«بيوت القاهرة».. سيرة الحجر وروح المدينة
«بيوت القاهرة».. سيرة الحجر وروح المدينة
القاهرة لا تُكتب بسطور قليلة، فهى نهر من الحكايات لا ينضب، وسماء محمّلة برائحة التاريخ وصوت الأذان ونداءات الباعة، مدينة تتشابك فيها المآذن مع القباب، وتتقاطع الحارات العتيقة مع شوارع الحداثة، وتظل وجوهها محتفظة بملامح العصور التى عبرتها.
هى أم المدن، وحاضنة القلوب، وساحة اللقاء بين الشرق الساحر والإنسان الباحث عن دفء المكان. الكتابة عنها ليست يسيرة، فكل كلمة تقف أمام جلالها مُتردّدة، وكل جملة تجد نفسها عاجزة عن احتواء ما فيها من تناقضات نابضة: الفخامة والبساطة، الصخب والسكينة، الحلم والذكريات، من يحاول الإمساك بروحها يكتشف أنه أمام بحر واسع، كلما غاص فيه، وجد طبقات جديدة من الجمال والعراقة. فى كتابها «بيوت القاهرة.. ترحال فى حكايا الحجر» الصادر عن دار المعارف عام 2025، تمسك ياسمين عبدالله بيد القارئ وتمضى به فى رحلة بطيئة عميقة بين جدران المدينة التى لا تنام، القاهرة كما تراها الكاتبة، بيت هائل تتفرّع منه آلاف البيوت، لكل واحد منها قلب ينبض وروح تتشكل عبر السنين.
الحجر لا يتحدّث عن نسبه المعمارى وحده، بل يروى عن ساكنيه، عن أفراحهم وأحزانهم، عن أصوات الخُطى فى الممرات، ورائحة الخبز الطازج فى الصباح، عن الموال الذى تصاعد من سطح بعيد، وعن ضحكة انطفأت مع رحيل أصحابها.
الكتاب يرصد العمارة ويبحث عن البشر فى قلب الحجر، عن العادات التى بنت البيوت، عن العلاقات التى جمعت الجيران قبل أن تفرّقهم الجدران الخرسانية الباردة، إنه استعادة للمعنى القديم للسكن والانتماء، وتذكير بأن الحجر فى صمته شاهد على ما لم يكتبه المؤرخون.
الرحلة تبدأ من جذور القاهرة الأولى، من الفسطاط على ضفاف النيل، مروراً بمدينة العسكر، فالقطائع، وصولاً إلى القاهرة الفاطمية التى تراكمت فيها طبقات المدينة العمرانية والاجتماعية، كما تتراكم طبقات الذاكرة، ثم تنفتح الصفحات على قصور الأمراء وبيوت النّخبة، حيث الرحابة والفخامة والحرملك والسلاملك، والنقوش العربية والخشب المطعم والبوابات المزخرفة التى تروى عن زمن كانت فيه الضيافة فناً والمجالس مسرحاً للأدب والسياسة.
فى قصر الأمير طاز، وبيت السحيمى، وقصر الأمير بشتاك، تتردّد الحكايات، وكأن الزمن توقف لحظة، ليلتقط أنفاسه، السطور تدخل الحارات الضيقة، البيوت المتواضعة والأرباع التى جمعت الحرفيين والفقراء، الغرف التى احتضنت أجيالاً متعاقبة، الجيران الذين قاسموا بعضهم الخبز والهموم، هنا تتجلى القاهرة الصادقة، التى لا تعرف المسافات بين الأبواب ولا بين القلوب.
وجوه النساء تتألق، منهن السيدة صفية التى ارتبط اسمها بأسطورة «حجاب المحبة» فى بيت الست وسيلة، حيث كانت البيوت مساحات لأنوثة حانية وحاسمة، تبنى العلاقات وتحفظ التقاليد وتغزل من أيامها شبكة أمان للأسرة والجيران.
فى قلب السرد تبرز بيوت تحمل أسماءً لا تُمحى من ذاكرة المدينة، بيت الرزاز الذى شيّده السلطان قايتباى وجدّدته عائلة الرزاز، بفناءاته الرحبة وغرفه الكثيرة التى احتضنت تقلبات الأزمنة والطبقات الاجتماعية.
بيت الكريتلية المعروف أيضاً ببيت جاير أندرسون، حيث تلتقى الملامح المملوكية بالأثر العثمانى فى لوحة بديعة، بيت الهراوى الذى تفرّد بغياب «المقعد» التقليدى، بيت جمال الدين الذهبى الذى تراه الكاتبة الأقرب إلى قلبها، لما يحمله من رقة البيت القاهرى القديم ونعومته البعيدة عن الاستعراض.
مع الوصول إلى حاضر المدينة، تظهر ملامح التغيير فى البيوت، الفناءات والشرفات والحدائق أفسحت مكانها للشقق الضيقة، والنوافذ التى كانت تستقبل الشمس والهواء أغلقها الأسمنت، وقيم الجيرة والكرم التى كانت تتسرّب مع رائحة القهوة إلى الشارع تراجعت مع تسارع الحياة.
اللغة التى تكتب بها ياسمين عبدالله تمزج روح المؤرخ بشغف العاشق، السرد يأخذ هيئة جولات مشى بطيئة بين الأزقة، تلمس الحجر وتشتم رائحة الجدران العتيقة، وتعيد بناء مشهد المدينة حجراً، وحكاية بعد أخرى.
الصور الفوتوغرافية والرسومات المرافقة تزيد الرحلة غنى وتمنح القارئ فرصة لأن يرى ما قرأه، فيصبح الكتاب عتبة للعبور إلى قلب القاهرة.
«بيوت القاهرة» سجل للذاكرة واعتراف بالحب ونداء ضد النسيان، يذكر بأن البيوت ليست أماكن نسكنها فقط، بل هى التى تسكننا، وتحمل بين جدرانها روح من مروا وأثرهم الذى لا يزول.