فيديو الترويج للمتحف المصري الكبير يثير حالة جدل حول «الملكية»
فيديو الترويج للمتحف المصري الكبير يثير حالة جدل حول «الملكية»
كتب - أحمد أبوضيف ومحمد عيسى ومريم شريف:
أحدث التطور التكنولوجى العالى وآليات الذكاء الاصطناعى الحديثة تأثيراً كبيراً فى مجال الملكية الفكرية، ونتيجة لتطور أدواته وتقنياته ظهرت الكثير من الأفكار التى أصبحت تمثل تحدياً كبيراً فى التشريعات والاتفاقيات الخاصة بحقوق الملكية الفكرية، وبطبيعة الحال برزت مطالبات بضرورة إعادة صياغة قواعدها وحدودها، حتى لا تتحول أدوات التكنولوجيا إلى عبء على المبدعين.
وقائع عديدة ظهرت خلال السنوات الماضية طغت على حقوق الملكية الفكرية، آخرها قضية عبدالرحمن خالد، مصمم محتوى، الذى أنتج فيديو دعائياً باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى، ظهر فيه النجمان العالميان ليونيل ميسى ومحمد صلاح وكأنهما يروّجان لافتتاح المتحف المصرى الكبير، وانتشر الفيديو بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعى، ونجح فى جذب انتباه الجمهور، لكن وزارة السياحة اعتبرته يخترق حقوق الملكية الفكرية وحقوق الأداء العلنى، وقدّمت بلاغاً رسمياً لحماية نفسها ومحتواها الرسمى.
خالد صلاح: الذكاء الاصطناعى قوة قادرة على إعادة تشكيل صناعة الإعلام
الواقعة أثارت جدلاً كبيراً حول ضرورة مواكبة التطور الهائل فى مجال الذكاء الاصطناعى مع ضرورة حماية حقوق الملكية الفكرية، وقال الكاتب الصحفى خالد صلاح، فى مقال له تعقيباً على الواقعة: «عبدالرحمن بلا شك أخطأ من الناحية القانونية بسبب جهله بحقوق الملكية الفكرية، لكنه تحرك بدافع وطنى، وقدم نموذجاً جديداً للترويج الرقمى يمكن أن يغيّر مفاهيم إنتاج الإعلانات، فالذكاء الاصطناعى اليوم ليس رفاهية، بل قوة قادرة على إعادة تشكيل صناعة الإعلام من جذورها، فهناك مهن بأكملها مهددة بالاختفاء أو الانكماش الشديد إذا لم نضع سياسات واضحة للتعامل معها، مثل مونتاج الفيديو وصناعة الإعلانات التقليدية، والتصوير الفوتوغرافى والإعلانى، وكتابة النصوص الدعائية، وبعض مجالات الصحافة التحريرية، والتصميم الجرافيكى التقليدى، كل هذه المهن إذا لم تتكيف مع أدوات الذكاء الاصطناعى أو تجد صيغة جديدة للعمل، فإنها ستتراجع وربما تختفى خلال سنوات قليلة».
وأشار إلى أن تجاهل هذا الملف يعنى «أننا سنستيقظ بعد سنوات قليلة لنجد أنفسنا أمام صناعة إعلامية متهالكة، بينما العالم تجاوزنا بأميال، والمجلس غارق فى غياب تام عن أهم معركة مهنية وفكرية فى زمننا».
هويدا مصطفى: نحتاج إلى تدخل تشريعى للتعامل مع تطبيقاته لإنصاف أصحاب الحقوق
من جانبها، قالت الدكتورة هويدا مصطفى، العميد السابق لكلية الإعلام بجامعة القاهرة، لـ«الوطن»، إن الملكية الفكرية فى عصر الذكاء الاصطناعى تثير العديد من الإشكاليات والتحديات، نظراً للتطور السريع فى القدرات التكنولوجية وتأثيرها الكبير على الابتكار والإبداع، إذ تشمل الملكية الفكرية حقوق النشر التى تحمى الأعمال الإبداعية، وبراءات الاختراع التى تحمى الاختراعات والابتكارات التقنية، والعلامات التجارية التى تحمى الأسماء والشعارات المميزة، وكذلك الرسوم والنماذج الصناعية التى تحمى الشكل الجمالى للمنتج.
وأضافت: «مع عصر الذكاء الاصطناعى تثار قضايا مثل الإبداع الآلى، فالذكاء الاصطناعى يمكنه تأليف موسيقى، كتابة روايات، إنشاء تصاميم فنية، وحتى اختراع ابتكارات تقنية»، مشيرة إلى أن «الإشكالية الكبرى تتمثل فى تحديد المالك، فمعظم قوانين حقوق النشر التقليدية تشترط أن يكون المؤلف إنساناً».
وتابعت: «بناء على ما سبق، فنحن نحتاج فى عصر الذكاء الاصطناعى إلى عدة إجراءات وأساليب لحماية الملكية الفكرية لتحقيق التوازن بين الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعى والعدالة لأصحاب الحقوق، تتمثل فى تحديث الأطر القانونية لتتعامل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعى».
فيما قال الدكتور عثمان فكرى، أستاذ مساعد بكلية الإعلام جامعة القاهرة، إن عصر الذكاء الاصطناعى يتطلب قوانين واضحة، من أبرز ملامحها الإفصاح عن أن المنشور تمت صناعته بهذه التقنية، لتحديد المسئولية القانونية.
وأوضح: «إذا حصل اعتداء على ملكية فكرية أو تشويه سمعة عبر محتوى مولَّد، من يتحمل المسئولية: المستخدم أم مطور الأداة؟، ينبغى توسيع تعريف المؤلف والحقوق: بحيث يشمل سيناريوهات التعاون بين الإنسان والآلة، وآليات فحص وتتبع تشمل تطوير تكنولوجيا مرافقة لاكتشاف الأعمال المولَّدة آلياً لضمان حماية الملكية الفكرية».
فيما قال الدكتور رامى عطا، أستاذ ورئيس قسم الصحافة بكلية الإعلام بأكاديمية الشروق، إن انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعى يرتبط بما يسمى «صحافة المواطن»، وهو مصطلح برز منذ ظهور الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعى، مشيراً إلى أن هذا النوع من الإعلام يحمل أبعاداً جديدة مع سهولة وصول هذه الأدوات للجميع. وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز ما سماه «التثقيف التكنولوجى والتربية الإعلامية»، معتبراً أن هذا الملف بات ضرورة لا غنى عنها، وأن الحوار حوله يجب أن يستمر بشكل جاد وموسع.
خبير بمجلس الوزراء: تطبيق القوانين الحالية على الانتهاكات يتطلب فهماً دقيقاً للنصوص
وقالت الدكتورة غادة محمد عامر، خبير الذكاء الاصطناعى بمركز دعم واتخاذ القرار برئاسة مجلس الوزراء، لـ«الوطن»، إن قوانين الملكية الفكرية على المستوى العالمى تشترك عادةً فى حماية الأعمال والحقوق المتعلقة بالذكاء الاصطناعى، كما تحمى البشر والكيانات القانونية الأخرى. وأشارت إلى أن تطبيق هذه القوانين على الانتهاكات المرتبطة بالذكاء الاصطناعى يتسم بالتعقيد ويختلف باختلاف النظام القضائى والدولة، منوهة بأن هذا التعقيد يحمل صعوبة بأن بعض المصنفات الإبداعية مثل الأكواد البرمجية، والنماذج، والتصاميم، والوثائق، ونتاجات الذكاء الاصطناعى صعب تحديدها، إن كانت إبداعاً بشرياً أو كانت نتيجة عمل مشترك بين الإنسان والآلة.
وأضافت: «لذلك فى بعض القوانين، قد تُنسب حقوق التأليف إلى المبرمجين أو المشترين أو موزعى النظام، المشكلة الأخرى أن هناك أنواعاً من الانتهاكات المحتملة المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعى كما حدث فى الفيديو الذى روج عن المتحف المصرى الجديد، مثل استخدام مواد محمية بنوع من المحتوى لإنتاج مواد بالذكاء الاصطناعى دون إذن، أو استخدام كود محمى بحقوق نشر فى مشروع بالذكاء الاصطناعى دون ترخيص، كذلك يمكن سرقة أو استغلال نماذج أو أدوات الذكاء الاصطناعى لأغراض تجارية دون ترخيص من المالكين الشرعيين».
خبير قانونى: «حماية الملكية» أقر عقوبات رادعة للمخالفين.. وحياة المشاهير ليست مستباحة.. والحبس فى «إساءة استخدام الإنترنت» يصل إلى 3 سنوات
وأشارت إلى أنه يمكن أن يتم أيضاً انتهاك حقوق النشر عندما يُعتبر الناتج ذا أصل بشرى أو عندما يتداخل مع أعمال محمية، مؤكدة أن قانون الملكية الفكرية المصرى يشمل حماية الأعمال المرتبطة بالذكاء الاصطناعى، ويعالج مسائل الانتهاك، لكن تطبيقه على انتهاك الذكاء الاصطناعى يتطلب فهماً دقيقاً للنصوص القانونية وتفسيرات الجهات المختصة، مع وجود اعتبارات خاصة بنطاق التطبيق والبيانات والمخرجات الناتجة عن النماذج.
من جانبه، أكد أيمن محفوظ، المحامى بالنقض، أن قانون حماية الملكية الفكرية فى مصر، وخاصة فيما يتعلق بالمحتوى الإعلامى، تضمن أوجه حماية شاملة لكافة الأعمال التى يُنشئها الأفراد، مشيراً إلى أن القانون رقم 82 لسنة 2002 بشأن حماية حقوق الملكية الفكرية نص على عدة تشريعات رادعة، وقرر عقوبات واضحة على من ينتهكها.
وأوضح «محفوظ» أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى لإقحام بعض الشخصيات العامة فى فيديوهات أو صور دون إذن يمثل جريمة «إساءة استخدام الإنترنت» وفقاً لقانون مكافحة الجرائم المعلوماتية رقم 175 لسنة 2018، وتصل العقوبات فى هذه الحالة إلى الحبس 3 سنوات وغرامة تصل إلى 300 ألف جنيه. وأشار إلى أن إنتاج صور أو مقاطع فيديو للمشاهير يُعد انتهاكاً لحرمة الحياة الخاصة، استناداً إلى المادة 309 من قانون العقوبات، وأضاف أن البعض يعتقد خطأً أن حياة المشاهير مستباحة، فى حين أن القانون يحمى خصوصيتهم.