«الحركة الإسلامية» من منابر الدعوة إلى مقاعد الكنيست.. تأسست عام 1971

كتب: إمام أحمد

«الحركة الإسلامية» من منابر الدعوة إلى مقاعد الكنيست.. تأسست عام 1971

«الحركة الإسلامية» من منابر الدعوة إلى مقاعد الكنيست.. تأسست عام 1971

منذ نشأتها فى عام 1928، شكّلت جماعة الإخوان، المصنفة قضائياً بأنها «جماعة إرهابية»، رأس حربة لمشروع الإسلام السياسى فى العالم العربى والإسلامى، فهى الجماعة الأم التى انبثقت عنها العديد من الجماعات المتطرفة الأخرى، لكن ربما لم يتوقع أحد قط أن الجماعة، التى اتخذت من عبارة «الإسلام هو الحل» شعاراً لها، ووظفت القضية الفلسطينية فى خطابها السياسى والتعبوى لنحو مائة عام، سوف يكون لها ذات يوم فرع داخل إسرائيل المحتلة، وأن يصبح هذا الفرع جزءاً من المجتمع السياسى الإسرائيلى، يشارك أعضاؤه فى الانتخابات المحلية، ويصل قياداته إلى مقاعد الكنيست، ويشارك بعضهم فى ائتلافات حكومية إسرائيلية.. هكذا تحوّلت الجماعة، التى تبنى مشروعها على رفض «الكيان الصهيونى»، إلى لاعب رئيسى داخل نظامه السياسى والاجتماعى أيضاً.

تأسست عام 1971 على يد الفلسطينى «عبدالله درويش».. وخاضت الانتخابات المحلية والتشريعية فى إسرائيل

البداية كانت مع العام 1971، حين تأسس فرع الإخوان فى إسرائيل تحت اسم «الحركة الإسلامية» على يد الفلسطينى «عبدالله نمر درويش»، أحد الذين يُعرفون بـ«عرب إسرائيل»، المولود فى عام النكبة 1948، والذى تخرّج فى المدرسة الإسلامية (المعهد الدينى) فى نابلس، وتربى على فكر الإخوان تنظيمياً ودعوياً، وانضم إلى الجماعة، ثم استلهم النموذج الإخوانى فى المزج بين الدعوة الدينية والخدمات الاجتماعية: بناء المساجد، تأسيس الجمعيات الخيرية، إقامة المدارس، وتقديم الرعاية للفقراء، إلى جانب العمل السياسى والسعى لبناء قاعدة تنظيمية داخل إسرائيل.

تعترف على موقعها الرسمى بعلاقتها بـ«الإخوان» وتصف حسن البنا بـ«الإمام المؤسس» الذى أرسل شقيقه لزيارة القدس فى ثلاثينات القرن الماضى لدراسة إنشاء مقر للجماعة فى فلسطين

لا تنفى الحركة علاقتها بالإخوان، بل تشير صراحةً إلى تلك الصلة عبر موقعها الإلكترونى الرسمى، تحت عنوان «من نحن»، فتقول الحركة فى التعريف بنفسها: «كان لبيت المقدس أهمية مركزية فى فكر جماعة الإخوان المسلمين منذ نشأتها على يد الإمام المؤسس حسن البنا، رحمه الله تعالى، وذلك انطلاقاً من أن القدس جزء من عقيدة المسلمين وآية فى كتاب الله عز وجل وقبلة المسلمين الأولى ومسرى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وثانى مسجد وضع فى الأرض بعد المسجد الحرام فى مكة المكرمة. كما أدركت الجماعة كذلك منذ نشأتها الدور المحورى للقدس فى الصراع بين الحق والباطل، وأن الإسلام حتى ينتصر ويحكم شرع الله فى الأرض فلا بد من نهضة الأمة التى لن تتم وبيت المقدس تحت حراب الاحتلال. ولذلك فقد حرص الإمام البنا، رحمه الله، على التواصل مع القيادات الدينية والوطنية فى القدس منذ السنوات الأولى لنشأة الجماعة فى مصر، خاصة أن كلاً من مصر وفلسطين فى ذلك الوقت كانتا تخضعان للاستعمار البريطانى، واستعداد الجماعة للقيام بدورها فى تحرير فلسطين وبيت المقدس وبذل كل غالٍ ونفيس فى سبيل ذلك. ولهذا فقد أرسل الإمام البنا شقيقه لزيارة القدس فى ثلاثينات القرن الماضى لدراسة إنشاء مقر للجماعة فى فلسطين تكون القدس مركزه العام، وهو الأمر الذى تكلل بالنجاح فى العام 1946، حيث تم افتتاح المقر العام لجماعة الإخوان المسلمين فى الشيخ جراح، بحضور وفد رفيع من قيادة الإخوان مكلف من الإمام حسن البنا، رحمه الله، وما زالت دار الإخوان المسلمين فى القدس قائمة حتى اليوم».

هكذا تشير الحركة الإسلامية فى إسرائيل باعتزاز إلى علاقتها بجماعة الإخوان باعتبارها «الجماعة الأم» التى انثبقت عنها. ومع أواخر السبعينات، انخرط عدد من عناصر الحركة فى تنظيم سرى باسم «أسرة الجهاد»، اتُّهم بالتخطيط لعمليات ضد أهداف إسرائيلية، ما أدى إلى اعتقال «درويش» وعدد من رفاقه عام 1981. لكن هذا العام كان فارقاً، فالإخوانى الفلسطينى الذى دخل إلى سجون إسرائيل، ليس هو الإخوانى الفلسطينى الذى خرج منها. حيث غيرت تلك التجربة، التى استمرت نحو 3 سنوات، مسار الرجل، ليتبنى، بعد مغادرته الزنزانة الإسرائيلية دون أن يكمل مدته، خطاباً مختلفاً أكثر براجماتية، ويصبح فى قادم السنوات - هو وحركته - جزءاً من النظام الإسرائيلى.

فى تلك الفترة من منتصف الثمانينات، وبعد خروج عبدالله نمر درويش من السجن، توسّعت الحركة بشكل كبير، وأصبحت تقدم خدمات واسعة النطاق لعرب الداخل الإسرائيلى، مثل: حضانات، نوادٍ رياضية، حملات إغاثة. وفى عام 1989، ولأول مرة، شاركت الحركة فى الانتخابات المحلية فى إسرائيل، التى تجرى حالياً كل 5 سنوات وتشمل 255 سلطة محلية. ومع هذه التجربة الأولى للتطبيع السياسى بين الحركة والنظام المحتل استطاع أحد قياداتها، وهو الإخوانى الفلسطينى «رائد صلاح»، الفوز بمقعد محلى ورئاسة بلدية أم الفحم فى حيفا، التى تعتبر أكبر تجمع سكانى عربى داخل ما يسمى بـ«الخط الأخضر» فى إسرائيل.

ومع توالى السنوات، أنشأت الحركة، وبتصريحات قانونية من الحكومة الإسرائيلية، 17 مؤسسة ومنظمة مجتمع مدنى وخيرى تعمل فى عدة مجالات، وتنتشر فى مناطق أم الفحم، يافا، الناصرة، كفر كنا، النقب، حيفا، وغيرها. ومن أبرز تلك المؤسسات والمنظمات: مؤسسة الأقصى للوقف والتراث، مؤسسة «اقرأ» لدعم التعليم فى المجتمع العربى، صندوق الإسراء للإغاثة والتنمية، مؤسسة صوت الحكمة والحرية.

ومع مطلع التسعينات، بدأت النقاشات داخل الحركة حول المشاركة فى الانتخابات الوطنية المؤهلة إلى الكنيست، صاحب السلطة التشريعية فى إسرائيل، وتحديداً مع عام 1996، وقع الانقسام التاريخى داخل الحركة لتنقسم إلى جناحين: الجناح الشمالى بقيادة رائد صلاح، الذى اكتفى بالمشاركة فى انتخابات المحليات ورفض المشاركة فى الكنيست، والجناح الجنوبى بقيادة المؤسس عبدالله نمر درويش، ثم إبراهيم صرصور، الذى اختار خوض الانتخابات التشريعية والانخراط بصورة كاملة فى النظام السياسى الإسرائيلى، تحت ذريعة «التغيير من الداخل».

فى ذلك العام 1996، شاركت الحركة الإسلامية، المنبثقة عن «الإخوان»، فى أول انتخابات تشريعية فى إسرائيل، وترشح عدد من أعضائها عبر «القائمة العربية الموحدة»، أو ما يُعرف بـ«حزب راعام»، ومع هذه الانتخابات فازت القائمة بـ4 مقاعد، وجاء على رأس الفائزين الإخوانى الفلسطينى «عبدالمالك الدهامشة»، الذى يعمل محامياً، ليصبح أول رئيس للقائمة العربية الموحدة فى الانتخابات الإسرائيلية، وأول ممثل للحركة الإسلامية فى الكنيست الإسرائيلى، والذى افتخر أن أول خطاب ألقاه من على منصة الكنيست كان باللغة العربية، وأول طلب قدمه هو إقامة مسجد للصلاة داخل بناية الكنيست، وشغل أثناء فترة نيابته منصب «نائب رئيس الكنيست».

عقب المرة الأولى فى 1996، شاركت الحركة الإسلامية ضمن القائمة العربية الموحدة فى انتخابات الكنيست بصفة منتظمة ومستمرة، فحصدت 5 مقاعد فى انتخابات 1999، وحصلت على مقعدين فى انتخابات 2003، وفازت بـ4 مقاعد فى انتخابات 2006، و4 مقاعد فى انتخابات 2009، و4 مقاعد فى انتخابات 2013، و4 مقاعد فى انتخابات 2015، ومقعدين فى انتخابات 2019 الأولى، و3 مقاعد فى انتخابات 2019 الثانية، و4 مقاعد فى انتخابات 2020، و4 مقاعد فى انتخابات 2021.

لكن عام 2021 كان فارقاً، فذلك العام، الذى شهد احتفال الحركة التابعة للإخوان بمرور نصف قرن على تأسيسها داخل إسرائيل، انضم حزب «راعام»، الذى يقوده القيادى بالجناح الجنوبى للحركة منصور عباس، إلى ائتلاف حكومى إسرائيلى، بقيادة نفتالى بينيت ويائير لابيد، ليصبح أول حزب عربى يشارك فى حكومة إسرائيلية، ووقع «منصور»، بتاريخ 11 يونيو 2021، اتفاقية ثنائية مع حزب «هناك مستقبل»، برئاسة يائير لابيد، زعيم المعارضة الإسرائيلية.

على هذا النحو، بدت المفارقة الإخوانية الصارخة فى علاقتها بالقضية الفلسطينية، فهناك الإخوان فى غزة، ممثلون بحركة حماس، يرفعون شعار المقاومة المسلحة ضد إسرائيل، ولو على حساب عشرات الآلاف من أرواح المدنيين، وهناك فى الوقت نفسه الإخوان فى الداخل الإسرائيلى، ممثلون فى الحركة الإسلامية الجنوبية، الذين يقسمون على احترام قوانين الدولة الإسرائيلية ويشاركون فى محلياتها وبرلمانها ويتحركون وفق تصريحات وأوراق رسمية وثبوتية تحمل اسم إسرائيل وعلمها.


مواضيع متعلقة