين، حيث تجاوزت قيمة الهدايا التى أُرسلت خلال «الجولة» 22 ألف دولار خلال 5 دقائق فقط، تصدرت خلالها هدية «سيارة رياضية ذهبية» قائمة الهدايا الأكثر إرسالاً، بمعدل إرسال حوالى 41 مرة، بمبالغ تخطت الـ1.2 مليون عملة افتراضية، وهو ما يعادل أكثر من 18 ألف دولار.

حسابات الداعمين الوهمية

بعد انتهاء الجولات، تتبعت «الوطن» حسابات عدد من الداعمين الكبار خلال «الجولة»، وكانت المفاجأة أن بعض الحسابات كانت بأسماء وصور مستعارة، وقائمة «أتابعه» لديهم مغلقة، لا يمكن الاطلاع عليها، وبعضهم لا ينشر أى محتوى على صفحته، والبعض الآخر يكتفى بفيديوهات تعبيرية وليست واقعية، كما أن بعض الحسابات وصلت لمستوى 50 خلال شهر واحد (وهو الليفل الأعلى فى إرسال الهدايا) وبعضها اختفى بعد فترة دون أى أثر وبشكل مفاجئ.

طبقاً لإرشادات «تيك توك»، ينقسم الداعمون الذين يرسلون هدايا لمقدمى المحتوى، لـ50 مستوى، يعتمد كل مستوى على عدد الهدايا التى أُرسلت. المستويات من 1 لـ25 هى مستويات شائعة، ولا تتطلب إرسال هدايا كثيرة وغالية الثمن، بينما رحلة الوصول إلى المستويات الأعلى، خصوصاً تلك التى تتجاوز المستوى 40، فتتطلب إرسال هدايا كثيرة وباهظة الثمن جداً.

تواصلت «الوطن» مع عدد من حسابات الداعمين، أصحاب الأسماء المستعارة، لكن لم تتلقَّ أى رد على رسائلها. وبالبحث داخل إرشادات تطبيق توك، لم تعثر «الوطن» على أى معلومة عن حجم الأموال وقيمة الهدايا المطلوب إنفاقها للوصول لكل مستوى، ويبدو أن «تيك توك» أخفى هذه المعلومة عن «عوام المستخدمين» وجعلها متاحة فقط لداعمى كل مستوى على حدة، لكن بتتبع حجم الهدايا المرسَلة من المستويات العليا، يتطلب الوصول لليفل 50 إنفاق آلاف آلاف الدولارات.

هل التيك توك.. الأعلى ربحاً؟

حجم الأموال المنفَقة خلال «جولات التيك توك» فتح تساؤلات عديدة، عن حجم إنفاق المستخدمين عالمياً على الهدايا وشراء العملات الافتراضية، وكذلك حجم أرباح التطبيق الشهير، بعد استحداثه هذا النوع من الإيرادات، أسوة بتطبيقات الألعاب الشهيرة.

جميع تلك الأسئلة، أجابت عنها شركة الأبحاث ومزودة البيانات «داتا إيه آى» العالمية، التى تم تأسيسها عام 2010، وتُعتبر من أبرز الشركات فى مجال تحليل بيانات التطبيقات والأداء الرقمى. وتقدم رؤى وتحليلات تستند إلى بيانات شاملة تم جمعها من متاجر التطبيقات مثل Google Play وApple APP Store وتُستخدم تقاريرها وأدواتها من قبَل شركات كبرى مثل Google، Amazon، وMicrosoft، لفهم اتجاهات السوق، وتحسين الأداء الرقمى، والتخطيط لاستراتيجيات التسويق.

فالشركة التى اكتسبت ثقة عالمية، أصدرت فى ديسمبر 2023، تقريراً بعنوان «State of Mobile 2024»، تضمَّن تحليلاً شاملاً لأداء تطبيقات المحمول، ومن ضمنها «تيك توك»، من حيث عدد التنزيلات، والإنفاق داخل التطبيق، والإعلانات، أجاب عن كل الأسئلة المطروحة وكشف إحصائيات مهمة للغاية.

المفاجأة الأولى فى تقرير شركة «داتا إيه آى»، الذى حصلت «الوطن» على نسخة منه، أن التيك توك أصبح فى عام 2023 أول تطبيق على الإطلاق، خارج تطبيقات الألعاب، يحقق 10 مليارات دولار من إنفاق المستهلكين منذ إنشائه، بمعدل زيادة مليار دولار كل ربع سنة، فى حين استغرق الأمر ما يقرب من 10 سنوات لأى تطبيق غير مخصص للألعاب للوصول إلى مليار دولار فقط من إنفاق المستهلكين.

وعن مصدر تلك العائدات، كشف التقرير أن أغلبها يأتى من المشتريات داخل التطبيق من العملات التى يمكن استخدامها لدعم مُقدمى المحتوى بالهدايا فى أثناء البث المباشر، فبفضل «تيك توك»، على حسب التقرير، تحولت وسائل التواصل الاجتماعى الآن لساحة معركة على الدولارات، بعد أن تغيرت عادات المستهلكين، بتفضيلهم الإنفاق من خلال إرسال الهدايا والدعم داخل التطبيقات نفسها، بشكل فتح الباب على مصراعيه أمام الاشتراكات والمشتريات داخل التطبيقات.

«داتا إيه آى»: أكثر من 11 مليار دولار معدل إنفاق المستهلكين على التطبيق منذ إنشائه.. و«تيك توك» أول تطبيق ينافس «الألعاب» فى معدل الإنفاق

على حسب تقرير «داتا إيه آى»، فإن الاقتصاد الرقمى الموجود للأجهزة المحمولة بشكل عام، وصل عام 2023 لنحو 533 مليار دولار، موزعة بين الإعلانات التى حققت عائدات قيمتها 362 مليار دولار بنسبة 67٫92%، ومتاجر التطبيقات، التى من بينها المشتريات داخل التطبيقات مثل الميزات الإضافية أو العملات الافتراضية، والتى حققت عائدات بقيمة 171 مليار دولار بنسبة 32.08%.

وطبقاً لتقرير State of Mobile 2025، الذى رصد حجم المشتريات داخل تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعى، فقد هيمن عليها TikTok وYouTube، اللذان يستحوذان وحدهما على أكثر من 70% من إنفاق المستهلكين فى هذا النوع الفرعى، حيث تجاوزت حصة التيك توك الـ 11 مليار دولار.

وقد أحدث TikTok، على وجه الخصوص، ثورة فى تحقيق الإيرادات خارج الألعاب، من خلال تقديم مشتريات داخل التطبيق تتيح للمستخدمين تقديم هدايا لصانعى المحتوى أو الترويج لمحتواهم.

«ليكسى سيدو»، المديرة السابقة لقسم البيانات فى «داتا إيه آى» والمشرفة على التقرير، كشفت تفاصيل إضافية عنه، قائلة إن حجم الإنفاق الاستهلاكى على «تيك توك» زاد خلال الربع الأخير من 2023 بنحو 3.8 مليار دولار، بنسبة زيادة 61% مقارنة ببداية العام نفسه، مشيرة إلى أن إنفاق المستخدمين كان على شراء العملات الافتراضية والهدايا الموجودة داخل التطبيق، لدعم مُقدمى المحتوى، هذا بالإضافة لإيرادات الإعلانات التقليدية.

المفاجأة الثانية، التى كشفت عنها «ليكسى»، فى تصريحات خاصة لـ«الوطن»، أن «تيك توك» ينافس على عرش التطبيقات الأكثر ربحاً فى التاريخ حتى الآن، حيث ينفق المستهلكون أكثر من 11 مليون دولار يومياً على شراء الهدايا ودعم مُقدمى المحتوى طبقاً لإحصائيات 2023، ليتجاوز بذلك اللعبة الأكثر ربحاً حتى الآن Candy Crush Saga.

معدل تسارع حجم الإنفاق داخل «تيك توك» خلال الشهور الماضية كبير جداً، هكذا صرَّحت ليكسى، بعد أن ارتفع من 5 مليارات دولار إلى 10 مليارات دولار، خلال 15 شهراً فقط، فى حين احتاجت الألعاب المنافسة، التى تمثل حوالى 66% من إجمالى الإنفاق على الأجهزة المحمولة، مدة أطول بكثير للوصول للرقم نفسه، كالآتى: Honor of kings خلال 35 شهراً، وCandy Crush خلال 51 شهراً، وMonster Strike خلال 62 شهراً، وClash of Clans خلال 81 شهراً.

أما قائمة التطبيقات، غير المخصصة للألعاب، والأقرب لـ«تيك توك» من حيث حجم إنفاق المستهلكين، فتضمنت عام 2023، على حسب «ليكسى»: Tinder الذى جاء فى المرتبة السابعة بمعدل إنفاق وصل لـ7.8 مليارات دولار منذ إنشائه، فيما احتل YouTube المرتبة التاسعة بمعدل إنفاق وصل لـ7.5 مليارات دولار منذ إنشائه.

تحركات دولية ضد «تيك توك»

العمليات المشبوهة لـ«غسيل الأموال» دفعت عدداً من الدول على الصعيد العالمى لاتخاذ إجراءات قانونية، ففى أمريكا، وبالتحديد فى ولاية يوتا، رفع المدعى العام «شون رييس»، من خلال قسم حماية المستهلك التابع له، فى شهر يونيو الماضى، دعوى جديدة ضد «تيك توك»، ما زالت منظورة أمام القضاء الأمريكى، بسبب عدد من الادعاءات والاتهامات، بشأن ضعف نظام الرقابة على إرسال واستقبال العملات الافتراضية والأموال عبر التطبيق، بشكل سهَّل عمليات غير قانونية لـ«غسيل الأموال».

الاقتصاد الافتراضى داخل التطبيق، على حسب الدعوى، التى حصلت «الوطن» على نسخة منها، وجاءت فى 54 صفحة باللغة الإنجليزية، سهَّل إجراء معاملات بمليارات الدولارات بين مستخدمى التطبيق، بشكل أدى إلى ظهور ثقافة مقلقة من الاستغلال والنشاط غير القانونى.

مستشار الأمن السيبرانى: العملات الافتراضية داخل «تيك توك» سهَّلت «غسيل الأموال».. والمتورطون يستخدمون تقنيات متقدمة كـ«VPN»

وتأتى هذه الدعوى، على حسب ما جاء بها، بعد تحذير شبكة مكافحة الجرائم المالية (FinCEN) من «انتشار الكيانات غير المسجلة للعملات الافتراضية القابلة للتحويل، والتى تفتقر إلى ضوابط كافية لمكافحة غسيل الأموال، بشكل يجعل هذه العملات وسيلة جذابة لنقل الأموال من قبَل أولئك الذين يشاركون فى سلوكيات غير قانونية وأعمال إجرامية بما فى ذلك غسيل الأموال»، فـ«تيك توك»، الذى يشهد تحويلات بملايين الدولارات يومياً، على حسب الدعوى، غير مسجل لدى شبكة مكافحة الجرائم المالية (FinCEN)، التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية، كعمل تجارى لنقل الأموال.

لم يكن هذا الإجراء الدولى الوحيد، على حسب الدعوى، ففى 2022 اكتشفت هيئة تحقيق الجرائم المالية فى تركيا أن بعض الأشخاص استفادوا من حوالى 1.5 مليار ليرة تركية (حوالى 82 مليون دولار) تم تحويلها إلى مستخدمى تيك توك فى الولايات المتحدة ودول أخرى فى مخطط لغسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

وفى العراق، وبالتحديد نهاية الشهر الماضى، أصدر البنك المركزى العراقى تعميماً، حصلت «الوطن» على نسخة منه، إلى كافة البنوك والمؤسسات المالية داخل العراق، بإيقاف التحويلات المالية الواردة والصادرة لوكلاء شركة تيك توك داخل العراق، ولم توضح الوثيقة كواليس وأسباب القرار.

ومن جانبه حذر الخبير المصرفى وليد عادل أن الإجراءات القانونية التى تم اتخاذها فى أمريكا والعراق قد يكون سببها رصد عمليات مشبوهة لـ«غسيل الأموال» التى تتم عبر «تيك توك»، مشيراً إلى أن البنوك الإلكترونية تعانى ثغرات مالية ورقابية تسهل عملية غسيل الأموال، فبعضها يُسهل فتح حسابات دون متطلبات صارمة للتحقق من الهوية، ويمكن للأفراد استخدام هويات مزيفة أو مستندات غير موثوقة لإنشاء حسابات، كما تسعى بعض البنوك الإلكترونية لتقليل التكاليف، مما يؤدى إلى ضعف أمان الأنظمة، ويمكن أن تُستغل هذه الثغرات من قبَل المجرمين لإجراء معاملات غير قانونية، كما تفتقر بعض البنوك الإلكترونية إلى الرقابة الفعالة على المعاملات، مما يجعل من الصعب اكتشاف الأنشطة المشبوهة.

وأضاف «عادل»، فى تصريحات لـ«الوطن»، أن «مبيضى الأموال» يلجأون إلى حيل أخرى لإيداع أموالهم المشبوهة دون تتبُّع، مثل تقسيم الأموال إلى مبالغ صغيرة وتحويلها عبر عدة حسابات متعددة للتشويش على مصدر الأموال، أو إيداعها داخل دول ذات أنظمة مالية ضعيفة؛ مما يُسهِّل إخفاء مصدر الأموال. وأوضح «عادل» أن إحدى الطرق الشائعة لغسيل الأموال على «تيك توك» الآن هى استغلال البطاقات والحسابات المسروقة والمزيفة المعروضة للبيع داخل «الدارك ويب»، والتى تُستخدم مباشرة لشراء العملات الافتراضية على «تيك توك» ثم تحول لأموال حقيقية بعد شراء الهدايا وإرسالها.

تواصلت «الوطن» مع تطبيق «تيك توك» من خلال الإيميل الخاص به، ووسائل التواصل عبر التطبيق نفسه، لتوضيح الإجراءات التى يتخذها للرقابة على الأموال المتداولة، ورصد عمليات غسيل الأموال التى تتم عبر التطبيق، إلا أن «الوطن» لم تتلقَّ رداً حتى مثول «التحقيق» للنشر


مواضيع متعلقة