«أطفال السجينات».. طاقة أمل للعيش الكريم و«طي» صفحة الماضي
«أطفال السجينات».. طاقة أمل للعيش الكريم و«طي» صفحة الماضي
السعى وراء اكتشاف القصص الإنسانية كان حلماً طالما راود نوال مصطفى فى بداية مشوارها الصحفى، لكنها لم تكن تعلم أنه سيكون بداية فكرة غير مسبوقة بتأسيس جمعية ترعى أحوال أطفال السجينات وأمهاتهم، وتحديداً «سجينات الفقر»، رسمت الطريق وسارت بخطوات واثقة، عازمة على تغيير مصير هؤلاء النسوة اللواتى ألقت بهن الظروف خلف القضبان، وفى عام 1990، تأسست جمعية أطفال السجينات التى انطلقت من ورائها مشاريع اجتماعية لمساعدة السجينات.. لكن لـ«صفحة بيضا» وضع خاص.
«نوال مصطفى»: دورات تأهيل نفسى للسجينات وفرص عمل بالحرف اليدوية
أكثر من 35 عاماً مرت على تأسيس الجمعية، ولا تزال «نوال» تتذكر اللحظة الأولى حين وطئت قدماها داخل سجن القناطر، سعياً وراء فكرة مختلفة لم تتناولها الصحف من قبل، لكن رؤيتها لمجموعة من الأطفال داخل سور السجن أشعل بداخلها حالة من الفضول حول سبب وجودهم «اتصدمت لما عرفت إنهم عايشين مع أمهاتهم المسجونين»، وفقاً لحديثها لـ«الوطن».
ومن هنا كانت البداية، التى حركت «نوال» نحو رغبتها الملحة فى تقديم المساعدة لهؤلاء الأطفال، تكررت زياراتها للسجن وهى تحمل كميات وفيرة من المساعدات الغذائية والإنسانية للأطفال وأمهاتهم، لكنها خطوة لم تشبع رغبات الصحفية الشابة، آنذاك، نحو مساعدتهم: «حدث عندى تحول غريب.. أصبحوا شغلى الشاغل».
اقتربت «نوال» بشكل أكبر من السجينات وتعرفت على الأسباب التى دفعت بهن نحو المصير المظلم، حاولت إيجاد طرق لحل القضية من جذورها وإبعاد الأطفال عن مشاهد لا يحق لهم معايشتها، وبالفعل بدأت فى تأسيس «جمعية أطفال السجينات» التى أصبحت «قضية حياتها»، بحسب وصفها.
أسست أول ورشة خياطة فى سجن القناطر
تعليم السجينات حرفة بسيطة تمكنهن من مواجهة ظروف الحياة بعد خروجهن من السجن، هكذا وضعت «نوال» هدفها الأول للجمعية، ونجحت فى تحقيقه بتأسيس أول ورشة للخياطة داخل سجن القناطر: «فكرت إزاى أساعدهم يكون عندهم شغلانة ومكسب رزق بالحلال بعد ما يخرجوا»، وما بين دورات للتأهيل النفسى وتدريبات ورش الخياطة، سعت «نوال» فى تأهيل السجينات قبل خروجهن من السجن استعداداً لمواجهة الحياة.
تواصل «نوال» رحلة دعمها للسيدات عقب خروجهن من السجن عن طريق استقبالهن فى جمعية «أطفال السجينات»، لكن هذه الخطوة لم تأت بصورة عشوائية، حيث وضعت المعايير الصارمة، بدايتها دراسة الحالة الاجتماعية للسيدة من خلال إرسال أخصائيين نفسيين إلى منطقة سكنها، ومن ثم دراسة الحالة القانونية عن طريق مستشارى الجمعية لمعرفة وضعها القانونى، وفقاً لحديث رئيسة الجمعية.
الصورة السلبية والضغوط المجتمعية أبرز العقبات
وما إن تخضع السيدة لدراسة أحوالها بدقة، تفتح الجمعية الأبواب بمقراتها المختلفة فى القاهرة لاستقبالها، بدايةً من التأهيل النفسى لمساعدتها فى مواجهة نظرات تجعلها حبيسة الوصمة الاجتماعية، ومن ثم توفير مصدر رزق لها من خلال الورش الخاصة بالجمعية فى الحرف اليدوية.
ورغم محاولات «نوال» توفير حياة كريمة للسجينات السابقات، إلا أن الوصمة المجتمعية تظل تلاحقهن، لذلك كان تفكيرها فى محاولة إعطائهن فرصة للعيش من جديد بحرية دون خوف، خاصة بعدما استمعت لمشاكل السيدات مع أولادهن: «ممكن ميعرفوش يقدموا ليهم فى مدارس معينة.. أو فى شغلهم.. حياتهم بتقف».
وبالفعل، سعت «نوال» إلى تقديم أحدث مشروعات الجمعية القانونية وهو «صفحة بيضا»، الخاص بإزالة الوصمة الجنائية للسجينات السابقات: «مؤمنة إنهم لازم ياخدوا فرصة جديدة للحياة.. ماينفعش نفضل طول الوقت نحكم عليهم بالإعدام.. وإلا نبقى بنحطهم فى سجن أكبر». ومع بداية عام 2023، جاء التفكير فى المشروع الذى خرج للنور فى منتصف العام ذاته، الذى أعاد الحياة من جديد للسيدات اللائى استفدن منه، «بيحسوا كأنهم اتولدوا من جديد»، الشعور ذاته الذى ينتقل إلى «نوال» بمجرد معرفتها بحصول سيدة على حكم بإزالة الوصمة الجنائية بأحد أشكالها المختلفة: «مفيش أحلى من إنك تغير فى حياة إنسان»، لتصف مشروع «صفحة بيضا» بـ«طاقة أمل لكل سيدة حست إنها فى طريق مسدود».