المهووسون بالشهرة (1)
فى مجتمع الفرجة صار هوس الشهرة طافحاً، يرمى ثقله على حياتنا، ويملأها بالوجوه العابرة، والثرثرة الفارغة، والأفكار المعلبة، والترديد الذى لا يؤدى إلى تراكم معرفة، والنقل الفاضح الذى لا يحتاج إلا إلى جهد يسير لاكتشافه، وكل هذا يتم فى حالة من الاستعراض الفج، الذى ينفر منه كل ذى فطرة سليمة، وذوق جميل.
فى السابق كان حائزو الشهرة فى مجتمعنا عليهم أن يجتهدوا كثيراً فى سبيل تحصيل الذيوع، وكان أغلب هذا مستساغاً، والناس أجمعين يدركون أن بلوغ ذلك لا يعتمد على الترخص، ولا الابتذال، حتى لو كان من قبيل الرقص الشرقى، أو الألعاب الشعبية.
أما الآن، ومع ثورة الاتصال، وظهور مواقع التواصل الاجتماعى، فقد انفتحت الفرص على مصراعيها، لكل من هب ودب، وصار هؤلاء يربطون بين الفحش فى القول، والفضح فى الفعل، وبين تحقيق شهرة فى زمن يسير جداً.
وما زاد الطين بلة أن المعايير اختلطت كثيراً بين ما يجب على كاتب أو باحث أو مفكر أو عالم أو فقيه أن يقوم به من جهد فى التحصيل، وإتقان فى العمل، وتجويد وتجديد وإجادة، وبين ما يفعله معلق كرة قدم، أو فنانة مغمورة، أو خائض فى الأمور العامة، سياسية واقتصادية واجتماعية، بغير علم رصين، يؤهل صاحبه ليُطل على الناس بوجهه، وينطق لهم بلسانه.
فقد رأينا فى السنوات الأخيرة محسوبين على النخبة الأدبية والفنية والفكرية والسياسية يميلون إلى تناول قضايا هامشية لكنها مثيرة للجدل، كى تسرى فى أوصال التواصل الاجتماعى، فتقتحم العيون اقتحاماً، وتملأ الآذان ضجيجاً، دون أن يقفوا على العناية بصورتهم العامة، فالمهم لديهم أن يتداول الناس سريعاً ما قالوه أو كتبوه أو صوروه، فيركبون بهذا «التريند».
ويحضرنى للتفرقة بين ما كان يدركه السابقون وما وقع فى حبائله اللاحقون ما جرى ذات يوم بين الأديب عباس محمود العقاد والفنان الاستعراضى محمود شكوكو. فأحد الصحفيين سأل العقاد عن شكوكو، فأجاب أنه لا يعرفه، ووصل الأمر إلى شكوكو، فصرّح قائلاً: سأقف فى الجهة اليمنى من شارع سليمان باشا، ويقف العقاد فى الناحية اليسرى، ولنرى على من سيتجمّع الناس. رد العقاد ضاحكاً: ليقف شكوكو مكانه، وتقف فى الجهة اليسرى امرأة عارية، ولنرى على من سيتسابق الناس.
انتقل الاثنان إلى رحاب الله، والآن يُمكن أن نقوم باختبار بسيط لنعرف من بقى أكثر، فنكتب اسم العقاد فى محرّك البحث «جوجل» ثم نُحصى المواد الموجودة عنه: كتب ورسائل جامعية ودراسات ومقالات وأخبار عن فعاليات، أو إتيان على ذكر الاسم فى مختلف الأدبيات والتصريحات. ونفعل الأمر نفسه مع شكوكو، ووقتها سنُدرك أن العقاد أبقى وأمضى كثيراً.
لم تعد بصيرة العقاد سائدة وقائدة الآن، فرأينا كذلك كتاباً يتسابقون على «الأكثر مبيعاً»، حتى لو كان هذا على حساب المهمة أو الرسالة الجمالية أو الفنية أو القيمية أو الفكرية التى على الكاتب أن يقوم بأدائها حيال جمهور، يجب عليه أن يأخذ بيده من الجهل إلى العلم، ومن الظلام إلى النور، ومن الخمود إلى الحركة، ومن رد الفعل إلى الفعل، ومن الفرجة إلى المشاركة، ومن الاستلاب إلى الاقتدار.
ورأينا علماء يخطفون من علومهم قشوراً ويسارعون بها إلى الجمهور ليعرضوها أمامه، ولا يكون هذا من قبيل تبسيط العلوم، كما كان يحدث فى السابق، وإنما ابتذالها وتسطيحها، عبر البحث عن الغريب والزاعق واللافت، وما يمكن أن يجد الناس سهولة فى التناطح الأعمى حوله، وليس النقاش الإيجابى والعميق أو حتى المطلوب والمقبول.