لقاء الأحباب بعد سنوات من الفراق.. حُب لم تهزمه قضبان السجون الإسرائيلية

كتب: منى السعيد

لقاء الأحباب بعد سنوات من الفراق.. حُب لم تهزمه قضبان السجون الإسرائيلية

لقاء الأحباب بعد سنوات من الفراق.. حُب لم تهزمه قضبان السجون الإسرائيلية

بعد عقود من الانتظار، وقفت زوجات الأسرى اللواتى حفظن وجوه أزواجهن فى الذاكرة وأبقين على صورهم فى قلوبهن رغم الغياب الطويل، يعشن لحظةً استثنائية، فى لقاء طال انتظاره لسنوات امتزج فيه الحنين بالصبر، والوفاء بالقهر، حتى انكسر القيد، وخرج الأسرى الفلسطينيون ليلتقوا مع أسرهم، بعضهم يعانق أولاده للمرة الأولى، ويبكى للقاء زوجته، وتتحدث العيون بما عجزت عنه الكلمات، لتعلن أن الحب والوطن ينتصران مهما طال الظلم.

لم تكن الأعوام الـ23 التى قضاها الأسير المقدسى المحرر حمزة الكالوتى فى سجون الاحتلال مجرد أرقام مرت، بل كانت قصة وفاء ومقاومة حية، عايشها مع زوجته أم جعفر لحظة بلحظة، رغم قضبان السجن وأسوار الغياب، لذا يقول حمزة: «زوجتى بمثابة الهواء الذى أتنفسه، والذى كان يصبّرنى على ظلم السجان»، مضيفاً: «كنت أشعر بأننى فى السجن، لكن روحى عندها».

حمزة الكالوتى: زوجتى كانت السبب فى صمودى حتى تنفست هواء الحرية

«حمزة» لم ينسَ كيف بدأت حكايتهما: «اخترتها عن رغبة، وضلّيت وراها سنتين، وهى ما كانتش عارفة.. ولما عرفت ووافقت، بقت أغلى شىء بحياتى. كانت هى السند، والسبب فى صمودى حتى تنفست هواء الحرية»، يضحك بينما يستذكر تلك الأيام.

فى سبتمبر 2001 تم اعتقال «حمزة» من «بيت حنينا» بالقدس المحتلة، وعُرض على المحكمة العسكرية الإسرائيلية التى حكمت عليه بالمؤبد 6 مرات، حيث كان أحد أفراد خلية «الثأر المقدس» التى قامت بعدد من العمليات العسكرية ضد الاحتلال ثأراً لاغتيال المهندس يحيى عياش.

أم جعفر: رفضت طلب زوجى الانفصال خلال 23 عاماً من وجوده فى الأسر

تتحدث أم جعفر عن بدايات اعتقال زوجها: «اعتُقل بعد خمس سنوات من زواجنا، وما كنت بعرف السبب بالبداية، ولما صدر الحكم كنت بعيط وبسلم أمرى لله. بس هو، بحكمته وقوته، كان يشحذ همتى بكل زيارة».

كانت الزيارة الأولى لأم جعفر لزوجها المقدسى الأسير بعد ثلاثة أشهر من الاعتقال تعرض خلالها للتعذيب خلال التحقيقات، حيث أحزنها بشدة وجهه المغطى بالكدمات، ولكنها لم تفقد الإيمان بأنه يوماً ما سيكون معها، واستمرت فى حبها رغم مرور السنوات، حتى بعد أن أصبح يعانى من أمراض مزمنة، مثل ضيق التنفس والروماتيزم، وسط إهمال طبى متعمد فى سجون الاحتلال.

تتذكر أم جعفر الحديث الذى دار مع زوجها فى زيارتها الأولى فى سجن عسقلان عام 2002، حيث قال لها: «هيدا مش زى أى حبس، مش إدارى ولا شهرين بطلع، هيدا (يشير إلى أحد الأسرى الموجودين معه) موجود من 15 عام، وهيدا من 30 عام، أنا ممكن بطلع لكم بكيس نايلو»، وعرض عليها الانفصال لكنها رفضت وتمسكت به.

هنا يلتقط «حمزة» طرف الحديث كاشفاً عن ردها الذى جعله يتحمل مرارة الفقد والتعذيب فى سجون الاحتلال: «قالتلى إذا ما فيش لقاء فى الدنيا، فى لقاء فى الآخرة، .. الكلمة هاى خلتنى أعيش 23 سنة قوى»، ورغم أنه عرض عليها بعد ذلك الطلاق كثيراً، إلا أنها رفضت أيضاً.

رغم قسوة السجن، استطاع حمزة أن يحول المعاناة إلى إنجاز، لم يكن ليحققه لولا دعم زوجته المستمر، قائلاً: «درست البكالوريوس فى الصحافة والإعلام، وبعدها ماجستير... ولما حكيتلها عن الدكتوراه قالت لى: «حتى لو أقطع من لحمى، راح أسجلك»، يروى حمزة بفخر، وهو يستذكر كيف سجلت له أم جعفر فى برنامج الدكتوراه وأرسلت له الرسائل والأبحاث رغم ضيق الحال وظروف الحرب.

وتقول زوجته: «كنت أوفر من مصروفى، وأحياناً أرسل له مصارى حتى من دون ما يعرف.. ولما يسألنى، أقول ركز بدراستك، الله يوفقك».

حمزة حصل على درجة الدكتوراه فى الصحافة والإعلام من خلف القضبان، ويقول بفخر: «لو نص إنجازاتى هاى اتسجلت لكانت باسم زوجتى.. كل إشى صار كان بفضلها، هى اللى خلتنى ما أحتاج إشى، حتى روحى ما نقصت».

«العيش بدون زوج صعب»، تقول أم جعفر، «لكن ما دام فى أمل، ممكن نكمل.. وكان دعائى دائماً إنه يرجعلى ونعيش سوا ونرزق بالأولاد بعيد عن وجع الاحتلال».

تحرر «حمزة» من الأسر فى المرحلة الأولى من صفقة التبادل الأخيرة، ولكن قلبه لا يزال مربوطاً بتلك السنوات، وبكل من وقفوا إلى جانبه: «كل اللى كان يخلينى أستمر هو أمى، ومرتى، وأولاد أخوى... هذول كنت أقول: هروح عشانهم».

اليوم، بعد أكثر من عقدين، يعود حمزة ليبدأ من جديد، حاملاً شهادة الدكتوراه، وحبّاً أكبر لامرأة صبرت معه، ووقفت فى وجه الريح لتنير له شمعة فى عتمة الزنزانة.

ومن القدس المحتلة إلى غزة التى تئن تحت قصف الاحتلال، كانت قصة وفاء أخرى بين الأسير المحرر عبدالرحمن بعلوشة وزوجته ماجدة، بعد أن اختطفه منها السجان الإسرائيلى عام 2014 بعد 10 أشهر فقط من الزواج.

عبدالرحمن بعلوشة من أبناء مدينة «القرارة» فى خان يونس بغزة، إلا أنه تم اختطافه مع 200 آخرين من غزة فى 2014، ورغم أنه تم الإفراج عن معظمهم، فإن محكمة بئر سبع الإسرائيلية حكمت على «عبدالرحمن» بالسجن الفعلى لمدة 16 عاماً.

ماجدة بعلوشة: الاحتلال اختطف عريسى 2014 وعودته لحظة انتصار وانتظرته 10 سنوات والتقيته بفستان الزفاف

«10 سنوات و6 أشهر» هى المدة التى انتظرتها ماجدة للقاء زوجها الذى اختطف من غزة عام 2014، قائلة: «كنت عروسة حين خطف عريسى.. لم يمض على زواجنا سوى عشرة شهور، بعدها تم اعتقال زوجى. ومضت عشر سنوات وستة أشهر وأنا أنتظر، أصبر، متمسكة بالأمل عاماً بعد عام، حتى أكرمنا الله، وأصبح بيننا بعد أن كان محكوماً بـ16 عاماً و6 أشهر».

بهذه الكلمات المؤثرة سردت ماجدة بعلوشة حكاية الصبر والوفاء، التى سطرتها فى سنوات غاب فيها زوجها، لكن حضر الإيمان بأن لقاء سيأتى لا محالة، مشيرة إلى أن «الزيارة رغم ما كانت عليه من معاناة، كانت تبل ريق القلب، تعطينا شيئاً من الحياة، وإن كانت حتى هذه اللحظة كنا نُحرم منها فترات طويلة».

واجهت ماجدة ضغوطاً اجتماعية، فقد تزوجت ولم تكن قد أكملت الـ20 عاماً، والكثيرون استبعدوا الإفراج عن زوجها، وطالبوها بأن تصبح حرة، خاصة أنها لم تُرزق بأطفال. تقول: «الكل كان يسألنى: كيف ستصبرين 16 عاماً ونصف؟ كيف تنتظرين بلا أطفال؟ كنت أجيبهم بثقة: الأمل فى وجه الله لا يخيب، وما عند الله أكبر من أحكام البشر».

مرت ماجدة بأصعب سنوات حياتها، خصوصاً خلال عدوان الاحتلال الإسرائيلى على غزة، حيث واجهت الموت عدة مرات، لكنها لم تضعف، بل رأت فى صمود الأسرى وقضيتهم نوراً يخفف وطأة القصف والدمار.

استقبلت «ماجدة» زوجها فى الـ25 من يناير الماضى، وهى ترتدى ثوب العُرس، مؤكدة أن لحظة لقائه، لم تكن حدثا عادياً، بل كانت «يوم انتصار»: «شعرت بأن هذا اليوم ليس لى وحدى، بل لكل زوجة أسير صبرت، ولكل أم وأسرة، بل لكل الشعب الفلسطينى الذى يتطلع للحرية».


مواضيع متعلقة