«الخرفان».. قدرنا
لم يخلق الله الصدفة، لكنه خلق القضاء والقدر، وبينما نحن منشغلون فى رصد ما نتعرّض له من صُدف، يأتينا ما يحيلها إلى أصلها.
إنها جزء من قضاء، وحقيقة من قدر، نسير إليه ويسير إلينا، لم نختَره لكنه اختارنا، فصرنا فى تحديه نمارس أقصى درجات الصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، والتسليم بالقدر.. وليس الصُّدف، وفى القضية الفلسطينية خير «دليل».
كل شىء حولنا يدعو إلى القلق، عدم التسليم، عدم الأمان، لكننا لا بد أن نطمئن، فكل ما يتم على الأرض من جهد يهدف فى الأساس إلى خلق الأمان وبث الطمأنينة، وكل ما نقابله من تحديات هو فى الأساس لزعزعة هذا الأمان وبث الرعب وهزيمة المصريين بالطريقة الوحيدة التى تهزمهم بالفعل، أن تأتى الهزيمة من ضعف العزيمة، وأن تبدأ من الداخل، لذا فإن الرسالة التى ردّ بها محافظ شمال سيناء على سؤال صحفى عارض يوجّه إليه وإلى كل مسئول على رأس الساعة، لم تكن لتأخذ كل هذا الانتشار، لولا أن قدراً أراد للمصريين أن يطمئنوا، أن يأمنوا، أن يثقوا فى أننا نملك بالمعلن وغير المعلن ما نحمى به أرضنا فى مواجهة كل من يفكر.. مجرد تفكير، فما بالك بمن يحاول، وكتب التاريخ فيها الرد البليغ.
ثم يأتى «الدليل» على أننا إذا ما فرغنا من سلاح وتسليح، ستبقى ألسنتنا وقلوبنا وسواعدنا عصية على الهزيمة.. إن الكوميديا التى خلفها ذلك اللقاء بكل رسائله الضمنية والخفية ستعيش أكثر مما أراد لها أصحابها، وليس أدل على الحظ والرزق أكثر من أن يجلس مصرى أصلى أمام «خروف»، يكيل له الردود على منطقه الفاسد، ويحيل ادعاءاته إلى تراب، وهو يوجه له التصويب تلو الآخر، والتصحيح تلو الآخر، يدّعى الخروف أن مصر تغلق معابر، فيرد المصرى بالدليل الذى لا يقبل الشك ولا التدليس، بأن يُعرّف له معنى المعابر ويرسم له خريطة القطاع، ثم يُحدّد بلا مواربة لبّ القضية.
يدين الخروف موقف «السيسى»، فيُصحح له المصرى بالدليل «اسمه الرئيس السيسى رئيس أكبر دولة عربية».. وقبل أن يُكمل الخروف الادعاءات، يُصمته الدليل بالسكتة القلبية «مين العبيط اللى بيقول كده؟».. فإذا بالعبيط يرد ويواصل الخرافات.
هل علم الخروف، وهو يقبل اللقاء أنه سيُناظر مصريين؟ وهل عرف معنى اسمه قبل أن يجلس أمامهم ليكذب عليهم؟.. هل علم أننا ندين بمثل شعبى «أدعى على ابنى وأكره اللى يقول آمين»، وأننا فى عز الغلاء والغضب والضيق، نقف عند حدود الوطن شهداء محتمَلين، ندفن أرواحنا فى الرمال ولا «يدخل أرضى خسيس وجبان»، ونروى بدمائنا رمالاً عطشى، تُسقى أولاً بدماء العدو قبل أن ترويها دماؤنا.
هل علم أن جنسيته الحقيقية ظهرت على لسانه، وأن علم الجزائر الذى تخفّى وراءه تبرّأ منه، وأنه وغيره عشرات لن يغيّروا واقعاً عنوانه الوحيد «مصر الشرف»؟
وهل عرف أن ما حاول أن يُحرزه من أهداف فى مرمى المصريين تحول إلى نيران صديقة حرقت وجهه وأظهرت الوجه الآخر الذى توارى خلف ادعاء «أنقذوا غزة»؟
وبعيداً عن الفكاهة، والكلمات الدالة بلغة الصحفيين، والتى صارت عنواناً للرد على كل «بن خروف»، فإننى أود الإجابة عن سؤال تاه فى زحام الاتهامات.. بالفعل أغلقت مصر معبر رفح مرة واحدة، حين حاول الأجانب على أرض فلسطين الفرار، ومعهم عشرات الإسرائيليين الذين ودّوا استغلال الأراضى المصرية فى الهرب من الجحيم، حينها أغلقت مصر الباب بصورة محكمة، وقايضت العالم على العبور، إذا أردت لهؤلاء الحياة، فلا بد أن تؤمّن للفلسطينيين البقاء، قايضت على هروب هؤلاء بدخول شحنات ومساعدات، كانت سيارة الغذاء تمر للداخل الفلسطينى وتتسلّمها لجان الإغاثة فتُعطى مصر الإشارة لمرور وفد من 5 - 10 أجانب بجنسيات محدّدة، من سيارة المعبر إلى المطار للعودة إلى بلادهم.
عملية أمّنت للفلسطينيين البقاء، بقرار من مصر، وموقف من مصر، وسيادة من مصر، ومواجهة من مصر، ليأتى الخروف بعد شهور من العطاء غير المشروط يدَّعى ورفاقه أن مصر لم تفعل شيئاً للقضية، وكأنَّ قدرنا أن نواجه «الخرفان»، سواء من حملوا الجنسية من الإخوان الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وسلكوا سوء السبيل، أو من قالوا نحن عرب وطُبع على قلوبهم نجمة داوود.