خبراء: مدينة المعرفة منصة استراتيجية لتصدير الخدمات الرقمية للأسواق الإقليمية والدولية

كتب: محمد متولي

  خبراء: مدينة المعرفة منصة استراتيجية لتصدير الخدمات الرقمية للأسواق الإقليمية والدولية

خبراء: مدينة المعرفة منصة استراتيجية لتصدير الخدمات الرقمية للأسواق الإقليمية والدولية

فى قلب العاصمة الإدارية الجديدة، تجلت مدينة المعرفة كنموذج حديث يُحتذى به فى تكامله بالثورة التكنولوجية والتحول الرقمى فى مصر، وهى المدينة التى أقيمت على مساحة 200 فدان، تمثل حلماً وطنياً يُترجم رؤية الدولة فى بناء اقتصاد معرفى متكامل، يجمع بين الإبداع، والتعليم، والصناعة، والبحث العلمى، لتصبح مصر لاعباً إقليمياً فى مجال التكنولوجيا والاتصالات، بحسب عدد من الخبراء ممن تحدثت إليهم «الوطن».

جمعت المدينة بين المؤسسات التعليمية المتخصصة، والشركات الناشئة، ومراكز الأبحاث، فى بيئة رقمية ذكية، مدعومة ببنية تحتية تكنولوجية عالية الكفاءة، وأشار محمد الحارثى، استشارى التكنولوجيا وأمن المعلومات، إلى أن المشروع يمثل قفزة نوعية نحو دعم صناعة الإلكترونيات وتوطين التكنولوجيا، من خلال توفير معامل متطورة، وفرص تدريب متقدمة للكوادر الشابة، وتوفير بيئة محفزة للإبداع والابتكار.

ويرى «الحارثى» أن المدينة لا تقتصر على كونها مركزاً تكنولوجياً، بل تمثل منصة استراتيجية لتصدير الخدمات الرقمية إلى الأسواق الإقليمية والدولية، لا سيما فى نطاق الشرق الأوسط وأفريقيا، فهى بيئة مرنة تسهّل على الشركات المصرية الناشئة تطوير خدماتها الرقمية وفق أعلى المعايير، ومن ثم تصديرها لتعزيز الاقتصاد الوطنى وزيادة تنافسيته عالمياً. ولتسريع العائد الاقتصادى والتكنولوجى من هذا المشروع الطموح، اقترح «الحارثى» تحويل المدينة لمنطقة حرة تكنولوجية متكاملة، تُمنح فيها الشركات الناشئة حوافز استثمارية ملموسة، مثل الإعفاء الضريبى لمدة خمس سنوات، وتسهيلات بنكية لتحويل العائدات الدولارية، كما شدد على أهمية توفير منصة ذكية موحدة لتسجيل الشركات وتسويق منتجاتها داخل وخارج مصر.

ومن بين التوصيات الأخرى، إنشاء صندوق تمويل خاص موجه لدعم مشروعات الذكاء الاصطناعى، وإنترنت الأشياء، والأمن السيبرانى، والتطبيقات الرقمية، ويمكن تمويل هذا الصندوق عبر شراكات محلية ودولية، على أن يمنح تمويلاً أولياً مقابل حصة محدودة من المشروعات لضمان استمراريته واستقلاليته.

من جهته، قال الدكتور محمد عزام، استشارى التحول الرقمى، إن توسيع نطاق تأثير مدينة المعرفة يتطلب فتح أبوابها أمام الكفاءات الشابة من مختلف المحافظات، وليس الاقتصار على النخبة فى العاصمة فقط، مقترحاً إطلاق مبادرات قومية لاحتضان الابتكار، مثل مسابقات سنوية للمشروعات الناشئة، وتوفير مساحات عمل تشاركية مجهزة، وشبكات ربط مع الجهات الحكومية والمؤسسات البحثية. ويشير «عزام» إلى أهمية استلهام النماذج العالمية الناجحة، مثل الهند والصين، التى حققت طفرات فى تصدير الخدمات الرقمية، ليس فقط بفضل مواردها البشرية، بل بسبب بيئات العمل المرنة والحوافز الاقتصادية، فيما يقول المهندس علاء الدين رجب، خبير التحول الرقمى والتطبيقات الصناعية، إن مدينة المعرفة تأتى فى توقيت مثالى، خاصة فى ظل التحولات المتسارعة فى الاقتصاد العالمى والاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعى، ويرى أن المدينة تسعى إلى سد الفجوة بين البحث العلمى والصناعة، وهى فجوة طالما عانت منها مصر، حيث تبقى مخرجات الأبحاث العلمية حبيسة الأدراج دون أن تُترجم إلى تطبيقات عملية. كما توفر المدينة مكونات متكاملة من مراكز التميز فى الذكاء الاصطناعى، ومعامل تطوير التطبيقات الصناعية، والنماذج الأولية، بالإضافة إلى شراكات مع جامعات دولية ومؤسسات صناعية لتوجيه الأبحاث نحو حلول إنتاجية قابلة للتطبيق.

وكان من بين أسباب نجاح المدينة، إعادة صياغة العلاقة بين التعليم والصناعة، وبدلاً من الفصل بين النظرية والتطبيق، فتسعى المدينة إلى إطلاق برامج تعليمية تطبيقية، ومشروعات تخرج مرتبطة بالمصانع، وتمويل مشروعات بحثية ذات أثر اقتصادى مباشر، وهذا التكامل بين الأكاديميات والصناعة يسهم فى إعداد خريجين أكثر تأهيلاً، ومشروعات قابلة للتنفيذ فى السوق.

وأوضح خبير التحول الرقمى والتطبيقات الصناعية أن الدولة تراهن على مدينة المعرفة كأداة استراتيجية لجذب الاستثمارات فى قطاع التكنولوجيا، فالمدينة توفر بيئة أعمال متقدمة، وبنية تحتية ذكية، وخدمات حكومية مرنة، ومناطق صناعية ذكية موجهة للشركات متعددة الجنسيات، كما يُشكل وجود كوادر مدرّبة ومؤهلة عنصر جذب إضافى للمستثمرين الباحثين عن مواقع قريبة من الأسواق الأفريقية والعربية.

وأكد أن المدينة ليست مجرد مشروع عمرانى حديث، بل تجسيد فعلى لتحول نوعى فى فلسفة التنمية فى مصر، حيث إنها مركز إشعاع معرفى، ووسيلة لسد الثغرات بين الأبحاث الأكاديمية والصناعة، ومنصة للريادة التكنولوجية وريادة الأعمال، ويأمل القائمون على المشروع أن يُشكل نموذج مدينة المعرفة قاعدة يمكن تكرارها فى محافظات أخرى، بما يسهم فى توطين التكنولوجيا، وتعظيم الاستفادة من العقول المصرية، وبناء اقتصاد مستدام قائم على المعرفة.

وفى وقت يزداد فيه الاعتماد العالمى على التكنولوجيا والتحول الرقمى، وضعت مصر بهذا المشروع نفسها على الخريطة الدولية كلاعب أساسى فى صناعة المستقبل.


مواضيع متعلقة