حرب غزة تكشف الوجه الآخر لشركات التكنولوجيا الكبرى.. تمويل إسرائيل بالمليارات وإجبار الموظفين على الصمت
حرب غزة تكشف الوجه الآخر لشركات التكنولوجيا الكبرى.. تمويل إسرائيل بالمليارات وإجبار الموظفين على الصمت
داخل شركة «مايكروسوفت»، إحدى أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، نشرت موظفة على هاتفها منشوراً تعبِّر فيه عن دعمها للفلسطينيين ورفضها للعدوان الإسرائيلى على قطاع غزة، فى ظل تصاعد الهجمات ضد المدنيين، ثم واصلت التعبير عن موقفها علناً داخل مجموعات دردشة مخصصة لموظفى الشركة.
لم يمضِ وقت طويل حتى تواصل معها مدير الموارد البشرية، معتبراً أن ما تفعله يثير الجدل وطلب منها التوقف، لاحقاً، اكتشفت أن شركتها تقدم دعماً لوجيستياً وتقنياً يسهم فى العمليات الإسرائيلية فى غزة، عندها، طالبت بوقف هذا الدور واعتماد الحياد، لكنها لم تكن تدرك أن رسالتها الأولى ستكون بداية النهاية لمسيرتها المهنية التى استمرت سنوات، وأن مستقبلها بات على المحك.
ليست «مايكروسوفت» وحدها، فقد شهدت شركات كبرى فى وادى السيليكون بالولايات المتحدة المعروف كمركز عالمى لشركات التقنية، و«جوجل وآبل»، سلسلة من قرارات الفصل والطرد لموظفين شاركوا فى احتجاجات ضد الحرب، سواء أمام مقرات الشركات أو خلال المؤتمرات الصحفية، من بين أبرز هؤلاء، المهندسة المغربية ابتهال أبوالسعد، التى طُردت بسبب مداخلتها خلال فعالية الاحتفال بالذكرى الـ50 لتأسيس «مايكروسوفت»، واستخدمت بعض هذه الشركات أساليب متعددة لإسكات الأصوات المعارضة، شملت التهديد بإنهاء العقود، وتقييد الوصول إلى حسابات العمل.
فى هذا التحقيق، تكشف «الوطن» عما دار بين الموظفين ومسئولى شركات التكنولوجيا، وكيف تعاملت مع الأصوات الرافضة لحرب الإبادة الجماعية، ونحصل على شهادات حصرية من موظفين مطرودين، ونكشف للمرة الأولى عن وجود مجموعة «واتساب» تجمع عشرات الرؤساء التنفيذيين فى وادى السيليكون، تعمل كمجموعة مراقبة سرية لأنشطة الموظفين ومنشوراتهم، خصوصاً على منصة «لينكد إن» التابعة لـ«مايكروسوفت».
موظفو «مايكروسوفت» يدينون سياسات إسرائيل.. والشركة: أوقفوا تلك النقاشات
بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، والتى تلتها حملة إبادة جماعية على قطاع غزة، اندلعت نقاشات واسعة داخل منصات المحادثة الخاصة بموظفى شركة مايكروسوفت، عبّر خلالها بعض الموظفين عن إدانتهم لسياسات إسرائيل ودعمهم الكامل للقضية الفلسطينية، لكن مسئولى الشركة طالبوهم بوقف تلك النقاشات، مؤكدين دعم «مايكروسوفت» الكامل لإسرائيل فى الحرب الجارية.
تحذير.. ثم قمع
لم يكن التحذير الأول حاسماً، لكنه كان إيذاناً بسياسة أكثر تشدداً، فمع تزايد النقاشات داخل الشركة، وانتشار تقارير صحفية تؤكد استخدام إسرائيل لتقنيات وبرمجيات مايكروسوفت فى استهداف المدنيين بغزة، بدأت الشركة بإصدار تحذيرات أكثر وضوحاً لموظفيها بوقف المعارضة العلنية، ومع تصاعد الاعتراضات شرعت «مايكروسوفت» فى تعديل سياساتها تجاه الموظفين المؤيدين لفلسطين.
من ابتهال أبو السعد.. إلى العالم
فى أبريل الماضى، أقيمت فعالية الاحتفال بمرور 50 عاماً على تأسيس الشركة، خلال الفعاليات التى جرى نقلها على الهواء مباشرة، احتجت المهندسة المغربية ابتهال أبوالسعد أمام الحضور، وطالبت المدير التنفيذى للذكاء الاصطناعى بالشركة مصطفى سليمان، بوقف دعم إسرائيل، وبعدها، تشجعت موظفة أخرى للتعبير عن رأيها فى دردشة الفعالية عبر منصة خاصة بهم، سألت عما يمكن أن تفعله الشركة لوقف دعم الجيش الإسرائيلى، وأشارت إلى التقنية المحددة وهى «آزور»، نشرت الرسالة أكثر من مرة، لكن فى كل مرة كانت تُحذف باستمرار دون سابق إنذار.
الموظفة تحدثت لـ«الوطن»، شريطة عدم الكشف عن هويتها، حيث استقالت فى وقت سابق من العام الماضى، وقالت: «تلقيتُ رداً نموذجياً من مدير المجتمع (تقصد المسئول عن دردشة الفعالية)، وقال إن الحديث يركز على الفعالية وعلى الاحتفال بعمل موظفى الشركة الرائعين، نقدر ملاحظاتكم ونوفر العديد من السبل الأخرى لسماع جميع الأصوات».
لم تتوقف الموظفة عن هذا الحد، بل استمرت فى تحركاتها وأسئلتها للقيادة، وهذه المرة أرسلت سؤالاً أكثر عمومية وأقل إدانة - حسب تعبيرها - وهو مُرتبط بإرث أكبر شركة تكنولوجيا فى العالم، قالت: «سألتهم عن رسالتهم فى تمكين كل فرد ومؤسسة على وجه الأرض من تحقيق المزيد، سألت كيف يمكن لمايكروسوفت ضمان عدم مساهمة تقنياتها فى أى ضرر، بما فى ذلك فقدان أرواح الفلسطينيين»، مرة أخرى قاموا بمراقبة التعليقات وتقييدها، وفى النهاية حذفوا السؤال بهدوء بعد انتهاء الاجتماع.
«مايكروسوفت» تهدد موظفيها بعواقب وخيمة
أبلغت «مايكروسوفت» موظفيها أن أى شخص يتحدث عن القضية الفلسطينية والحرب فى غزة سيواجه عواقب وخيمة، ما يشكل قمعاً واضحاً لحرية التعبير. فى الوقت ذاته، تقول الشركة إنها ملتزمة بالشمولية، وتسعى لأن تكون بيئة عمل تضمن احترام الجميع بغض النظر عن خلفياتهم أو آرائهم، لتضطر الموظفة حينها للصمت لأشهر عديدة بسبب خوفها من الانتقام عبر طردها من وظيفتها، لكنها، انفجرت فجأة نتيجة استمرار العدوان الإسرائيلى، قائلة: «لم أعد أتحمل العبء الأخلاقى، فالصمت تواطؤ، شعرت أننى أشارك ولو بشكل غير مباشر فى موت آلاف الأبرياء فى غزة».
خلال الاجتماعات التى تعقد كل 6 أشهر مع المديرين بالشركة، يُطلب من كل موظف إيضاح كيف تصرف وطبق مبدأ الشمولية فى عمله وتصرفاته، حينها، قالت الموظفة: «سأستمر فى مطالبة مايكروسوفت بالوفاء بوعدها فى مهمتها والتأكد من أن تقنيتها لا تضر بأى شخص على وجه الأرض، بما فى ذلك حقوق الفلسطينيين»، لكنها قالت إن المدير لم يشر إلى رسالتها حول شمولية الشركة، مضيفة: «لم يشر المدير إلى حديثى، ربما لنفس السبب الذى منع أى شخص فى فريقى من التحدث علناً عن هذه القضية، إن مناخ الخوف الحالى يمثل مشكلة، والعديد من زملائى السابقين لا يتفقون مع تورط (مايكروسوفت) مع إسرائيل، لكنهم يلتزمون الصمت».
أرسلت الموظفة بريداً إلكترونياً جماعياً إلى فريق القيادة العليا بالشركة، بالإضافة لأكثر من 10 آلاف موظف هناك، وصفت «مايكروسوفت» فيه بأنها ربما تكون أكثر شركات التكنولوجيا تواطؤاً فى الإبادة الجماعية الإسرائيلية. اعتبرت تلك الرسالة الأخيرة فرصة لا يمكن تفويتها، بهدف إحداث تأثير إيجابى قبل حسم موقفها.
عقب تلك السجالات، قررت الرحيل من «مايكروسوفت» وتقديم استقالتها، قائلة: «من غير المحتمل أن أُقدم عملى لشركة تستخدم تقنياتها فى القتل، لطالما شعرت بعدم الارتياح، لدرجة أننى لم أعد قادرة على الاستمرار». كتبت منشوراً بعد استقالتها على «لينكد إن» تستنكر فيه كذب «مايكروسوفت» بشأن الذكاء الاصطناعى وضلوعها فى الإبادة الجماعية بقطاع غزة، كان ذلك بصفتها مصممة سابقة لميزات الذكاء الاصطناعى بالمؤسسة، كما أنها على دراية كافية بمبادئ تصميمه بالشركة، لكن المنشور جرى حذفه لاحقاً.
وفور اندلاع أحداث السابع من أكتوبر سارعت قيادات الشركة لدعم إسرائيل، وهو ما كشفت عنه رسالة بريد إلكترونى بتاريخ 7 أكتوبر 2023، وجه خلالها شارلى بيل، نائب الرئيس التنفيذى لأمن «مايكروسوفت»، كلمة لموظفى الشركة فى إسرائيل يعلن المساندة والتضامن، قائلاً: «قلوبنا معكم جميعاً ونحن نشهد هذا الهجوم المدمر على بلدكم.. سلامتكم هى أهم شىء بالنسبة لنا جميعاً». حاول عدد من العاملين بالشركة بشكل متكرر إثناء الشركة عن دعم الكيان الصهيونى، ومطالبتهم بتوضيح طبيعة تعاون «مايكروسوفت» مع إسرائيل، والخروج ببيان للتنديد بسياسات الاحتلال ضد الفلسطينيين، لكن الشركة أسكتت كل المعارضين عبر استخدام سياسيات القمع والطرد.
«الوطن» لم تصل إلى رقم معلن رسمياً لعدد الموظفين المستقيلين أو المطرودين من الشركة، لكنها استطاعت الوصول لـ9 أشخاص حتى الآن، أعلنوا رحيلهم من الشركة لدعمها لسياسات الإبادة.

موظفون طردتهم الشركة وآخرون استقالوا: لن نشارك في الإبادة الجماعية
فى 24 أكتوبر من العام الماضى، طردت «مايكروسوفت» مهندس البيانات عبدو محمد، لتنظيمه وقفة احتجاجية أمام مقرها الرئيسى فى مدينة سياتل بالعاصمة الأمريكية واشنطن للتنديد بالمجازر الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، وفى 7 أبريل الماضى، أرسلت كل من فانيا أجراوال وابتهال أبوسعد، موظفتين بالشركة، بريداً إلكترونياً للقيادة العليا أعلنتا اعتراضهما على سياسات المؤسسة الداعمة لإسرائيل، كذلك اعترض الموظف جو لوبيز فى 19 مايو الماضى، على السياسات ذاتها فى مؤتمر الرئيس التنفيذى للشركة ساتيا ناديلا، ما أدى إلى فصله من العمل، وفى 17 يونيو الماضى، قدمت المهندسة المصرية بالشركة مريم شلبى، استقالتها لتواطؤ «مايكروسوفت» فى العدوان على غزة.
لم يتلق الموظفون أى إشعار يفيد بوصول الرسالة لقيادة المؤسسة أو رفضها، بل كانت تُحذف دون علمهم، فخلال إعداد التحقيق اكتشفت «الوطن» أنها بدأت بحظر وفرض رقابة على رسائل البريد الإلكترونى للموظفين التى تحتوى على كلمات مثل «فلسطين»، «غزة»، «الفصل العنصرى»، و«الإبادة الجماعية»، سواء فى عنوان الرسالة أو فى نصها، بينما لم تحظر كلمات مثل «إسرائيل».
المهندسة الفلسطينية نسرين جرادات تحدت «خوارزميات مايكروسوفت»، وتمكنت فى 24 مايو الماضى من إرسال رسالة بريدية إلى قيادة المؤسسة وجميع العاملين، تحت عنوان «لا يمكنكم التخلص منا»، رفضاً لسياسات القمع داخل الشركة.
«الوطن» تواصلت معها، فوافقت فى البداية لكنها طلبت مهلة لمعرفة وضعها القانونى بعد إرسال الرسالة، وعندما تواصلنا معها مجدداً، لم ترد على طلباتنا دون إيضاح السبب، إلا أننا حصلنا على تفاصيل رسالتها لقيادات المؤسسة والتى كان نصها: «كموظفة فلسطينية، سئمت من طريقة معاملة هذه الشركة لشعبنا، أُرسل هذه الرسالة الإلكترونية كنداء إلى قادة مايكروسوفت، إن تكلفة إسكات كل الأصوات التى تجرؤ على إضفاء طابع إنسانى على الفلسطينيين أعلى بكثير من مجرد الاستماع إلى مخاوف موظفيكم»، وبعدها جرى إيقافها عن العمل، ثم فصلت لاحقاً.
توتر خفي داخل جدران «مايكروسوفت»
داخل جدران «مايكروسوفت» ثمة توتر خفى لا يراه سوى من يعيش تفاصيل الحياة اليومية فى الشركة، أحد المصادر المطلعة يحكى لـ«الوطن» كيف تتعامل المؤسسة مع موظفيها الذين ينشطون بدافع عاطفى، خصوصاً للقضية الفلسطينية، حيث يقول إنه فى البداية، كان الأمر غامضاً لكن مع مرور الوقت بدأت الأصوات ترتفع داخل منتديات الشركة تطالب بدعم فلسطين والتضامن معها، تطورت النقاشات إلى نشاط شبه يومى، يقضى فيه الموظفون ساعات طويلة فى الحوار لدعم القضية، فى المقابل لم ترحب إدارة الموارد البشرية بالشركة بهذا الوضع.
وبحسب المصدر، فرضت الإدارة قيوداً صارمة للحد منها، كان الهدف المعلن هو الحفاظ على الإنصاف وعدم الانحياز لطرف على حساب الآخر، لكن الموظفين أدركوا أن الأمر برمته محاولة لإسكاتهم والسيطرة عليهم، حيث واجهوا ضغطاً نفسياً كبيراً، وشعروا بالإحباط من دعم الشركة لإسرائيل، رغم أن «مايكروسوفت» سمحت بحملات خيرية لدعم منظمات فلسطينية، إلا أنها اشترطت أن تكون خالية من أى رسائل سياسية أو معادية للكيان الصهيونى.
الشركة تبرعت بـ350 ألف دولار لغزة.. كيف؟
إحدى أبرز هذه المبادرات كانت حملة «فلسطينيون وحلفاؤهم فى مايكروسوفت»، التى نجحت فى جمع نحو 350 ألف دولار لمساعدة أهالى غزة أكتوبر 2024، وبموجب سياسة مطابقة التبرعات فى «مايكروسوفت»، أسهمت الشركة بمبلغ يقارب 187 ألف دولار إضافى، حيث تضيف الشركة من ميزانيتها نفس المبلغ الذى يتبرع به الموظفون.
نقاشات حادة
خلال أحد النقاشات فى المنصة الخاصة بالعاملين فى الشركة «فيفا إشراك»، نشر أحدهم بعد أحداث 7 أكتوبر قائلاً: «أتقدم بخالص التعازى إلى زملائنا الإسرائيليين واليهود وكل من تأثر بهذه الأحداث، بالإضافة إلى أصدقائهم وعائلاتهم حول العالم».
رد أحد الموظفين قائلاً: «هل يمكننا أيضاً أن نتقدم بالدعاء والبركات لجميع زملائنا الفلسطينيين الذين قد يشعرون بالخوف على عائلاتهم وأصدقائهم وعلى أنفسهم»، كان هذا الرد قد أثار غضب موظف آخر، الذى كتب - «من المحزن رؤية مؤيدى الإرهاب بين زملائى (على حد وصفه)».
مع تصاعد الهجوم الإسرائيلى على غزة، اشتدت النقاشات على المنصة الداخلية، حيث كتب أحد الموظفين: «اطمئنوا، الجيش الإسرائيلى يبذل قصارى جهده لتجنب سقوط ضحايا من المدنيين»، فجاء الرد من موظف آخر قائلاً: «كيف يمكن تصنيف المدنيين الأبرياء فى خانة المنظمات الإرهابية؟»، فرد آخر: «نحن نقاتل لتحرير الإسرائيليين وشعب غزة من حماس الإرهابية».
فى رسالة أخرى، عبر موظف عن قلقه على زملاء «مايكروسوفت» الذين لهم أصدقاء وعائلات فى فلسطين قائلاً: «هؤلاء الأشخاص يبادون حالياً وتدمر سبل عيشهم، يمنع عنهم الطعام والماء والكهرباء والمستلزمات الطبية الأساسية، إنهم ليسوا إرهابيين وليس لديهم أجندة ضد الإسرائيليين، نرجو منكم الوقوف على مسافة واحدة بين الطرفين، هذا أقل ما يمكنكم فعله».
فى بداية الحرب على غزة، قامت «مايكروسوفت» بإيقاف بعض الحسابات الخاصة بالبريد الإلكترونى وخدمات الاتصال لمستخدمين فلسطينيين، بشكل غير واضح أو معلن، وهو ما تسبب فى فقدان وصول هؤلاء المستخدمين لمعلوماتهم المهمة مثل الرسائل والصور والعمل، استطاعت مجموعة من الموظفين متابعة الأمر وفهم السبب، وقال أحد المصادر: «تمت متابعة التحديثات بشكل دورى لمعرفة كيف حدث ذلك وكيف يمكن منعه، وفى النهاية، جرى استعادة الحسابات فى غضون أسبوع».
تكنولوجيا «مايكروسوفت» تساعد إسرائيل على إبادة الفلسطينيين
نقلت «الوطن» عن 3 مصادر عملوا سابقاً فى «مايكروسوفت» وتقارير صحفية أخرى، أن تقنيات «مايكروسوفت» تمكن جيش الاحتلال الإسرائيلى من إنشاء قوائم قتل بين السكان الفلسطينيين، حيث تتيح الشركة للكيان الصهيونى استخدام خدمات «آزور» وتقنيات الذكاء الاصطناعى كـ«جوسبيل» و«لافندر» و«وولف باك» و«مابات 2000»، لمراقبة الفلسطينيين واستهدافهم، وإنشاء قوائم قتل بين السكان.
وفى تحقيق مشترك بين صحيفة «جارديان» البريطانية ومجلة «+972» الإسرائيلية، بالإضافة إلى موقع «لوكال كول» العبرى، كشفت الوثائق عن استعانة وحدة «8200» التابعة للمخابرات الإسرائيلية بنظام تخزين سحابى داخل «مايكروسوفت» منذ عام 2022، للتنصت على مكالمات للفلسطينيين، وقامت الوحدة الإسرائيلية بتسجيل «مليون مكالمة فى الساعة»، ما يبرز ضخامة المشروع وطموحه، كما تشير وثائق مسربة إلى أن نسبة كبيرة من تلك البيانات المخزنة وضعت فى مراكز «مايكروسوفت» بهولندا وأيرلندا.
وعلى الرغم من نفى الشركة معرفتها باستخدام الاستخبارات الإسرائيلية لأنظمتها فى هذا الشأن، حيث ادعى ساتيا نادالا، الرئيس التنفيذى لـ«مايكروسوفت»، أنهم لم يكونوا على علم بنوع البيانات التى تخزنها «الوحدة 8200»، إلا أن عدداً من الوثائق المسربة، ومقابلات مع موظفين بالشركة وعناصر من المخابرات الإسرائيلية كشفت عكس ذلك، حيث ساعدت تقنية «آزور» جيش الاحتلال فى إعداد وتنفيذ غارات جوية قاتلة، كما كان لها دور أساسى فى تخطيط العمليات العسكرية فى غزة والضفة الغربية.
تستثمر «مايكروسوفت» بشكل كبير ومستمر فى إسرائيل، حيث بدأت الشركة وجودها هناك منذ عام 1989، وفى عام 1991، افتتحت أول مركز بحث وتطوير لها خارج الولايات المتحدة فى مدينة حيفا المحتلة، معلنة أنها كانت من أوائل شركات التكنولوجيا الكبرى التى تُنشئ مركزاً فى إسرائيل.
واليوم، تمتلك «مايكروسوفت» فروعاً فى هرتسليا، تل أبيب، حيفا، والناصرة، وفى عام 2021، أعلنت عن استثمار يصل إلى 1.5 مليار دولار لبناء مركز بيانات فى إسرائيل وتوسيع نشاطها فى مجال البحث والتطوير للرقائق الإلكترونية، ووصف الرئيس التنفيذى ساتيلا ناديلا، إسرائيل بأنها «مركز تطوير بالغ الأهمية لمايكروسوفت»، وذلك خلال لقاء سابق مع رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو.

مايكروسوفت لـ«الوطن»: لا دليل على استخدام تقنياتنا في غزة
طلبت «الوطن» رداً من «مايكروسوفت» بشأن الاستفسارات المقدمة، فرد متحدث باسم الشركة، قائلاً إننا لا نمتلك أى معلومات إضافية لتقديمها خارج البيان الرسمى المتعلق بالخدمات التكنولوجية فى إسرائيل وغزة، وأكدت أن الشركة لا تمتلك أي دليل على استخدام تقنياتنا لإلحاق الأذى بالأشخاص فى النزاع، وعند سؤالهم عن مسألة طرد الموظفين واستخدام أساليب القمع، أكّد المتحدث أنه لا توجد لدى الشركة أى معلومات إضافية لمشاركتها.
وكانت «مايكروسوفت» قد ردت وفق بيان حول ما أثير عن علاقتها بإسرائيل، قائلة: «أجرت الشركة مراجعة داخلية واستعانت بشركة خارجية للتحقق، ووجدت حتى الآن عدم وجود أى دليل على استخدام تقنياتها لإلحاق الأذى بالأشخاص فى النزاع، كما أن علاقتها مع وزارة الدفاع الإسرائيلية تجارية»، وأشارت إلى تقديم دعم طارئ محدود للحكومة الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر 2023، تحت إشراف دقيق، بهدف إنقاذ الرهائن مع احترام حقوق المدنيين.
شركة «آبل».. حكاية أخرى
بعد كشف «الوطن» التفاصيل المثيرة للجدل حول تعامل شركة «مايكروسوفت» مع موظفيها بشأن دعمهم للقضية الفلسطينية وقمعهم للأصوات المناهضة لدعم إسرائيل، لم تكن وحدها فى هذا المسار، وشهدت شركات عملاقة أخرى تحركات مماثلة، من بينها شركة «أبل»، التى اتخذت خطوات صارمة أيضاً تجاه موظفيها الذين عبَّروا عن مواقف معارضة للحرب أو شاركوا فى احتجاجات داعمة لفلسطين.
«أبل»، كغيرها من الشركات، فرضت قيوداً مشددة على حرية التعبير داخل منشآتها، واستخدمت أساليب متعددة لردع وتهديد الموظفين المعارضين، بما فى ذلك إيقاف الحسابات ومنع الوصول إلى الموارد، وحتى الطرد فى بعض الحالات، ما أثار موجة واسعة من الجدل حول حقوق العمال وحرية التعبير فى شركات التكنولوجيا الكبرى، فبعد أيام من 7 أكتوبر 2023، أرسل المدير التنفيذى لشركة «أبل»، تيم كوك، رسالة إلى جميع الموظفين حول العالم، عبَّر خلالها عن حزنه العميق لهجمات «حماس»، متجاهلاً ما يحدث للفلسطينيين فى قطاع غزة جراء الجرائم لإسرائيلية.
لأول مرة.. ننشر رسالة مدير شركة آبل للموظفين
«الوطن» تنفرد بنشر نص رسالة مدير «أبل» لموظفيه، وجاء فيها: «مثلكم، أشعر بحزن عميق إزاء الهجمات المروعة فى إسرائيل والتقارير المأساوية الواردة من المنطقة، أتعاطف مع الضحايا، ومن فقدوا أحباءهم، وجميع الأبرياء الذين يعانون من العنف».
«كوك» أكد أن «أبل» تعمل على دعم فرقها فى جميع أنحاء المنطقة، وتتواصل مع الأعضاء لمساعدتهم وعائلاتهم: «كما نعلم أن تأثير هذه الأحداث يتردد صداه فى نفوس الكثيرين منكم حول العالم، إذا احتاج أى منكم إلى الدعم، يُرجى التواصل مع مديره أو التواصل مع قسم دعم الأفراد للحصول على موارد إضافية».
ويضيف رئيس «أبل» فى رسالته: «إلى فرقنا (الموظفين) فى المنطقة، إذا لم تفعلوا ذلك بعد، أشجعكم على تحديث معلومات الاتصال الخاصة بكم على «ماى باج» - منصة داخلية خاصة بالشركة - وتثبيت تطبيق جلوبال سكيورتى، حيث يمكنكم طلب مساعدة أبل مباشرة، يمكنكم أيضاً التواصل مع قسم دعم الأفراد ومركز عمليات الأمن العالمى لدينا فى أى وقت، الآن وفى الأيام المقبلة ندعو الله أن يحفظ فرقنا وعائلاتهم وجميع من فى المنطقة، وننضم إلى جميع من يأملون فى السلام فى المنطقة والعالم».

«الوطن» تكشف عن تبرعات من شركة «آبل» لإسرائيل.. وتجاهل غزة
وكشفت «الوطن»، فى تحقيقها، أن «أبل» تبرعت بمبالغ مالية بواسطة منصة «»، وطلبت من يرغب فى المساهمة بالمشاركة، حيث تقدم منصة «بنى فتاى» نظاماً إلكترونياً للشركات الكبرى يتيح لموظفيها التبرع للجمعيات والمنظمات غير الربحية حول العالم، والتعاون مع شركات مثل مايكروسوفت وجوجل وأبل، وتتولى معالجة المدفوعات بحيث تضيف الشركة مبلغاً مماثلاً للتبرع الذى يقدمه الموظف.
وبحسب المعلومات التى حصلت عليها «الوطن»، تشمل قائمة الجمعيات المسموح لها بتلقى هذه الأموال مؤسسات، من بينها منظمة «أصدقاء الجيش الإسرائيلى»، التى تجمع التبرعات لصالح جنود جيش الاحتلال، إلى جانب عدة مجموعات تدعم وتشارك فى المشروع الاستيطانى بالضفة الغربية.
ومع زيادة الاحتجاجات داخل شركة «أبل»، من قبَل الموظفين الداعمين لفلسطين، والرافضين للسياسات الإسرائيلية، بدأت الشركة موجة من الفصل التعسفى لكل الموظفين الذى أعربوا عن دعمهم لفلسطين، سواء عبر الحديث، أو ارتداء أوشحة وأساور فلسطينية، أو حتى دفاتر عليها علم الدولة الفلسطينية، كما تم إبلاغ الموظفين من قبَل رؤسائهم فى الشركة أن أى شخص يُعبر عن دعمه لفلسطين من خلال ارتداء أزياء مثل الكوفيات أو الدبابيس أو الأساور أو الملابس ينتهك سلوك العمل ويخلق بيئة ضارة.
ونشر ما يقرب من 300 موظف حالى وسابق فى شركة أبل رسالة مفتوحة، كشفوا خلالها أن العديد من موظفى التجزئة والشركات فى الشركة تعرضوا للتأديب أو الفصل بشكل غير قانونى، وذلك بسبب التعبير عن دعمهم للشعب الفلسطينى بطرق متنوعة، وشددت الرسالة على أن استمرار هذا الدعم يتعارض مع القانون الدولى، ويلغى التزام «أبل» المعلن بحقوق الإنسان، ويقوِّض ثقة الموظفين والمساهمين فى قيم الشركة.
وتم تحديد خمس منظمات رئيسية فى الرسالة، وهى «أصدقاء قوات الدفاع الإسرائيلية» وهى المنظمة الوحيدة المسئولة عن جمع التبرعات لصالح جنود جيش الاحتلال الإسرائيلى، و«هايوفيل» المعروفة بمشاركتها على مدار عقود فى تطوير المستوطنات غير القانونية بالأراضى الفلسطينية المحتلة، و«صندوق إسرائيل واحد»، ويدعم ما يقرب من نصف مليون مستوطن فى الضفة الغربية، ويستخدم مصطلحات تشير إلى الأراضى الفلسطينية المحتلة كيهودا والسامرة، و«الصندوق القومى اليهودى»، الذى شارك فى شراء أراض فلسطينية لصالح المستوطنين بينما حُرم أصحاب الأرض من الوصول إليها.
الرسالة انتقدت صمت الشركة المستمر لأكثر من عام ونصف على العدوان المتصاعد ضد الفلسطينيين، وأشارت إلى التناقض بين هذا الصمت وبين الرسالة السريعة التى أرسلها «تيم كوك» بعد هجوم 7 أكتوبر، والتى أظهرت تعاطفاً مع الضحايا الإسرائيليين فقط، وأكد الموقعون أن هذا الموقف الانتقائى يقوِّض القيم التى تقول «أبل» إنها تمثلها، وطالبوا بتحرك فورى لوقف أى دعم مالى مباشر أو غير مباشر لممارسات مخالفة للقانون الدولى وحقوق الإنسان.
سنوات طويلة قضاها طارق رؤوف فى شركة «أبل»، وهو أحد الموقعين على الرسالة المفتوحة، لم يكن يتوقع أن مواقفه الإنسانية قد تكون سبباً فى نهاية مسيرته المهنية مع الشركة، فمنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، حاول «رؤوف» إيصال رسالة واضحة: «الشركة التى تتغنى بالمساواة والعدالة تتجاهل معاناة الفلسطينيين تماماً».
يقول طارق لـ«الوطن»: «بعد أن بدأت الحرب، تجاهلنى قادتى بالكامل، لم يرغبوا فى أى حوار جاد، وأبل رفضت حتى أن تذكر كلمة عن الفلسطينيين أو تعترف بما فقدناه»، ورغم الصمت الذى واجهه لم يتراجع، كتب مقالاً تحدث فيه عما وصفه بـ«عنصرية أبل»، وصوَّر نفسه داخل أحد متاجر الشركة فى أثناء مقابلة مع إحدى المنصات الإعلامية لشرح موقفه وتعامل شركة أبل مع معاناة الفلسطينيين، لكن رد الشركة جاء سريعاً وصادماً: «قرار فصل».
يقول «رؤوف»: «فصلونى بذريعة فنية.. اتهمونى بأننى كذبت على قسم الموارد البشرية بشأن تصوير الفيديو، لكن الحقيقة أن السبب هو مواقفى العلنية ضدهم واستمرارى فى فضح سياساتهم». يشير «رؤوف» إلى أن مثل هذه التحقيقات الداخلية عادة ما تستغرق أسابيع، لكن قضيته أُغلقت فى أيام قليلة، وكأن النتيجة كانت محسومة منذ البداية، الأسوأ بالنسبة له أن الشركة لم تكلف نفسها حتى عناء شكره على 12 عاماً من العمل.
اليوم، يقود «رؤوف» حملة «أبل.. ضد الفصل العنصرى»، التى تضم موظفين حاليين وسابقين فى الشركة، هدفهم الضغط على «أبل» لإنهاء ما يعتبرونه سياسات عنصرية، والمطالبة بالاعتراف بمعاناة الفلسطينيين.
وامتنعت شركة آبل عن الرد على رسائلنا المتكررة التي طلبنا من خلالها توضيح موقفها وتقديم مزيد من الإيضاح، كما لم تصدر أي بيان حول الأمر.
مشروع «نيمبوس».. جوجل تتيح لإسرائيل مراقبة الفلسطينيين
يختلف الوضع كثيراً فى شركة «جوجل» عن «مايكروسوفت»، و«آبل»، حيث بدأت الاحتجاجات قبل الحرب الأخيرة، ففى أبريل عام 2021، تم توقيع عقد شراكة بين «جوجل» و«أمازون» وإسرائيل، بشأن مشروع «نيمبوس» بقيمة 1.2 مليار دولار لتوفير الحوسبة السحابية.
وفقاً لوثائق تم تسريبها لموقع «إنترسبت»، تُظهر أن مشروع «نيمبوس» يتيح لإسرائيل الوصول إلى خدمات الذكاء الاصطناعى السحابية من «جوجل»، بما فى ذلك كشف الوجوه والتعبيرات، وتحليل الفيديو، وتحليل المشاعر، وقبل توقيع صفقة مشروع نيمبوس المثيرة للجدل، كانت شركة جوجل تدرك أنها لن تستطيع التحكم فى كيفية استخدام الدولة وجيشها لتكنولوجيا الحوسبة السحابية المتقدمة، بحسب تقرير داخلى سرى، تحدث عنه أحد موظفى جوجل السابقين لـ«الوطن»، وكشفته فى تقرير سابق لموقع «إنترسبت».
يوضح التقرير مدى وعى عملاق التكنولوجيا بالمخاطر المترتبة على توفير أحدث أدوات الحوسبة السحابية والتعلم الآلى لدولة متهمة منذ زمن طويل بارتكاب انتهاكات منهجية لحقوق الإنسان وجرائم حرب، ولا يقتصر الأمر على عجز «جوجل» عن مراقبة إسرائيل بشكل كامل أو منعها من استخدام برمجياتها لإيذاء الفلسطينيين، بل يشير التقرير أيضاً إلى أن العقد قد يلزم «جوجل» بعرقلة التحقيقات الجنائية التى تجريها دول أخرى بشأن استخدام إسرائيل لتكنولوجيتها، وسيتطلب ذلك تعاوناً وثيقاً مع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بما فى ذلك التدريبات المشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وهو أمر غير مسبوق فى صفقات جوجل مع دول أخرى.
قدرت «جوجل» أن المشروع قد يحقق ربحاً قدره 3.3 مليار دولار بين عامى 2023 و2027، ليس فقط من خلال بيعه للجيش الإسرائيلى، بل أيضاً لقطاعه المالى وشركات مثل شركة أدوية عملاقة. هذا المشروع أثار جدلاً واسعاً، حيث احتج موظفو «جوجل» على المشاركة فى المشروع، معربين عن مخاوف بشأن استخدامه فى مراقبة الفلسطينيين وتوسيع المستوطنات الإسرائيلية، ومع العدوان الإسرائيلى الأخير على غزة، تصاعدت الاحتجاجات داخل الشركة، مما اضطرها لطرد نحو 28 موظفاً، وفى تقارير أخرى وصل العدد إلى 50 موظفاً.
وفى منتصف مارس الماضى، أعلنت «جوجل» أنها ستدفع مبلغاً ضخماً قدره 32 مليار دولار للاستحواذ على شركة «Wiz» الإسرائيلية، وهذه الشركة طردت موظفين من قبل دعموا القضية الفلسطينية عبر منصاتهم، وفقاً لمعلومات حصلت عليها «الوطن» من خلال مجموعة «الواتساب»، وتعد أكبر صفقة استحواذ على الإطلاق لشركة إسرائيلية.
ومع تصاعد الاحتجاجات، أرسل الرئيس التنفيذى «سوندار بيتشاى» مذكرة للموظفين يحثهم فيها على إبعاد السياسة عن مكان العمل، قائلاً: «هذا عمل تجارى، وليس مكاناً للتصرف بطريقة تزعج زملاء العمل، يرجى عدم التشاجر بشأن القضايا المزعجة أو مناقشة السياسة فى مكان العمل».
ولا يقتصر الدعم عند هذا الحد، بل سرعت «جوجل» الوصول إلى خدمة «Vertex AI»، لوزارة الدفاع الإسرائيلية، وبحسب ما كشفته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، فموظفو «جوجل» أبدوا قلقهم من فقدان عقود محتملة لصالح شركات تكنولوجية منافسة إذا لم تُسرع الشركة فى توفير وصول تل أبيب إلى تقنية الذكاء الاصطناعى.
فى نوفمبر 2023، أى بعد نحو شهر من بدء العدوان الإسرائيلى على غزة، شكر موظف فى «جوجل» زميلاً له لتسهيله طلب إسرائيل بشأن الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعى، وفى ربيع العام الماضى، قدمت الشركة لإسرائيل إمكانات أوسع للتكنولوجيا.
وأظهرت وثائق أن الجيش الإسرائيلى لا يزال يطلب أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعى من «جوجل»، بما فى ذلك الوصول إلى منصة «جيميناى» للذكاء الاصطناعى التابعة للشركة، لمعالجة النصوص والأصوات، حتى بعد مرور عام على عدوان غزة.. لكن، لم تُنشر أى تفاصيل، كما لم يتم تحديد الطريقة التى استفادت بها إسرائيل من خدمات الذكاء الاصطناعى التى قدمتها «جوجل» لها، أو حتى تأثيرها الدقيق على العمليات العسكرية فى قطاع غزة وغيره من المناطق التى شهدت حرباً من جيش الاحتلال.
ولم ترد شركة «جوجل» على طلبات الاستفسار والتوضيح التى أرسلتها «الوطن» بشأن ضلوعها فى الإبادة الجماعية بغزة ومساعدتها جيش الاحتلال الإسرائيلى، وأسلوب القمع ضد موظفيها، لكنَّ متحدثاً باسم «جوجل» أوضح فى وقت سابق أن الشركة أجرت تحقيقاً فى «الاضطرابات المادية التى وقعت داخل مبانيها»، وأضاف: «انتهى تحقيقنا فى هذه الأحداث، وقمنا بتسريح موظفين إضافيين تبيّن تورطهم المباشر فى هذه الأنشطة التخريبية.. للتأكيد، كل من فُصل من عمله كان متورطاً فى أنشطة تخريبية داخل مبانى الشركة، وقد أكدنا ذلك مراراً وتكراراً».
فى الوقت الذى تواجه فيه شركات كبرى مثل «مايكروسوفت» و«جوجل» و«أبل» انتقادات واسعة بسبب فصل أو معاقبة موظفين عبَّروا عن دعمهم لفلسطين داخل بيئة العمل، يبرز نشاط مجموعة «واتساب» هذه بوصفه أكثر خطورة وتعقيداً.

«الوطن» تكشف عن شبكة غير رسمية لرصد المناهضين لإسرائيل
فالأمر لا يقتصر على قرارات إدارية داخلية، بل يتعداها إلى شبكة غير رسمية من المستثمرين ورواد الأعمال تعمل فى الخفاء، خارج الأطر المؤسسية، على جمع المعلومات عن الموظفين، وتبادل أسمائهم، وممارسة ضغوط على الشركات لاتخاذ إجراءات ضدهم، ما يخلق حلقة ضغط مزدوجة على حرية التعبير من داخل المؤسسات ومن خارجها.
وكشفت مصادر، لـ«الوطن»، عن وجود مجموعة خاصة على تطبيق المراسلات الشهير «واتساب» تضم أكثر من 300 مستثمر وخبير فى قطاع التكنولوجيا حول العالم، تعمل بشكل منظم على رصد ومتابعة موظفى شركات التكنولوجيا فى مختلف الدول، بهدف التعرف على أى شخص يعبِّر عن مواقف مناهضة لإسرائيل أو داعمة للقضية الفلسطينية.
آلية عمل المجموعة تبدو واضحة، فبمجرد أن ينشر أحد الموظفين، مثلاً فى وادى السيليكون، منشوراً مؤيداً لفلسطين أو منتقداً لإسرائيل، يقوم أحد أعضاء المجموعة بمشاركة رابط حسابه ومنشوره داخل المحادثة، متبوعاً بسؤال حول من هو المسئول عن الشركة التى يعمل بها هذا الموظف، وبمجرد تحديد المسئول تبدأ التحركات التى تنتهى غالباً بفصل الموظف أو إرغامه على الصمت.

ماذا حدث داخل مجموعة «واتساب»؟
ووفقاً لما اطلعت عليه «الوطن»، فقد شهدت إحدى المحادثات تبادلاً لرابط منشور على «لينكد إن» لموظفة ظهرت فى فيديو لمظاهرة مؤيدة لفلسطين، وسرعان ما علق أحد الأعضاء قائلاً: «هى تعمل فى شركة ...» مع ذكر اسم الشركة، ليأتى الرد من شخص آخر يعتقد أنه أحد المديرين، مؤكداً: «تم التعامل معها منذ ليلة السبت»، فى إشارة ضمنية إلى اتخاذ إجراءات ضدها، يُرجَّح أنها انتهت بفصلها.
هذه المحادثات تكشف عن وجود تنسيق منظم بين أعضاء المجموعة لملاحقة الموظفين الذين يعلنون دعمهم لفلسطين، عبر تحديد أماكن عملهم، ثم التأكد من أن الشركات المعنية قد اتخذت إجراءات عقابية بحقهم، وهو ما يثير تساؤلات واسعة حول حرية التعبير فى قطاع التكنولوجيا العالمى.
تنشط تلك المجموعة منذ أكتوبر 2023، أى بعد أيام فقط من هجوم السابع من أكتوبر والعدوان الإسرائيلى على قطاع غزة، وعلمت «الوطن» أن تلك المجموعة لا زالت نشطة بشكل كبير حتى الآن، وكان أعلى منصب من شركة تقنية كبرى فى هذه المجموعة هو جادى هوت من مختبر «أنابورنا» التابع لشركة أمازون، و«أنابورنا» شركة إسرائيلية متخصصة فى الإلكترونيات الدقيقة، وفى 2015، أصبحت مملوكة بالكامل لشركة أمازون.
بوابة عالم التكنولوجيا
فى سياق متصل، تُعد الوحدة 8200، وهى وحدة استخبارات عسكرية إسرائيلية متخصصة فى التجسس الإلكترونى وجمع المعلومات، بمثابة بوابة أو مدخل لربط خريجيها بعالم التكنولوجيا، خصوصاً فى وادى السيليكون، وكثير من الأشخاص الذين عملوا فى هذه الوحدة أسسوا لاحقاً شركات تكنولوجية ناجحة، ومن بينهم مؤسسو مجموعة «إن إس أو»، وهى الشركة التى طوَّرت برنامج التجسس الشهير «بيجاسوس»، الذى وُجهت له اتهامات باستخدامه فى اختراق هواتف معارضين سياسيين وصحفيين حول العالم، وذلك وفقاً لمعلومات شاركها معنا صحفيون استخباراتيون مهتمون بعالم التكنولوجيا، ومؤسسة «دروب استيت نيوز»، وهى مؤسسة استقصائية إخبارية أمريكية، وأثارت العلاقة المتنامية بين وادى السيليكون والجيش الإسرائيلى قلق المراقبين للصناعة الذين انتقدوا دور شركات التكنولوجيا فى تسهيل الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان فى غزة والضفة الغربية.
تقول «دروب استيت نيوز» إن قطاع التكنولوجيا الإسرائيلى بأكمله يُموَّل من قبَل مستثمرين أمريكيين، ومن الشائع أن تشهد استحواذات من قبَل وادى السيليكون على شركات إسرائيلية، حيث خدم كبار المسئولين فى هذه الشركات سابقاً فى الوحدة 8200، وهو ما يمنحهم صوتاً داخلياً.
ومنذ اندلاع العدوان الإسرائيلى على غزة شهدت شركات التكنولوجيا الإسرائيلية موجة من عمليات الاستحواذ من جانب شركات التكنولوجيا الأمريكية، من أبرزها صفقة بقيمة تقارب مليار دولار أبرمتها شركة تكنولوجية غير معروفة على نطاق واسع، وذلك بعد أسابيع قليلة من بدء الحرب، وكحال شركة «ويز» الشهيرة، تأسست الشركتان على يد أعضاء سابقين فى الوحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية.
أعضاء الاستخبارات الإسرائيلية.. قادة في «وادي السيليكون»
تشير تقارير بحثية إلى أن مؤسسة الاستخبارات الإسرائيلية حققت على مدى السنوات الماضية علاقات متنامية مع كبرى شركات التكنولوجيا الأمريكية، وقد وثَّق الباحثون أكثر من 1400 عضو حالى وسابق فى الوحدة 8200 ومديرية الدفاع السيبرانى التابعة للجيش الإسرائيلى، يعملون اليوم فى مناصب هندسية وقيادية عليا ومتوسطة فى شركات عالمية مثل سيسكو ومايكروسوفت وإنفيديا وإنتل وجوجل، إضافة إلى عشرات الشركات الكبرى الأخرى فى قطاع التكنولوجيا الأمريكى، والتى تمتلك مكاتب فى إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا. وتم جمع هذه البيانات من مصادر مفتوحة، وأظهرت أن بعض هؤلاء الأفراد ما زالوا جنود احتياط فى الوحدات العسكرية الإسرائيلية إلى جانب عملهم فى المجال التقنى المدنى.
يقول بول بيجار، مهندس برمجيات ومؤسس مجموعة «تك فور فلسطين» الناشطة: «لا ينبغى الوثوق بشركة Wiz، لأنها تأخذ جميع بيانات المستخدمين وتمررها عبر شركة إسرائيلية يديرها مسئولون استخباراتيون سابقون».
شركات التكنولوجيا وسلطة التحكم في الخطاب العام
سوزان بينيش، أستاذ مشارك بجامعة هارفارد، ومديرة مشروع الخطاب الخطير لدراسة الخطاب الذى قد يُثير العنف، تقول إن شركات التكنولوجيا تتمتع بسلطة كبيرة فى التحكم بالخطاب العام، كما تدعم إسرائيل لأسباب عديدة، أهمها أن إسرائيل تمارس ضغوطات عليها، كما تتخذ الشركات الكبرى من الولايات المتحدة مقراً لها، حيث يدعم كلا الحزبين السياسيين هناك إسرائيل وبقوة.
تخشى شركات التكنولوجيا الخضوع للتنظيم من قبَل الحكومة الأمريكية، لذا فهى تلتزم بالخطاب إلى حد ما، وفقاً لحديث «سوزان»، لـ«الوطن»، مؤكدة أن بعض الرؤساء التنفيذيين وكبار قادة الشركات لديهم علاقات شخصية مع إسرائيل.
وتتحدث «سوزان» عن تهديدات الموظفين والفصل، قائلة إنها تعارض ذلك تماماً، مضيفة: «يمكن للشركات الخاصة التوظيف والفصل بحرية نسبية، لكن فصل الموظفين بسبب المعارضة أمر ضار بالشركات، وليس فقط بالموظفين المعنيين، إذ يولد مناخاً من الخوف، كما أنه لا بد أن يؤثر على الخطاب العام، ففى نهاية المطاف كلما زاد عدد الموظفين الذين يُفصلون قلَّ عدد الأشخاص القادرين على توفير توازن داخلى».