محمود الجلاد يكتب: «دولة التلاوة».. مصر تعيد للقرآن صوته الأصيل ومجده الخالد
محمود الجلاد يكتب: «دولة التلاوة».. مصر تعيد للقرآن صوته الأصيل ومجده الخالد
في عصر يختلط فيه صوت الصخب بصخب العصر الرقمي، وفي عالمٍ تتزاحمُ فيه الأصواتُ والرسائل وتتعدد فيه المنابر يبقى صوت القرآن الكريم هو الصوتُ الذي لا يَخبو، هنا في مِصر.. التي عُرفت في ضمير الأمّة بأنّها "دولةُ التلاوة" تأتي مسابقة وطنيّة جامعة تحملُ الاسم ذاته؛ لتكون حدثًا فريدًا يعيد لكتاب الله عز وجل الصدارة، ويجمع حوله القراء والحفَّاظ في عرسٍ قرآني يليق بعظمة كلام الله تعالى وبمكانة مصر، حيث أطلقت وزارة الأوقاف المصرية بالتعاون مع الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية مسابقة وطنية ضخمة تحت عنوان "دولة التلاوة"، لتكون أكبر مسابقة قرآنية تلفزيونية في تاريخ مصر؛ ولتملأ فضاء مصر بروائع القرآن الكريم، وتعيد للأذهان أن التلاوة ليست مجرد قراءة، بل فن يجمع بين التنافس الشريف والرسالة السامية؛ فتربط الأجيال الجديدة بتراث عريق، إنها فرصة للتعبير عن حقيقة أن مصر تبقى رائدة وراعية الجمال الصوتي.
البعد الرمزي والإعلامي
وصف الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف المسابقة بأنها أكبر مسابقة قرآنية تلفزيونية في تاريخ مصر، وتعبير عن شغف الأمة بالقرآن.
«دولة التلاوة» والبعد الحضاري
ولعل أعظم ما تحققه مسابقة "دولة التلاوة" هو أنها لا تقتصر على إبراز الأصوات النديَّة، بل تُعيد لمصر ثقتها بذخيرتها الروحية العظمى، فتاريخ التلاوة القرآنية في مصر مليء ب"عمالقة التلاوة"، حتى صار صوت القارئ المصري الواحد مدرسةً مستقلة في الأداء، واليوم يأتي جيل جديد من القراء ليؤكد أن مسيرة القراء المصريين لن تنقطع، ومن هنا فإن مسابقة "دولة التلاوة" تُعدّ امتدادًا طبيعيًا للجيل الفريد من القراء السابقين.
انطلقت مسابقة "دولة التلاوة" برؤيةٍ واضحة في اكتشافُ الخامات الصوتية المصرية وصقلها على خطى عمالقة المدرسة المصرية في الأداء القرآني؛ لتبقى مِصر مَرجعًا لفنون التلاوة في العالم الإسلامي؛ لهذا جاء تصميمُها وطنيًّا على مستوى المحافظات بتعاونٍ مؤسّسيٍّ بين وزارة الأوقاف والشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، ليجتمع الأداءُ المهنيّ في التنظيم مع الانتشارِ الإعلاميّ الذي يليق بكتاب الله.
أثرٌ وهدف يتخطّى المسابقة
إن "مسابقة دولة التلاوة" ليست حدثًا عابرًا في أجندة الثقافة الدينيّة المصرية؛ بل مشروعُ استدامةٍ للريادة المصرية، ورسالة حضارية وروحية تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف السامية، منها:
إحياء مدرسة التلاوة المصرية الأصيلة التي تخرّج منها وبرع فيها عمالقة القراء المصريين الذين صدحت أصواتهم في مشارق الأرض ومغاربها.
وصل الأجيال بسلسلة الذهب في الأداء المصري، حيث المقاماتُ خادمةٌ للمعنى لا سيّدةٌ عليه.
تخريج وتقديم أجيال جديدة من القراء مؤهلة لإمامة المساجد الكبرى في رمضان من خلال عرض صوتي وتلفزيوني متميز.
إثراء المشهد الدينيّ بقدواتٍ شابّة لها حضورها الأخلاقيّ والمهنيّ ما يُجاري حاجتنا إلى نماذج يُحتذى بها في الذائقة والسلوك.
اكتشاف المواهب القرآنية المصرية الأصيلة الواعدة من القرّاء ذوي الصوت الندي وصقلها؛ لتستمر رسالة التلاوة جيلاً بعد جيل
إبراز جماليات الأداء القرآني، وتطبيق سنة التلاوة الخاشعة.
نطاقٌ محلّيّ.. وروحٌ جامعة
المسابقةُ محلّيةٌ مصرية تستوعب أبناء المحافظات كافّة دون قيود عمرية معينة؛ إذ توزَّع مراحلها عبر مراكز رئيسة في أنحاء الجمهورية، ما يُيسّر المشاركة ويُوسّع القاعدة.
أعدادٌ تُبهج القلب
من ثمار التصميم الميداني واتّساع النطاق أن تجاوز عدد المتقدمين ١٤ ألف متسابق من مختلف محافظات الجمهورية؛ وهو رقمٌ يعكسُ تعطّش الأجيال لصوت القرآن، ويؤكّد أنّ المدرسة المصرية ما تزال ولّادة.
مراحل المسابقة
حدّدت وزارة الأوقاف جدولًا تفصيليًّا للتصفيات الأولية (المرحلة الأولى) الممتدة من السبت 16 أغسطس 2025م حتى الأربعاء 3 سبتمبر 2025م، موزعة على سبع مناطق مركزية ومقار بارزة، هي: مسجد عمرو بن العاص بالقاهرة، المركز الثقافي الإسلامي بالإسكندرية، مسجد النصر بالمنصورة، مسجد البقلي بأسيوط، مسجد سيدي عبد الرحيم القنائي بقنا، ومسجد الإسماعيلي بالإسماعيلية… وغيرها من نقاط التجمّع التي تُغطّي الخريطة المصرية، وبعد التصفيات بالمحافظات تكون مرحلة مركزية (المرحلة الثانية) يتأهل من خلالها 300 متسابق للمشاركة في تصفيات أكاديمية الأوقاف الدولية لاختيار أفضل الأصوات تمهيدًا (للمرحلة النهائية) لاختيار 28 موهبة للتدريب على الأداء أمام الكاميرا ضمن برنامج تلفزيوني يُبَثّ على قنوات الشركة المتحدة تمهيدًا للنهائيّات المذاعة لتحديد الفائزين النهائيين.
فرعان ومعايير
تجري المنافسات في فرعين اثنين: التجويد والترتيل؛ ويلزم المتقدّم اختيارَ فرعٍ واحد، ويُشترطُ إتقانُ أحكام التجويد، مع تشجيع دخول ذوي القدرات الخاصة، وألّا يكون المتسابق من القرّاء أو المبتهلين المعتمدين إذاعيًّا، ولا من قراء السُّوَر المعتمدين بوزارة الأوقاف حفاظًا على تكافؤ الفرص ومجال المنافسة للمواهب الجديدة، وتُقوِّم اللجانُ الأداءَ على سلامة الأحكام وجمال الصوت وحضور المعنى الروحي في التلاوة؛ وهي معاييرُ تُعيد التلاوة إلى مقصدها: خدمة النصِّ وإظهار دلالاته.
جوائزُ تُكرِّمُ القرآن وأهلَه
احترامًا لفنِّ التلاوة وتقديرًا لأهله بلغ مجموع جوائز المسابقة 2 مليون و750 ألف جنيه موزَّعة على الفرعين: مليون جنيه للمركز الأول في فرع التجويد، ومليون جنيه للمركز الأول في فرع الترتيل، و500 ألف جنيه للمركز الثاني في كل فرع، و250 ألف جنيه للمركز الثالث في كل فرع، وإضافة إلى الجائزة المالية تُتاح للفائزين تسجيل تلاواتهم للبث في قناة "مصر قرآن كريم" وإذاعات أخرى، كما يتم تقديمهم إعلاميًا في برنامج تلفزيوني يُعد خصيصًا لهم .
خاتمةٌ على الجادّة
هذه دولةُ التلاوة كما ينبغي أن تُعرَف: مصريةُ المدى والهوية، عظيمةُ الرسالة، دقيقةُ التنظيم، كريمةُ الجوائز، رحبةُ الصدر للمواهب في ربوع الوطن.
وإذا كان التتويجُ من نصيب ثلاثةٍ في كل فرع، فإنّ النصيبَ الأوفى هو للقرآن؛ إذ يعودُ متصدِّرًا في القلوب، وتعودُ مِصر بأصوات أبنائها إلى مقامها الذي عَرَفَته الأمّةُ لها: منارةَ التلاوة وبيتَ الجمال.
فاللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، ووفق أبناء الأمة ليكونوا جنودًا في "دولة التلاوة"، حاملين كتابك، مبلغين آياتك، ناشرين نورك في الأرض.
معاون وزير الأوقاف لشئون الإعلام