يسرا زهران تكتب: تحذير أمريكي: روسيا وحدها تقدر على تدمير الولايات المتحدة فى ساعتين

كتب: محرر

يسرا زهران تكتب: تحذير أمريكي: روسيا وحدها تقدر على تدمير الولايات المتحدة فى ساعتين

يسرا زهران تكتب: تحذير أمريكي: روسيا وحدها تقدر على تدمير الولايات المتحدة فى ساعتين

فى الأسبوع الماضى، تركزت أنظار العالم على ولاية «ألاسكا» الأمريكية، التى شهدت قمة طال انتظارها بين الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» والرئيس الروسى «فلاديمير بوتين».

هدف القمة المعلن كان التوصّل إلى تسوية لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وهدفها الصامت لدى كلا الرئيسين كان «جس نبض» الطرف الآخر: إلى أى مدى يمكن له أن يتنازل بشكل يُظهر الآخر وكأنه قد حقّق انتصاراً سياسياً ما؟. الرئيس «بوتين» جاء إلى القمة كلاعب استراتيجى محترف من الطراز الأول، ليس لديه استعداد لتغيير خطته الرئيسية إلا فى صورة تعديلات تكتيكية تكسر التصور السائد بأن روسيا أصبحت «منبوذة» من الغرب. أما الرئيس «ترامب» فكان يريد أن يلعب بطريقته غير التقليدية، التى تُظهره كرجل قادر على حل أعقد الأزمات الجيوسياسية العالمية بأفكار تأتى من عالم الأعمال والصفقات والاستعراض الذى يعرف طريقه فيه جيداً، أكثر من عالم الحسابات السياسية.

.

«ترامب» عرف كيف يُعد المشهد جيداً لاستقبال «بوتين». مد السجادة الحمراء لاستقبال الرئيس الروسى فى «ألاسكا»، ثم اصطحبه معه فى السيارة الرئاسية الأمريكية المعروفة باسم «ذا بيست» أو «الوحش»، لتصبح لديهما فرصة للكلام كما يليق برئيسى دولتين عظميين. كانت تلك هى دبلوماسية «ترامب» التى أراد بها احتواء «بوتين»، والتعامل معه بالطريقة التى يُصر عليها الرئيس الروسى دائماً، بأن تتم معاملة روسيا على قدم المساواة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

لكن حول السجادة الحمراء والسيارة الرئاسية، كانت الطائرات الأمريكية المقاتلة من طراز «إف-22» تقف مُتأهبة فى صفين على الجانبين، ليس فقط كنوع من الاستعراض العسكرى، وإنما كإشارة صامتة للرئيس الروسى بأن أمريكا تظل لديها لغة أخرى إذا فشلت لغة الدبلوماسية والاحتواء. لغة أعلى صوتاً وأكثر ضجيجاً وأشد تدميراً لو لزم الأمر.

.

الأهم، أنه مع طائرات «إف-22» المقاتلة، كانت هناك طائرة من نوع آخر تحوم فوق الرئيسين فى سماء «ألاسكا»، طائرة أمريكية من طراز «بى-2»، وهى الطائرة الوحيدة فى العالم القادرة على حمل قنابل نووية وإلقائها فوق أهدافها فى أى مكان دون إمكانية رصدها، بسبب قدرتها المتطورة على التحليق فى وضعية الإخفاء. وحلّقت الطائرة الأمريكية «النووية» بصُحبة مقاتلات من طراز «إف-٣٥» فى استعراض عسكرى لـ«تحية» الرئيس الروسى لدى وصوله إلى ألاسكا.

لماذا كانت هذه الطائرة الأمريكية الحاملة للقنابل النووية تحوم فوق الرئيس الروسى قبل قمة «ألاسكا»؟. لماذا لم يكتفِ الرئيس «ترامب» باستخدام الطائرات المقاتلة التقليدية حتى لو كان الأمر على سبيل التهديد الخفى أو استعراض القوة؟

ربما كانت الإجابة لدى «روبرت أوبرايان»، مستشار الأمن القومى الأمريكى السابق للرئيس «ترامب» فى فترته الرئاسية الأولى، الذى قال فى تعليقه صراحة قبيل قمة «ألاسكا»: «إن الرئيس «بوتين» يمتلك تحت تصرفه أكبر ترسانة نووية فى العالم، وعلى المرء أن يتعامل بحذر مع مثل هذا القائد».

لغة التهديد، خاصة التهديد باللجوء إلى الخيار النووى صارت تتكرّر أكثر من اللازم فى الفترة الأخيرة، بما فى ذلك من جانب الرئيس «بوتين» نفسه. يخشى عقلاء العالم اليوم أن ينقلب التهديد والتلويح إلى جد، وأن يصل العالم إلى شفا حفرة من الجحيم النووى الذى لو انفلت، فلن يقدر أحد على وقفه، لا بالدبلوماسية، ولا بالتهديد.

لكن الواقع أن هذا المزج بين لغة الدبلوماسية والتهديد هو عنصر ثابت فى كل التعاملات بين الولايات المتحدة وروسيا، منذ عهد الحرب الباردة وحتى اليوم.

فى كتابها عن الحرب النووية، تحكى لنا «آنى جاكوبسون» عن هذا التداخل بين الدبلوماسية والتهديد بين دول تلعب بالنار النووية. تحكى لنا تفاصيل لم يكن كثيرون يعرفونها من قبل عن «لعبة» محاكاة الحرب النووية التى تصورتها وزارة الدفاع الأمريكية للمواجهة الرهيبة مع روسيا (أو الاتحاد السوفيتى فى فترة الحرب الباردة أيام الرئيس الأمريكى «رونالد ريجان»)، وكان مصمم هذه اللعبة عالم الاقتصاد الفذّ الحاصل على جائزة «نوبل» فى الاقتصاد البروفيسور «توماس شيلينج»، هو صاحب هذا التعبير عن التداخل بين الدبلوماسية والتهديد بالإيذاء، خاصة بالتهديد النووى، عندما قال فى كتابه الشهير «السلاح والنفوذ»: «إن القدرة على الإيذاء تمنح قوة فى التفاوض. واستغلال ذلك هو نوع من الدبلوماسية. ربما كانت دبلوماسية شريرة، لكنها تظل دبلوماسية».

«شيلينج» كان يعرف جيداً ما يتحدّث عنه، لأنه كان مستشاراً خاصاً لدى وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون»، وهو الذى قام فى فترة الثمانينات، بتصميم لعبة محاكاة للحرب النووية، بناءً على أمر من الرئيس «ريجان»، عرفت فى ما بعد باسم لعبة «براود بروفيت». كان هدف لعبة المحاكاة هذه، كما تقول «آنى جاكوبسون»: «هو بيان ما يمكن أن يحدث عندما تفشل الدبلوماسية (بين «واشنطن» و«موسكو»)، عندما ينهار مبدأ الردع المتبادل (بمعنى أن كل قوة نووية لا تهاجم قوة أخرى حتى لا تتلقى هجوماً مماثلاً). كانت لعبة المحاكاة تقدم لكبار المسئولين العسكريين الأمريكان الأساليب والصور المتعدّدة التى يمكن أن تتطور بها الحرب النووية لو اندلعت يوماً ما. وفى عام ١٩٨٣، ولأكثر من أسبوعين متواصلين فى «واشنطن»، اجتمع أكثر من مائتى شخص فى كلية الحرب الأمريكية لكى يلعبوا لعبة المحاكاة وهم محاطون بأعلى درجات السرية لمنع أى تسريبات».

وتواصل: «كل يوم، كان وزير الدفاع الأمريكى يتصل من خلال خط آمن بقيادات الجيش الأمريكى لبحث سيناريوهات الحرب النووية المختلفة التى وضعها البروفيسور «شيلينج» فى لعبة المحاكاة. كانت السيناريوهات تتضمن كل الاحتمالات، من الضربات النووية التكتيكية التى يُطلق عليها الحرب النووية المحدودة، وحتى سيناريوهات الإبادة الكاملة. كانت هناك تدريبات تتدخّل فيها القوى النووية لحلف شمال الأطلسى «الناتو»، أو بدون هذا التدخّل. كانت هناك سيناريوهات تطلق فيها الولايات المتحدة حرباً نووية استباقية، يتعامل فيها أفراد «البنتاجون» وأعصابهم تحت السيطرة، وتدريبات أخرى يفقدون فيها أعصابهم تحت ضغط اندلاع الحرب. تدريبات أخرى فى حالة دخول الصين على خط الصراع، وثالثة مع تورط المملكة المتحدة أو عدم تورطها فى الحرب».

أحد المدنيين الذين اشتركوا فى لعبة المحاكاة المتطورة تلك كان «بول براكين»، أستاذ العلوم السياسية فى جامعة «يال» الأمريكية، وهو من يقول فى كتاب «جاكوبسون»: «إن النتائج كلها كانت كارثية. فى كل السيناريوهات، وأياً كان الحدث الذى يُمكن أن يؤدى إلى اشتعال الحرب النووية، دائماً ما تنتهى لعبة محاكاة الحرب النووية بنتيجة واحدة: لا توجد وسيلة لأن يربح أحد هذه الحرب. أياً كان السبب الذى تندلع من أجله الحرب النووية، فإن نهايتها دائماً هى دمار كامل يماثل دمار معركة نهاية العالم، تتعرّض فيه الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا كلها لدمار شامل، ويصبح نصف الكرة الشمالى غير قابل للحياة، بعد أن يلقى نصف مليار شخص مصرعهم مع ضربة البداية وحدها، تليها مجاعة وموت يحصد أرواح هؤلاء الذين ظلوا بعدها على قيد الحياة».

لكن ما يثير قلق قادة «البنتاجون» حتى اليوم، وفقاً لـ«جاكوبسون»، هو أن أنظمة الرصد والإنذار الروسية، بما فيها الأقمار الصناعية ليست خالية من العيوب والأخطاء، وتقول: «إنه فى تقرير تم تقديمه للكونجرس الأمريكى عام ٢٠١٥ تحت عنوان «الحرب النووية غير المقصودة بين روسيا والولايات المتحدة»، قال الخبير الأمريكى فى الشأن الروسى «تيد بوستول» إن أنظمة الإنذار المبكر الروسية يمكن أن تُفسّر المعلومات التى تتلقاها بشكل خاطئ، الأمر الذى يترتب عليه أن تقوم روسيا بإطلاق قدراتها النووية بشكل كاسح وضخم حتى مع عدم دقة تلك المعلومات».

ووفقاً لقائد القيادة الاستراتيجية الأمريكية الأسبق الجنرال «روبرت كيهلر»: «فإن روسيا هى الدولة الوحيدة التى يمكن لها أن تدمّر الولايات المتحدة كلها فى ساعتين».

وهو ما يعود بنا إلى الترسانة النووية الروسية الضخمة، التى يسيطر عليها «بوتين». كيف ينظر الرئيس الروسى فى عالم الواقع إلى الحرب النووية؟

تقول «جاكوبسون»: «إنه فى نوفمبر عام 2020، نشر «الكرملين» تفاصيل ما دار فى اجتماع بين الرئيس «بوتين» وكبار قادته العسكريين، ركز فيه الرئيس الروسى على أهمية غرف القيادة والتحكم المحصّنة تحت الأرض وأنظمة اتصالاتها فى حالة الحرب النووية، قائلاً: نحن نُدرك أن الكثير يتوقف على مدى قدرة هذه الأنظمة على الاستمرار ومواصلة العمل وسط أجواء المعركة. كل الأجهزة والمعدات وأنظمة الاتصالات الخاصة بأنظمة التحكم فى القوات النووية قد تم تحديثها وتطويرها مؤخراً، لكنها تظل فى الوقت نفسه غير معقّدة، ويمكن الاعتماد عليها، كما تعتمد على بندقية (كلاشينكوف)».

«بوتين» إذن يحسب حسابه ويعد عدته لما يمكن أن يحدث فى حالة اندلاع الحرب النووية، حتى قبل أن تتأزم الأمور مع أوروبا والغرب بعد حربه مع أوكرانيا عام ٢٠٢٢. لذلك، اختارت «جاكوبسون» فى سيناريو كتابها الذى تتخيل فيه مجريات ما يمكن أن يحدث خلال الحرب النووية العالمية القادمة، أن يكون الرئيس الروسى المتخيل فى هذا السيناريو يقيم بشكل متقطع من أجل حمايته فى واحد من تلك المخابئ النووية الموجودة تحت الأرض التى تكلم عنها «بوتين» فى عالم الواقع. ومن ذلك المخبأ يراقب الرئيس الروسى فى سيناريو «جاكوبسون» تلك الفوضى التى ضربت مدن الولايات المتحدة بعد أن تعرّضت لهجوم نووى بضربتين صاروخيتين من كوريا الشمالية، تسبّبت إحداهما فى دمار العاصمة «واشنطن»، والأخرى ضربت «كاليفورنيا». كل المدن الأمريكية الكبرى تسودها الفوضى الشاملة فى انتظار الضربة القادمة، بينما فرّ الرئيس الأمريكى وكبار المسئولين على متن الهليكوبتر الرئاسية «مارين وان» دون أن يعرف أحد مصيره. انقطعت الاتصالات بين القيادتين الأمريكية والروسية وسط الفوضى التى أصابت أمريكا إثر الهجوم النووى عليها، ولجوء قياداتها العسكرية والسياسية إلى مخابئ آمنة فى مناطق متفرّقة. ورصد الجواسيس الروس فى أمريكا انطلاق عشرات الصواريخ الباليستية الأمريكية التى تحمل رؤوساً نووية دون أن يعرفوا أنها تستهدف كوريا الشمالية، فى هجوم أمريكى مضاد يستهدف إبادتها أو منع قدرتها على شن مزيد من الهجمات.

تلك هى الدقيقة 42 فى سيناريو «جاكوبسون». 42 دقيقة مضت منذ انطلاق أول صاروخ نووى من كوريا الشمالية نحو الولايات المتحدة. خبراء العسكرية الأمريكية قالوا لـ«جاكوبسون» إنه لا توجد طريقة لكى تصل الصواريخ النووية الأمريكية إلى كوريا الشمالية إلا بالمرور عبر الأجواء الروسية أولاً، وهو ما يضع الرئيس الروسى فى هذا السيناريو فى موقف حرج وسط تلك الحالة من انقطاع الاتصالات مع القيادات الأمريكية والتوتر التاريخى المتبادل بينهما: هل تلك الصواريخ النووية الأمريكية تستهدف الأراضى الروسية أم أنها ستعبرها مواصلة طريقها إلى هدف آخر خارجها؟

على عكس ما يظنه كثيرون، فإن هذا ليس وقت المشاورات وحساب الخطوات وإضاعة الوقت بانتظار معلومات إضافية أو حتى تتضح الصورة. عندما تندلع الحرب النووية، يصبح أمام الرئيس الأمريكى ٦ دقائق فقط لاتخاذ قراره بشن هجوم نووى مضاد، ولا يملك الرئيس الروسى وقتاً أكثر من هذا بكثير ليُقرر موقف بلاده مما يدور فى هذه الحرب، خاصة أنه لا يُعرف فى سيناريو «جاكوبسون» ما إذا كانت الولايات المتحدة تظن أن روسيا هى التى تقف وراء الهجوم عليها أم لا.

إنها احتمالات جنونية تخل بكل تصوراتنا عن قدرة من يمتلكون ترسانات الأسلحة النووية الضخمة فى السيطرة عليها. لكن هذا هو الوضع: الحرب النووية لو اندلعت فإنها لا تترك لأحد فرصة للتدبر والتفكير، بل إن الجنون يصبح هو سيد الموقف. تنقل «جاكوبسون» فى كتابها كلمات «بوتين» عام 2022 عندما توعّد برد فعل روسى «بسرعة البرق» على أى تحذير بوجود هجمات قادمة ضد روسيا، وهو ما تم اعتباره على نطاق واسع إشارة إلى استخدام الثالوث النووى الروسى (أى الغواصات النووية والصواريخ الباليستية النووية العابرة للقارات والطائرات التى تلقى القنابل النووية). وقبلها بعامين فى 2020، أشار «بوتين» إلى أن التحديثات فى الترسانة والقوات النووية الروسية تتم بسرعة لا يمكن تصديقها، مضيفاً: «ليس بسرعة سيارات السباق، ولكن بسرعة تفوق سرعة الصوت».

.

وبتلك السرعة نفسها، على الرئيس الروسى أن يتّخذ قراره بالدخول على خط الحرب النووية فى سيناريو «جاكوبسون». تقول: «كما أن الرئيس الأمريكى يحتفظ بقائمة الأهداف التى يمكن ضربها فى حالة الحرب النووية فى حقيبة لا تفارقه تُعرف باسم حركى هو «ذا فوتبول» أو كرة القدم. فإن الرئيس الروسى يحمل أيضاً حقيبة مماثلة لا تفارقه تعرف باسم «شيجيت». داخل تلك الحقيبة أيضاً توجد قائمة سوداء بالأهداف التى يُمكن أن يتخذ الرئيس الروسى قراره بتوجيه الضربات إليها فى الدول المعادية. وتمتلك روسيا 1674 سلاحاً نووياً فى حالة استعداد دائم للانطلاق بمجرد تلقى الأمر من الرئيس الروسى».

وفى سيناريو الحرب النووية الذى وضعته «جاكوبسون»، فإن الرئيس الروسى لا يثق فى نوايا نظيره الأمريكى، ولا يضمن أن الصواريخ النووية الأمريكية لا تستهدف روسيا، ولا يستغرب أن الولايات المتحدة تلعب لعبة معقّدة قائمة على الأكاذيب التى تدّعى أن روسيا تقف وراء الهجوم عليها كما هى عادتها فى إلصاق التهم بالأنظمة التى تريد إسقاطها مثلما فعلت فى عالم الواقع باتهام العراق بامتلاك أسلحة دمار شامل كحجة لغزوه.

والآن يرى الرئيس الروسى فى سيناريو «جاكوبسون» أن الولايات المتحدة تستهدف روسيا بهجوم نووى مضاد لإسقاط نظام الحكم فيها، فى قرار يحكمه انعدام الثقة والتوجّس القائم بين البلدين بأكثر مما تحكمه المعلومات الدقيقة، لكنه توجّس له مبرراته، وجذوره التى تعود إلى فترة التوتر النووى بين البلدين خلال الحرب الباردة.

فى تلك الفترة تم تطوير نظام الردع النووى الروسى الرهيب الذى يُعرف باسم «اليد الميتة».

تحكى «جاكوبسون» فى سيناريو كتابها: «خلال فترة الحرب الباردة، شعر قيادات الاتحاد السوفيتى وقتها بالهلع من إمكانية قيام الولايات المتحدة بشن ضربة نووية استباقية ضد مركز القيادة والتحكم الروسى. ومن أجل مواجهة هذا الهجوم الكاسح المحتمَل، قام السوفيت بتطوير نظام يُعرف باسم «اليد الميتة». فى حالة تعرّض «موسكو» لهجوم أو لضربة استباقية، فإن نظام «اليد الميتة» الروسى يضمن أن الحرب النووية لن تنتهى إلا بعد تفريغ الترسانة النووية الروسية تماماً من كل ما فيها من أسلحة عن آخرها».

وتواصل: «نظام «اليد الميتة» الروسى، الذى يُعرف رسمياً أيضاً باسم «بريميتر» أو «محيط الدائرة»، هو نظام تحكم يعمل بشكل آلى. يضم مجسّات حساسة قادرة على الكشف عن أى هجوم نووى تتعرّض له الأراضى الروسية. لو اكتشف النظام فى لحظة ما أنه فقد التواصل مع القيادة الروسية، فإن «اليد الميتة» قادرة تماماً على إطلاق الأسلحة النووية من تلقاء نفسها.

إن التصميم الأصلى لهذه الآلية فى الأساس عبارة عن تصميم لآلة تعمل فى لحظات النهاية على إطلاق الأسلحة النووية من دون أى تدخّل بشرى على الإطلاق. فى بداياتها الأولى، قيل إنها نظام آلى تم تصميمه وبرمجته مسبقاً من أجل إطلاق سلسلة من الضربات المتوالية كهجمات انتقامية، كما لو كانت فى معركة نهاية العالم. تم إجراء تعديلات كثيرة على هذا التصميم الأولى، لكن «اليد الميتة» ما زالت مستخدَمة، وهى تُظهر مدى الهلع الذى يمكن أن يُسيطر على من يمتلكون ترسانة نووية بهذا الحجم، فهى قادرة بالفعل على وضع نهاية للعالم».

ربما لذلك توجس العالم كله خيفة منذ أسابيع قليلة على أرض الواقع، عندما لجأ الرئيس الروسى السابق ونائب رئيس مجلس الأمن القومى الروسى الحالى «ديميترى ميدفيديف»، خلال نوبة من السجال الحاد مع الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب»، إلى التلويح والتذكير بنظام «اليد الميتة»، الذى تمتلكه روسيا، مطالباً الرئيس الأمريكى بألا ينسى هذا النظام الآلى الرهيب الذى طالما أطار النوم من أعين القيادات الأمريكية منذ بداياته الأولى فى فترة الحرب الباردة، خوفاً من أن تؤدى أى مناوشة بين البلدين إلى تفريغ الترسانة النووية الروسية عن بكرة أبيها فوق رأس العالم.

لكن الرئيس الروسى فى سيناريو «جاكوبسون» ما زال يملك القياد، ما زالت يده البشرية الحية، وليست اليد الآلية الميتة، هى التى تفتح الحقيبة النووية أو «الشيجيت» الروسية لتُحدّد أهدافاً تضربها دون أن تنتظر وصول الهجمات الأمريكية كما تظن إلى أراضيها. فى هذه اللحظة، لم تعد هناك جدوى من محاولات إقناع الرئيس الروسى بأن الصواريخ الأمريكية لا تستهدف روسيا، وأنها كانت ستواصل طريقها عبرها إلى كوريا الشمالية، لم تعد هناك جدوى من تدمير كوريا الشمالية كلها حتى. لقد دخلت روسيا على خط الحرب النووية ووجّهت أسلحتها نحو أهدافها المحدّدة مُسبقاً فى الولايات المتحدة وحلفائها.

وفى تلك اللحظة التى تتأهب فيها الأسلحة الروسية للانطلاق، تتّسع رقعة الحرب النووية، لتتأهب القواعد العسكرية المنتشرة فى دول حلف شمال الأطلسى «الناتو» على امتداد القارة الأوروبية بدورها للدخول على خط النار، وتنفتح جبهة ثالثة من المواجهة النووية بين روسيا وأوروبا تزيد من قوة النيران وحجم الدمار الذى سيلحق بالعالم فى لحظاته الأخيرة.

ورسمت لنا «جاكوبسون» صورة بتفاصيل دقيقة لما يمكن أن يحدث لو أن روسيا أطلقت «اليد الميتة» بالفعل، وليس تلويحاً وتهديداً على طريقة «ميدفيديف»، كى تضع حداً نهائياً للحياة على الأرض.

ولكن هذه قصة أخرى.


مواضيع متعلقة