«إسرائيل الكبرى» وشوارعنا و«ذات»
الفكرة التى تفوه بها رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو من أنه «متمسك جداً برؤية إسرائيل الكبرى» والتى تشمل الأراضى الفلسطينية «وربما مناطق من الأردن ومصر أيضاً»، وعن شعوره بأنه «فى مهمة تاريخية وروحية» ليست جديدة. إنها قديمة قدم تبلور فكرة أن تكون هناك دولة لليهود.
المسمى، وهو فكرة وغاية وخطة، يُستَخدم منذ عشرات السنين. ربما يكون المحامى والصحفى اليهودى من الإمبراطورية النمساوية المجرية تيودور هرتزل (1860-1904) أول من طرحها. هو مؤسس الحركة الصهيونية، وهو من طور الفكرة لتتجسد فى إنشاء دولة قومية لليهود فى الشرق الأوسط، ويتم نقلهم إليها من مختلف بقاع الأرض.
وردت فى مذكراته إشارات إلى «إسرائيل الكبرى»، سواء كان المصطلح من بنات أفكاره أو أفكار رئيس الاتحاد الصهيونى فى ألمانيا ماكس بودنهايمر. ما يهم هو أن «إسرائيل الكبرى الممتدة من نهر النيل إلى نهر الفرات» تحولت بعدها من فكرة إلى غاية، لدرجة أنه فى أعقاب هزيمة يونيو عام 1967، تم تدشين منظمة «الحركة من أجل إسرائيل الكبرى»، التى نشطت سياسياًَ فى الستينات والسبعينات، وذلك قبل أن تنضم لحزب «الليكود».
ظلت الفكرة تتردد بين الحين والآخر، تارة على لسان وزير أو مسئول، وأخرى فى أروقة العمل السياسى والاجتماعى والثقافى فى الداخل الإسرائيلى. وكان يتم تداولها حيناً لتحفيز يهود العالم من أجل الدعم والمساندة، وأخرى لإبقاء الفكرة حية ترزق حتى فى «أحلك» أوقات السلم بين إسرائيل ومحيطها.
وجميعنا يذكر الخريطة التى رفعها نتنياهو أثناء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فى دورتها الـ78 فى سبتمبر 2023، أى قبل عملية «حماس» فى السابع من أكتوبر من العام نفسه بأيام قليلة، وشملت باللون الأخضر الداكن الدول التى ترتبط بسلام مع إسرائيل أو فى مفاوضات لإبرام اتفاقات معها، وضمن السعودية والبحرين والإمارات، والأردن ومصر والسودان. ولم تشمل الخريطة أى ذكر من قريب أو بعيد لـ«فلسطين»، بل امتد اللون الأزرق لـ«إسرائيل» ليشمل الضفة الغربية كاملة وكذلك قطاع غزة!
قبلها أيضاً، تحدث وزير المالية الإسرائيلى بتسلئيل سموتريتش فى مارس عام 2023، وقال علناً إنه «لا يوجد شىء اسمه الشعب الفلسطينى» وإنه «اختراع وهمى لم يتجاوز عمره مائة عام»، مشيراً إلى أن «هذه حقيقة تاريخية، حقيقة توراتية»!
مرة أخرى، ما تفوه به سموتريتش فى مارس 2023، قاله من قبل علناً أيضاً من على منبر الكنيست عام 2015، وقت كان نائب رئيس الكنيست. قال: «لا يوجد ولم يكن هناك شعب فلسطينى. يجب أن تفهموا أننا سوف نطبق الحكم الإسرائيلى فوق أراضى السامرة».
غاية القول هو أن ما تفوه به نتنياهو قبل أيام ليس جديداً. أغلب الظن أن صدمتنا ناجمة عن المجاهرة، أو التوقيت، أو خلفية مأساة غزة، أو بقايا أمل فى أن تهدأ الأمور بشكل أو بآخر، أو كل ما سبق. أما أن نقول إننا فوجئنا بحكاية «إسرائيل الكبرى»، فهذه ليست حقيقة لأنها قديمة قدم فكرة إسرائيل نفسها.
ودون الخوض فى رد الفعل العربى، وهل من الأفضل أن يكون الرد «شجباً» واحداً، و«تنديداً» موحداً، أم «شجباً» منفرداً و«تنديداً» من كل دولة على حدة!!! أقول إن اختزال اسم رئيس الوزراء الإسرائيلى فى جزء من اسمه على سبيل الشتيمة على الـ«سوشيال ميديا»، و«فرش الملاية» رداً على ما قال، وفتح أبواب المشاعر الشعبية الجياشة الغاضبة والتى تدفعنا إلى التهديد والوعيد الافتراضيين، والزعيق «طب قرب كده وهنوريك» وغيرها أمر مفهوم بالطبع، ورد فعل متوقع، لكنه لن يغير الكثير فى المخططات الإسرائيلية، والخرائط الصهيونية.
فى سياق آخر، وبدون «مناهدة» فإن كل ما يمكن قوله عن كارثية أوضاع الشوارع والقيادة والمارة، وتحولها إلى مصيدة أرواح، وأن المسألة ليست تحرير ملايين المخالفات ومصادرة تريليونات المركبات، ولكنها تكمن فى طرق تعترف بوجود مارة، ومارة يعرفون قواعد السير وعبور الطريق، وطرق مؤهلة للعبور أو مزودة ببدائل واقعية الاستخدام من كبارى عبور مشاة أو أنفاق، وقادة مركبات يعرفون ويلتزمون بالقوانين، ورقابة 24/7 لرصد السير العكسى والسرعات الجنونية والتخطى والانتظار الخاطئ وغيرها، وتوفير التدريب اللازم وظروف العمل الآدمية لرجال المرور ليتمكنوا من القيام بعملهم، الذى لا يتوقف عند حدود تحرير المخالفات ومصادرة المركبات، وذلك فى ضوء حادث كورنيش الإسكندرية، وقبله «فتيات العنب» وغيرهما كثير.
فى سياق ثالث، أقول رحمة ونور للأديب والروائى صاحب الرؤية والفلسفة الخاصة به صنع الله إبراهيم. الزملاء وثقوا ورصدوا رحلته الأدبية والسياسية والفكرية المتفردة. أقول من جهتى إن رواية «ذات» تأريخ لما جرى فى مصر على مدار ما يزيد على نصف قرن. كثيرون شاهدوا العمل التليفزيونى، وهو جميل، ولكن أنصح لمن يريد أن يعرف حقاً ماذا حدث للمصريين، وكيف تطورت مصر وشوارعها وناسها وأفكارهم وغاياتهم وأولوياتهم وأحلامهم ومخاوفهم، وما أسباب ما نحن فيه من أحوال اجتماعية وثقافية/دينية وفكرية، سواء كان البعض يراها صحوة عظيمة، أو غفلة مريعة، أن يقرأ رواية «ذات».