«هيام» بعد «رد الاعتبار»: الحكم رجع بنتي لحضني.. و«الجمعية» فتحت لي باب رزق
«هيام» بعد «رد الاعتبار»: الحكم رجع بنتي لحضني.. و«الجمعية» فتحت لي باب رزق
كأن قطار الحياة توقف فجأة بعدما اصطدم بمسارات عنيفة، اقتربت خلالها «هيام» (اسم مستعار) من حافة الموت، حين حُرمت من طفلتها الصغيرة بعدما حُكم عليها بالسجن 3 أعوام، ومع خروجها إلى الحياة، ظلت محمّلةً بأعباء ثقيلة تطاردها وتهديدات من طليقها بحرمان أبدى من ابنتها، لكن حكم القاضى بـ«رد الاعتبار» أعاد الحياة لروحها المنهكة.
حياة «هيام» لم تختلف تفاصيلها كثيرا عن المعيلات بعدما تحملت مسئولية ابنتها بمفردها، حيث انفصل عنها الزوج، ووجدت من وظيفة مربية الأطفال مصدر رزق آمناً ضمن لها حياة كريمة مع طفلتها، فتقول «هيام» خلال لقاء «الوطن»: «كنت بجيب رزقى ورزق بنتى».
بنفس راضية عاشت السيدة الثلاثينية، رفقة ابنتها ووالدتها المريضة، حياة مطمئنة قبل أن يرزقها النصيب بالعمل مع سيدة جعلتها في مكانة الصديقة، حتى انتهت مدة العمل بينهما بهدوء، هكذا اعتقدت «هيام»، لكنها لم تتوقع أن الثقة والأمانة ستتحول إلى الغدر في أبشع صوره، حسب وصفها.
تعرضت «هيام» لموقف صادم لم تتوقع حدوثه فى أسوأ كوابيسها، حيث اتهمتها صاحبة المنزل بسرقة الخزنة، ووضعت خطة محكمة لإثبات التهمة عليها داخل قسم الشرطة: «ماكنتش مستوعبة هى بتقول إيه.. ولغاية دلوقتى ماعرفش ليه عملت كدا».
دوامة من المشاهد الصعبة عاشتها «هيام» خلال فترة احتجازها داخل قسم الشرطة، أصعبها بكاء طفلتها الوحيدة حين رأتها لأول مرة وهى مقيدة بالأساور الحديدية: «مالهاش حد غيرى ووالدتى ست عاجزة»، وبسرعة أحيلت قضيتها إلى المحاكمة التى انتهت بالسجن 3 أعوام، لتقف الحياة عند اللحظة المأساوية: «ماتحكمش عليا أنا لوحدى.. دا اتحكم عليا أنا وأمى وبنتى، حياتهم وقفت معايا».
وللحظ العثر تصادف يوم دخول «هيام» إلى سجن القناطر مع عيد ميلادها، ليتحول إلى ذكرى مؤلمة لم تنسها طيلة حياتها: «هيفضل طول العمر ملازمنى.. أن يوم عيد ميلادى هو التاريخ اللى انتهت فيه حياتى».
السيدة الثلاثينية: قضيت عامين ونصف العام خلف القضبان
ليلة طويلة من البكاء لم تصدق خلالها المشاهد المحيطة من سرير العنبر والعباءة البيضاء، هكذا قضت «هيام» أولى لياليها داخل سجن القناطر وعلى هذا الحال استمرت لعدة أشهر حتى أتت الزيارة الأولى لوالدتها وابنتها بعد 4 أشهر، الأمل الذى أعادها للحياة: «حسيت أن الحياة رجعت لى تانى». ومن هنا كانت الانطلاقة الحقيقية لـ«هيام»، خاصة بعدما اكتشفت عوالم أخرى داخل سجن القناطر، فوجدت من المكتبة وورش الخياطة، التى كانت إحداها تتبع جمعية «أطفال السجينات»، طوق النجاة للهروب من واقع السجن المؤلم.
خلقت «هيام» مساحة جديدة للحياة، حتى وإن كانت داخل السجن، اعتادت الاستيقاظ مبكراً والذهاب إلى ورشة الخياطة التابعة لجمعية أطفال السجينات، وفى نهاية اليوم تعود إلى عنبرها، تسرح فى حكايات من حولها من سيدات اختلفت أسبابهن للوصول إلى النفق المظلم.
مناسبات كثيرة مرت على «هيام» اعتادت الاحتفال بها مع طفلتها، لكن أسوار السجن حالت هذه المرة، أصعبها هو عيد ميلاد طفلتها، الذي جاء لأول مرة وهي بعيدة عن حضنها، لكن لـ«عيد الأم» جرح آخر، حين فاجئتها ابنتها بزيارة خاصة وأهدتها مصحفًا لازالت تحتفظ به حتى اليوم: «فاجأتني بزيارتها.. نستني كل التعب في اليوم لكن لما مشيت حسيت بكل الوجع».
وبعد عامين ونصف العام من سنوات الظلام رغبت الحياة فى مصالحة «هيام»، حين أخبرتها مشرفة العنبر أن اسمها ضمن المفرج عنهم بعد انتهاء أكثر من نصف المدة، لم تسع الفرحة «هيام» وكأنها أمسكت السماء بيديها: «فى الأول ماكنتش فاهمة ولا مستوعبة.. بس عرفت أن المدة المتبقية هقضيها فى البيت ومراقبة فى القسم».
وفى ليلة اختلطت مشاعرها ما بين البكاء والشوق الذى طال انتظاره قضت «هيام» آخر ليالى السجن التى لم تذق فيها النوم من الفرحة: «ماكنتش مصدقة إنى هشوف أمى وبنتى تانى».
وعلى مدار قرابة عام داومت «هيام» على الذهاب إلى قسم الشرطة تنفيذاً للمراقبة، لكن ما هوّن من شدة الأمر عودتها من جديد لحضن ابنتها، وفى الوقت ذاته حاولت بدء حياة جديدة، تواصلت مرة أخرى مع جمعية أطفال السجينات، وبالفعل تسلمت عملها فى أحد مصانع الخياطة الخاص بالجمعية، ومن ثم تلقت من الجمعية ماكينة خياطة فى المنزل للعمل عليها «ساعدونى يكون ليا باب رزق.. وبقى ليا زباين عارفينى».
ورغم محاولة «هيام» تخطى سنوات السجن لكن ظلت النظرات المحيطة تطاردها حتى علمت عن طريق جمعية أطفال السجينات بمشروع «صفحة بيضا»، وتلقت اتصالاً من مديرة المشروع التى وضعت اسمها ضمن المستهدفين لإزالة الوصمة الجنائية: «ماكنتش أعرف أن الكابوس ده ممكن يتشال.. كانت فرحة كبيرة جداً فى حياتى».
سارت مديرة المشروع فى الإجراءات القانونية الخاصة بملف «هيام» التى عاشت بمشاعر مختلطة ما بين الخوف والقلق وبصيص من الأمل، الذى اكتملت دائرته حين حصلت على الحكم من القاضى بـ«رد الاعتبار»: «اتولدت من جديد روحى رجعت لى.. وحررت نفسى وبنتى من وصمة مالناش يد فيها»، فضلاً عن إنقاذها من تهديدات طليقها لانتزاع ابنتها منها كون أنها أم غير مؤهلة: «نجدتنى ونجدت بنتى وهتفضل فى حضنى».