رئيس تحرير الأهرام ويكلي: استهداف الصحافة بغزة محاولة للسيطرة على تدفق المعلومات
رئيس تحرير الأهرام ويكلي: استهداف الصحافة بغزة محاولة للسيطرة على تدفق المعلومات
علّق الكاتب الصحفي، عزت إبراهيم رئيس تحرير الأهرام ويكلي، على استهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي، خيمة للصحفيين أمام مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة والذي أسفر عن استشهاد وإصابة 7 صحفيين.
منع شبه تام لدخول الصحافة الأجنبية
قال «عزت» خلال منشور له عبر موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»: «سردية استهداف الصحافة في غزة تبدأ من فكرة السيطرة على تدفق المعلومات كجزء من «معركة الوعي» حسب المفاهيم الإسرائيلية. أدوات الرصد الميداني التي تستخدمها إسرائيل -وتشمل طائرات مسيّرة تحوم لساعات في القطاع، اعتراض اتصالات، قواعد بيانات سكانية، وتحليل أنماط الحركة- تُستخدم ليس فقط لتعقّب المقاتلين، بل أيضاً لمراقبة تحركات الصحفيين المحليين ومن تبقى من فرق أجنبية، ثم دمج وجودهم في مصفوفة تقدير التهديدات».
وأضاف: «التحكم في تدفق غرف الأخبار على المستوى الداخلي في إسرائيل ودوليا يكون من خلال حجب المعلومة من الميدان، ويصبح كل ما يصلها في الوقت الحقيقي تقريباً صوراً ملتقطة من طرف واحد أو روايات رسمية إسرائيلية مصاغة بشكل مسبق، فتتبدّل اللغة المهنية حيث تُقدَّم البيانات العسكرية كـ«حقائق»، فيما تُوصف شهادات الناجين بـ«مزاعم» إلى حين إتاحة «تحقيق مستقل» وهو تحقيق غير قابل للتحقق مادياً عندما يُغلق الميدان، ما سبق ليس افتراضاً؛ المنظمات الدولية المهنية وثّقت على مدى الشهور الأخيرة عمليات إغلاق منهجية: منع شبه تام لدخول الصحافة الأجنبية، وقطع للكهرباء والإنترنت، وتعطيل مستمر للوصول لساحة القتال التي تسمح بعملٍ مهني مستقل».
الخيمة كانت مخصّصة للإعلاميين
وتابع: «في هذا السياق جاءت الضربة التي قتلت اليوم أنس الشريف ومحمد قريقع قرب خيمة للصحفيين بجوار مجمّع الشفاء وهو استهداف وصف بأنه استهداف مباشر وأكدت المصادر أن الخيمة كانت مخصّصة للإعلاميين، بينما قال الجيش الإسرائيلي إنه قتل أنس لأنه يقود “خلية تابعة لحماس”— وهي إعادة توصيف تُجرّد الصحفي من وضعه المدني وتحوّله في السردية العسكرية إلى “هدف مشروع” من دون أن تُعرض أدلة قابلة للتدقيق العام المفارقة أن سياق إعاقة وصول الصحفيين إلى القطاع هو نفسه ما يمنع إجراء تحقيق مستقل سريع في ادعاءات كهذه، ويُبقي الجمهور أسير ثنائية بيان رسمي إسرائيلي وصور متناثرة من تحت القصف».
واصل: «بالتوازي، يعلن نتنياهو اليوم أنه سيسمح بدخول «عدد كبير» من الصحفيين الأجانب إلى غزة لكي “يروا بأنفسهم”، لكنه يربط ذلك عملياً بإطار المرافقة العسكرية وبضوابط الأمن العملياتي. من منظور تقني، هذا يعني أن وجود الصحفيين يظل محكوماً بمسار القوة العسكرية واعتبارات الحماية، كما يعرّفها الجيش الإسرائيلي نفسه، لا باعتبارات المهنة كما يعرّفها الصحفي. والنتيجة أن “الانفتاح” يبقى شكلياً: تغطية برفقة القوات ومجدولة في مواقع مختارة سلفاً، بينما يبقى جوهر القصة—المناطق المكتظّة والضربات العشوائية المزعومة وحياة الناس تحت الحصار خارج التغطية الحرة هذه البنية لا يمكن أن تقرأ بمعزل عن الخطة العسكرية الأوسع التي تقوم على توسّيع العملية العسكرية نحو مدينة غزة ومخيّمات وسط القطاع، مع خطاب سياسي يقول إن الهدف “تحرير غزة لا احتلالها”، وإسناد إدارة مدنية مستقبلية بلا حماس وبلا سلطة فلسطينية، فيما تُحذّر تقارير أممية وصحفية من معادلة تقنّن الجوع وتزيد وفيات الأطفال وتضيّق أكثر على عمل الإعلام. كلما تمدّد مسرح العمليات في مناطق محشورة بالبشر ارتفع الخطر على الصحفيين المحليين وهم مصدر معظم الصور والشهادات—بينما تزيد الميزة التنافسية للسردية الإسرائيلية الرسمية التي تُنتج مادتها في ظروف يفرضها جيش الاحتلال نفسه. ولا تسمح بالتحقق المستقل».
إنهاء التجويع والاستهداف
أوضح: «على الضفة المقابلة، تتعامل المنظمات المهنية مع هذا كله باعتباره سياسة مقصودة لا عرضاً جانبياً للحرب ففي رسالة علنية هذا الأسبوع وقّعتها لجنة حماية الصحفيين مع 15 شريكاً تطالب بإنهاء التجويع والاستهداف للصحفيين في غزة، وتدعو لفتح ممرات آمنة، وتمكين وصول غير مقيّد، واستعادة بيئة اتصال تتيح للصحافة القيام بوظيفتها. هذه المطالب تشغيلية بقدر ما هي حقوقية: من دون غذاء واتصال وكهرباء وممرات، لن توجد صحافة تُشاهِد وتوثِّق وتُحاسِب. وتضيف “مراسلون بلا حدود” طبقة أخرى: تفكيكٌ للبنية الإعلامية بضرب غرف الأخبار وتعطيل الشبكات ومنع الأجانب، ما تصفه المنظمة بـ“تعتيم منظّم” حوّل رواية الحرب إلى تدفق في اتجاه واحد».
استكمل: «التماهي المُعلن بين “بنية السيطرة الإعلامية ” و“البنية العسكرية” هو ما يُنتج أعلى معدلات قتل للصحفيين في نزاع معاصر، ويحوّل أدوات الرصد—المسيّرات، تحليل البيانات، تتبّع الشبكات—من وسائل لحماية جنود ومدنيين إلى جزء من ماكينة التحكم بالمشهد واستهداف الجميع في الجانب الفلسطيني، جانبٌ آخر في السردية الغربية عن الحرب في غزة: غرف أخبار تصف المشهد بمفردات الإبادة أو “التدمير الممنهج” استناداً إلى تقارير أممية عن الجوع وقيود الوصول لمسرح العمليات ومعدلات القتل، وأُخَري تتحفّظ وتطلب “تحقيقاً مستقلاً كاملاً” قبل استخدام المصطلحات القانونية الثقيلة المفارقة التقنية هنا أن الجهة ذاتها التي تطلب التحقيق الكامل تسلّم عملياً بشرط الوصول المصاحب للقوات الإسرائيلية أو الوصول المقيد تماما. وفي كل الأحوال، يبقى الإجماع قائماً على أن استعادة منظومة الأمم المتحدة الإنسانية وتمكين الوصول غير المقيّد شرطٌ أوليّ لتقليل الوفيات.. ولإتاحة عملٍ صحفي يليق بمعيار الشاهد المستقل».
واختتم: «بهذا المعنى، اغتيال أنس الشريف ومحمد قريقع ليس حدثاً معزولاً، بل نتيجة منطقية لبنية تقنية صارمة تعيد توصيف الصحفي وفقاً لاحتياجات العملية العسكرية، وتمنع المراقبة المستقلة من دخول مكان الجريمة. وعندما يَعِد رئيس الحكومة الإسرائيلية بإدخال “عدد كبير” من المراسلين، فإن الاختبار ليس في الوعود بل في شروط العمل المسموح بها: فهل يدخل الصحفي بلا مرافقة؟ هل يختار مساره وينشر بلا مراجعة عسكرية مسبقة؟ وهل يستطيع أن يقابل مصادره في مناطق الخطر من دون أن تُسجّل هذه المقابلات كقرينة “نشاط عدائي” على منظومات التعرف والتتبّع في الاجهزة الإسرائيلية؟ من دون هذه الشروط، سيظل “الانفتاح” على منح الصحفيين حرية الدخول لغزة مجرد حركة علاقات عامة في ظل نظام معلوماتي مُحكم، وستبقى الحقيقة رهينة ما تسمح به الأجهزة والمؤسسات المشاركة في العملية العسكرية الوحشية وذريعة لمن ينكرون جريمة الإبادة».