«ألفت» وُلدت من جديد: أصبحت حرة ودلوقتي أقدر أسافر وأشوف أحفادي

كتب: آية المليجى

«ألفت» وُلدت من جديد: أصبحت حرة ودلوقتي أقدر أسافر وأشوف أحفادي

«ألفت» وُلدت من جديد: أصبحت حرة ودلوقتي أقدر أسافر وأشوف أحفادي

عرف الشيب طريقه إلى رأسها بعد تجاوزها الستين.. فى صباح مشمس من أغسطس 2023 شعرت أُلفت «اسم مستعار»، كأنها وُلدت من جديد، برغم مشهد وقوفها أمام القاضى الذى أعاد لذاكرتها ظلمة السجن التى أبعدتها عن ابنتيها 4 أعوام كاملة، لكن حكم «رد الاعتبار»، الذى أصدره القاضى أزال عنها آثار تلك السنوات العجاف وأعطاها الحق فى السفر خارج البلاد واحتضان أحفادها لأول مرة بعد أن شبوا دون أن تراهم.

انفصل عنها زوجها يوم ولادة طفلتها الصغيرة فتحملت المسئولية كاملة

قبل 15 عاماً كانت «ألفت» تعيش حياة هادئة، وفى لحظة مفاجئة تبدل كل شىء حين انفصل عنها الزوج مع ولادة ابنتها الصغرى، فتحملت المسئولية بأكملها، لجأت إلى العمل كسكرتارية، الخيار الأنسب لسيدة تفتقد الخبرة فى سوق العمل آنذاك، وبالفعل نجحت فى تأمين مستقبل ابنتيها، فهى الأب والأم فى آن واحد، تقول خلال لقاء «الوطن»: «هما كل حاجة فى حياتى.. ماليش غيرهم ومابعرفش أعمل حاجة من غيرهم».

من جديد، حاولت «ألفت» تنفس الصعداء فى حياة صعبة، لكن القدر كان يخبئ لها منعطفاً قاسياً حين عملت فى شركة جديدة، حيث أوكل إليها مديرها إيداع أموال الشركة، وطلب منها التوقيع على إيصالات أمانة، لكن لم يكن فى مخيلتها أن الثقة ستتحول إلى غدر، عندما قررت ترك العمل: «بدأ يساومنى على حاجات.. فسبت الشغل». وفى يوم وليلة وجدت نفسها متهمة بتبديد أموال الشركة ومطلوب القبض عليها، فصاحب العمل قدّم ضدها إيصالات الأمانة: «لما كنت بسأله عليها كان بيقول لى إنها ضاعت.. وأنا عمرى ما كنت بخوّنه».

لحظات من الصدمة والانهيار لا تُنسى فى حياة «ألفت»، تتذكر لحظات القبض عليها، وهى تحمل فى قلبها هموم ابنتيها اللتين تركتهما وحيدتين، حاولت الدفاع عن نفسها بواسطة المحامى لكن لا منفذ قانونى، وبسرعة صدر الحكم ضدها 4 سنوات: «مافكرتش غير فى بناتى.. هيعيشوا إزاى.. بنتى الصغيرة سبتها وهى فى ابتدائى».

كانت أصعب لحظاتها يوم دخولها سجن القناطر مرتدية العباءة البيضاء، شعرت كأن الحياة توقفت، تصفها «ألفت»: «أشبه بالموت وأنا صاحية»، وأصبح البكاء وسيلة التعبير: «كانت ليالى عذاب.. بكاء متواصل، حسيت بنهاية العالم بالنسبة لى»، وعلى هذا عاشت «ألفت» أيامها الأولى فى السجن.

ومع الوقت، بدأت التأقلم مع حياتها الجديدة، ووجدت الأمل فى مكتبة السجن وورش الخياطة التى كانت إحداها تتبع «جمعية أطفال السجينات»، ولحظها الجيد أصبحت ضمن أفرادها: «كنت أصحى بدرى أنزل الورشة أتعلم واشتغل.. كنت بحاول أنسى الواقع». محاولات عديدة خاضتها «ألفت» لتجاوز مرارة السجن التى سرعان ما تتجدد عند الحديث مع النزيلات عن اشتياقها لابنتيها: «كنت بقعد مع بعض السجينات اللى عرفتهم هناك.. ماكنش ليا كلام غير عن بناتى.. وذكرياتى اللى بره السجن».

وخلال سنوات السجن كانت الطفلتان مصدر قوتها، زيارتهما الأسبوعية كانت تمنحها بعض السكينة، رغم ألم البعد عن حياتهما اليومية: «ماتخلوش عنى.. كانوا الأمل الوحيد ليا»، لكن ولادة ابنتها الكبرى كانت هى الحدث الأصعب الذى عاشته «ألفت» داخل السجن، خاصة عندما أبلغتها السجانة بالنبأ قبل ليلة الولادة: «لقيت السجانة بتقول لى صلى لبنتك عشان هتولد.. عشت فى عذاب محدش يتخيله.. لغاية ما السجانة طمنتنى».

وبعد 4 أعوام تشابهت لياليها فى القسوة خرجت «ألفت» من السجن، تمتعت برؤية ابنتيها وحفيدها الصغير، لكن وجدت نفسها محاطة بوصمة السجن التى ظلت تطاردها فى كل خطوة، وفرضت على نفسها سجناً آخر بالجلوس فى المنزل لمدة 5 أعوام: «حبست نفسى فى البيت ورفضت أخرج».

ملت «ألفت» العزلة وحاولت الحصول على عمل، لكنه أمر لم يكن سهلًا بسبب السجل الجنائي: «أي شغل عاوز فيش وتشبيه»، لكن الحياة منحتها فرصة أخرى عندما عادت للعمل مع جميعة «أطفال السجينات»: «طبعًا هما اللي كانوا عارفين حالتي مش هيطلبوا لا فيش ولا تشبيه»، وأصبحت أمينة مخزن، ثم مسؤولة عن مراجعة المنتجات.

معاناة «ألفت» مع وصمة السجن ظلت تطاردها، بعدما رفضت إحدى السفارات الأجنبية منحها تأشيرة للسفر، حيث تعيش ابنتها مع زوجها وأولادها، حتى اكتشفت مبادرة «الصفحة البيضا»، التى تبنتها الجمعية لمحو السوابق الجنائية، كان ذلك بمثابة ولادة جديدة لها: «كنت خايفة.. عاملة زى الغريق اللى متعلق بالقشة».

وبعد عام كامل من الإجراءات القانونية، حصلت «ألفت» على حكم «رد الاعتبار»، الذى أعاد إليها حقها فى السفر دون أن يشوب سجلها الجنائى أى قيد: «حسيت كإنى اتولدت من جديد»، وعادت الفرحة إلى حياتها وهى تستعد لرؤية أحفادها وقتما تريد، تقول بابتسامة: «دلوقتى أقدر أسافر وأشوفهم.. أحلى حاجة فى حياتى».


مواضيع متعلقة