مقهى «الفيشاوي».. هنا كتب نجيب محفوظ ثلاثيته بين ضوضاء الحارة وطيبة أهلها
مقهى «الفيشاوي».. هنا كتب نجيب محفوظ ثلاثيته بين ضوضاء الحارة وطيبة أهلها
بين الأزقة الضيقة فى حى الجمالية بمحافظة القاهرة، تبرز قهوة كبيرة تعلوها صورة الأديب نجيب محفوظ، ذلك المكان الذى شهد ذكريات حياته، وكان جزءاً من ثلاثيته الشهيرة التى لا تزال محفورة فى الأذهان، وبمجرد دخولك إلى المكان، تجد جدرانه مزينة بصوره التى تعلوها علامات الزمن، ولكل صورة حكاية، أبطالها الناس البسطاء الذين ساهموا فى تشكيل وجدانه، وجعلوه إنساناً قبل أن يكون أديباً، ليخرج من تحت يديه تلامذة وأساتذة ومحبون فى كل مكان.
«أكرم»: «كان أول ما يصحى من النوم يقعد على القهوة وقبل ما يروح بيته بالليل يقعد تانى»
لم ينسَ أكرم مصطفى، البالغ من العمر 65 عاماً، من الجيل السابع لقهوة الفيشاوى التى شهدت تاريخ نجيب محفوظ لعقود طويلة، الأيام التى كان يراه فيها، فبالرغم من مرور 200 عام على نشأتها، فإنها تحمل بين جدرانها ما بين 50 و60 عاماً من تاريخ «محفوظ»، ويظهر ذلك فى الإطارات التى تحمل صوره المنتشرة على جميع جدران القهوة، إذ تحولت إلى مزار سياحى يأتى إليه الزوار لمشاهدة ذكرياته، والحديث مع صاحب المكان باعتباره واحداً من أبناء منطقة الجمالية ومعاصراً له، فقد اعتاد «محفوظ» طيلة حياته على المجىء إلى هذا المكان مرتين يومياً، صباحاً ومساءً، للحصول على مشروبه المفضل وهو القهوة، بحسب حديثه لـ«الوطن»: «كان أول ما يصحى من النوم، وقبل ما ينزل يقضى مصالحه، يقعد على القهوة وسط أهل المنطقة، ولما يخلص كل شغله وقبل ما يروح بيته بالليل يقعد تانى».
لم تكن قهوة «الفيشاوى» مجرد مكان لراحة «محفوظ»، بل وثقت فصلاً مهماً فى حياته الأدبية، إذ كان يقضى ساعات طويلة فى كتابة الثلاثية: «بين القصرين»، و«السكرية»، و«قصر الشوق»، يستلهم أفكاره من الهواء النقى الذى يساعده على الاسترخاء، ليخط بأصابعه أجمل العبارات التى نسجت قصصاً لا تزال تتصدر أرفف المكتبات.
اشتهر «محفوظ» بأخلاقه الرفيعة، خاصة تواضعه، إذ كان يعامل الصغير والكبير على حد سواء، ولا يفرق بين أحد فى المعاملة، كما أن لديه قصة أو موقفاً إنسانياً محفوراً فى أذهان البعض، إذ كان مرتبطاً برجل يُدعى «إبراهيم»، وهو شخص كفيف من سكان منطقة الجمالية، يتجول ليلاً ونهاراً حاملاً الكتب ليبيعها، إلا أن «محفوظ» كان يقابله بشكل يومى ويحنو عليه؛ بشراء الكتب منه وفتح حوارات للنقاش حولها.
وكانت القهوة تتحول إلى جلسات وندوات تعليمية يديرها نجيب محفوظ، إذ كان يحاول نقل خبرته إلى أهالى منطقته الذين يلتفون حوله فى حلقة دائرية، يتبادلون معه الأسئلة، ويحاولون الاستفادة منه قدر الإمكان، سواء فى الأدب أو الحياة العامة. ولم يبخل عليهم «محفوظ» بأى معلومة، وتربى الصغار على ثقافته وآرائه، ومن أشهر تلاميذه فى حى الجمالية: جمال الغيطانى ويوسف القعيد. يقول «أكرم»: «كلنا استفدنا من نجيب محفوظ، كان كبيرنا وليه هيبة جامدة، وفى نفس الوقت متواضع جداً، مفيش حد يكلمه غير لما يرد عليه، وتلاميذه كانوا بيحبوه أوى وملازمينه زى ظله فى الفترة الأخيرة».
كان «محفوظ» مختلفاً عن غيره من الأدباء، إذ ظل ابن المنطقة الشعبية حتى أيامه الأخيرة، ولم يتخلَّ عن عاداته وتقاليده، بل كان يضعها وساماً على صدره، ومصدراً للفخر أمام أصدقائه من خارج المنطقة، وكان عاشقاً للموسيقى، يحب الاستماع إلى أغانى كوكب الشرق أم كلثوم بين الحين والآخر، وظل على هذه العادة حتى انتقل من حى الجمالية إلى منطقة العجوزة، وكان يتردد على أهالى منطقته كل فترة، حتى بعد حصوله على جائزة نوبل، التى لم تغيّره أو تنل من تواضعه.
يتذكر عبدالحى درويش، 69 عاماً، تبادل نجيب محفوظ الأحاديث مع الباعة فى حى الجمالية، إذ كان يُعامل بائع الفول كما يُعامل أصحاب المناصب والقيادات العليا، لذا أصبح شخصاً محبوباً قبل أن يكون أديباً أو مشهوراً. كما كان جابراً للخواطر، قائلاً فى حديثه لـ«الوطن»: «كان عندنا حرفيين فى المنطقة، بيشتغلوا فى النحاس والخشب، كان لازم لما يعدى عليهم يقول لهم كلمة حلوة، والناس كانت بتستشيره فى حاجات كتير، علشان كان شخص حكيم».
كان «محفوظ» مرتبطاً بأهالى حى الجمالية ومتمسكاً بجذور الأرض، وهو ما انعكس فى مؤلفاته التى وصلت إلى العالمية، فلم يكن مجرد شخص عاش فى حى بسيط وتطلع إلى الأفضل، بل كان يعيش داخل الحارة ووسط الناس البسيطة، وهذا كان سراً من أسرار نجاحه، يقول «أكرم»: «لو عايزين تعرفوا إحنا مين، اقرأوا مؤلفات نجيب محفوظ». أما على الحديدى، 71 عاماً، فكان يرى نجيب محفوظ وهو يجلس على القهوة، يعيش فى عالمه الخاص، يحاول استقطاب ما يراه لتحويله إلى روايات مكتوبة، يقول: «كان عنده قوة خارقة علشان يقدر يركز ويفكر فى مؤلفاته وسط دوشة الناس والعيال اللى بتلعب فى الشارع، كنت دايماً باستغربه، بس لما بقى أديب مشهور، عرفت إنه مش شخص عادى، لأ، ده عبقرية ملهاش حدود».
ارتبط ذهاب الناس إلى القهوة باسم نجيب محفوظ، ما أدى إلى شهرتها على مدار سنوات طويلة، إذ يأتى السياح إلى هذا المكان بسبب الشخص الذى فاز بجائزة نوبل، يقول «أكرم»: «لحد النهارده باشوف ناس بتيجى القهوة علشان نجيب محفوظ كان بيقعد فيها».