خطة احتلال غزة.. المقامرة الأخيرة

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

فى معرض حديثه فى المؤتمر الصحفى الذى أعلن فيه عن نيته احتلال قطاع غزة كخطوة فعّالة لإنهاء الحرب. حاول نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلى «غسل يديه من جرائم الإبادة الجماعية وإنكاره تجويع سكان قطاع غزة».

وقال: «لو كانت إسرائيل تطبّق سياسة تجويع، كما يُقال، لما نجا أحد فى غزة بعد عامين من الحرب».

وهو رغم النفى، اعتراف ضمنى بسياسة التجويع الممنهجة التى ترتكبها إسرائيل بحق السكان! يأتى هذا المؤتمر فى خضم غضب دولى حاد من إعلان إسرائيل احتلال غزة، ومكالمة هاتفية شديدة اللهجة كانت تقريباً من جانب واحد وهو «ترامب»، التى عنّف فيها رئيس الوزراء الإسرائيلى على المرحلة المتقدّمة من المجاعة التى وصل إليها سكان القطاع، وأبدى خلال المكالمة عدم اقتناعه بتبريرات نتنياهو التى تُكذّب وجود مجاعة حقيقية فى غزة، خاصة بعد اطلاع الرئيس الأمريكى شخصياً على تقارير وصور للأطفال، التى تؤكد ذلك، عرضها مسئولون ومستشارون مقربون منه.

تحاول إسرائيل البحث عن مخرج من الأزمة السياسية والعسكرية بسبب الحرب على غزة داخلياً وخارجياً، بعد فشل خطة «عربات جدعون» فى تحقيق أهداف الحرب، ووسط تصاعد ضغوط المجتمع الدولى بشكل كبير ومحاصرة نتنياهو وحكومته، فذهب نتنياهو ومجلس الوزراء الأمنى المصغّر إلى الخطة البديلة، التى طرحها رئيس الحكومة للسيطرة على مدينة غزة كجزء من استراتيجية أوسع لاحتلال القطاع بالكامل، ليصب بذلك الزيت على النار أكثر وأكثر.

الخطة تشمل خيارين رئيسيين: إقامة إدارة عسكرية فورية لتنفيذ مناورات شاملة، أو تطويق مناطق إنسانية، مع السماح بإدخال مساعدات محدودة لتجنّب الضغط الدولى، أما الهدف المعلن فهو إسقاط حكم حماس، وتحرير الأسرى، وتفكيك البنية العسكرية للمقاومة الفلسطينية، خاصة كتائب القسام.

لكن تلك الخطة تواجه صعوبات وتحديات جمّة، رغم تقليل «نتنياهو» من شأنها، الأمر الذى أشعل صداماً بينه وبين رئيس الأركان إيال زامير، الذى يرفض الخطة ويحذّر منها، حيث أعرب «زامير» عن تحفّظاته من الاحتلال الكامل الذى سيُعرّض حياة الأسرى للخطر، ويستنزف قدرات الجيش بعد 22 شهراً من القتال، كما أن حماس تمتلك تقنيات لرصد تحرّكات الجيش الإسرائيلى، مما يزيد مخاطر العمليات البرية، غير أن نتنياهو لا يملك رفاهية واسعة للاختيار، فهو يواجه ضغوطاً داخلية من ائتلافه اليمينى المتطرف، مثل سموتريتش وبن غفير، لتشديد العمليات، بينما المعارضة الإسرائيلية وأجزاء من المؤسسة العسكرية تخشى من حرب أبدية وتكاليف بشرية ومادية باهظة، حيث يُعتقد أن نتنياهو يستخدم التصعيد لتعزيز موقفه السياسى وتجنّب تفكيك الائتلاف الحكومى.

الخطة الإسرائيلية تهدف إلى تهجير الفلسطينيين إلى مناطق محدودة على الساحل، مع السيطرة على توزيع المساعدات، لضمان عدم استفادة حماس، وهناك تقارير تشير إلى أن إسرائيل حسبت عدد السعرات الحرارية اللازمة لكل فلسطينى، مما يعكس سيطرة مشدّدة على المواد الغذائية.

ويعتبر هذا النهج انتهاكاً صارخاً للقانون الدولى ويفاقم المجاعة، خاصة أن الوضع الإنسانى متدهور بسبب الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023، التى تسببت فى دمار هائل، مخلفة نحو 152 ألف شهيد وجريح، وأكثر من 11 ألف مفقود، مع مجاعة شديدة أودت بحياة المئات، خاصة الأطفال وكبار السن.

سياسة التجويع الممنهج من خلال الحصار وتقييد المساعدات، أدت إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، حيث يعيش 80% من سكان غزة فى 20% فقط من مساحة القطاع.

وفى ضوء تفاقم الأوضاع الإنسانية الكارثية فى قطاع غزة، وعدم نجاح إسرائيل فى حسم المعركة لصالحها مع اقتراب الحرب من عامها الثانى، يجد نتنياهو نفسه عاجزاً أمام الجمهور الإسرائيلى والمجتمع الدولى وحتى ائتلافه الحكومى، إلا من الكذب وممارسة الخداع، والمماطلة والتسويف، حيث لا شىء واضحاً أمامه لليوم التالى للحرب، ولا حتى على صعيد حسم المعركة، سوى استمرارها حتى لو قامر باحتلال غزة، لذا فإن احتمالات التنفيذ رغم الموافقة على الخطة، تواجه مقاومة داخلية قوية من قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، الذين يرون أن الاحتلال الكامل غير عملى، وسيؤدى إلى خسائر كبيرة، فضلاً عن الضغوط الدولية، بما فى ذلك تعليق صادرات الأسلحة من ألمانيا وتهديدات بريطانيا وفرنسا وبلجيكا، التى قد تدفع نتنياهو لإعادة تقييم الخطة، أو تبنى نهج تدريجى، مثل التطويق بدلاً من الاحتلال الكامل.

ورغم أن عودة «ترامب» إلى البيت الأبيض قد تمنح إسرائيل مساحة أكبر للمناورة، مقارنة بإدارة بايدن، لكن مواقف ترامب متقلبة، وفى وقت من الأوقات سيُعرب عن رغبته فى إنهاء الحرب بسرعة لحل قضية الأسرى، مما قد يُحد من دعمه المطلق لنتنياهو أو لاحتلال طويل الأمد، لأن الخطة ستُفاقم الكارثة الإنسانية، خاصة مع سياسة التجويع وسياسة التهجير القسرى. حتى إن كانت احتمالات احتلال غزة بالكامل مرتفعة، نظراً لقرارات الكابينت، إلا أنها تواجه عقبات عسكرية وسياسية وضغوطات دولية قد تُغير مسارها فى لحظة فارقة.