«الأمين عمر».. مائدة لا تنضب لإطعام سكان أم درمان
«الأمين عمر».. مائدة لا تنضب لإطعام سكان أم درمان
داخل أزقة أم درمان العتيقة الواقعة شمال غربى الخرطوم، حيث تختلط رائحة التاريخ بصوت الأذان، وصخب الأسواق برائحة التراب بعد المطر، تفتح تكية «الأمين عمر» أبوابها كل يوم، كأنها بيت كبير يحتضن كل عابر جائع أو محتاج، ليست مجرد مكان لتوزيع الطعام، بل أصبحت شاهدة على قيم التكافل التى لم تنكسر رغم ضيق الحال وقسوة الحرب، إذ تُعتبر واحدة من أقدم التكايا لإطعام النازحين وسد رمق الجائعين بمجهود فردى دون قبول تبرعات من أحد، بحسب مؤسسها الشيخ الأمين عمر طه لـ«الوطن»: «نقدم 3 وجبات يومياً منذ قرابة الـ300 يوم بشكل متواصل».
منذ تأسيس التكية تحولت إلى مأوى يتوافد الناس عليه من كل الأحياء السكنية القريبة للحصول على طعام بشكل يومى كبركة أو صدقة، لكن مع بدء الحرب فى 2023 تحولت إلى رمز للرحمة والصبر، يقصدها المارة والفقراء والنازحون وحتى الطلاب المغتربون الذين لم يجدوا قوت يومهم، حيث يجلس على موائدها الجميع بلا تفرقة، كلهم يشتركون فى لقمة واحدة صنعتها أيادى المتطوعين: «منذ بدء الحرب توسعنا فى أعمال التكية وأصبحنا نُقدم 3 وجبات يومية للنازحين والفارين من ويلات قوات الدعم السريع، فالتكية تُعتبر واحدة من أكبر المبادرات الإنسانية فى السودان، حيث أصبحت ملاذاً لمن فقد بيته أو مصدر رزقه».
لم تقدم التكية الطعام وحده، إنما العلاج أيضاً، إذ تحتوى على عيادة وصيدلية مجانية، يوقع الأطباء الكشف على المرضى ويصرف الصيادلة ما توفر من أدوية لهم: «عندنا فى التكية فرن وعيادة وصيدلية مجاناً، بنحاول نخفف آثار الحرب على النازحين والمتضررين، بنصرف العلاج للمرضى، والوجبات لأكثر من 3 آلاف شخص يومياً، وحين نوزع الطعام، نشعر بالفرحة، فكل لقمة نضعها فى يد طفل جائع كأننا نضعها فى يد أبنائنا، فالمتطوعون يعاملون الناس كأنهم ضيوف كرام، هذه الروح جعلت التكية صامدة حتى اليوم، رغم التحديات الاقتصادية وارتفاع الأسعار».
داخل التكية، المشهد يتكرر كل يوم، لكنه لا يفقد دهشته، فهناك رجال ونساء يكدحون من أجل إعداد الطعام منذ الصباح الباكر، يغسلون الأوانى، يقطعون الخضار، ويطبخون الفول والعدس والعصيدة وقطع اللحم، بكميات تكفى مئات من الأفواه، وبالقرب من التكية يقف المواطنون فى طابور طويل أمام الفرن للحصول على الخبز المجانى: «منذ الصباح الباكر يبدأ الناس فى التوافد إلى التكية للحصول على وجباتهم الثلاث اليومية، سواء كانوا عمال يومية لم يجدوا قوت عملهم، أو طلاباً مغتربين بعيدين عن أهلهم، أو نازحين جاءوا مثقلين بذاكرة الحرب والجوع، الكل هنا سواء يحصل على حصته من الوجبات والخبز والعلاج».
تاريخ طويل من الإنسانية سطرته التكية، إذ صارت مكاناً للتطوع والعطاء، شباب وفتيات يأتون يومياً ليشاركوا فى إعداد الطعام وتوزيعه، لا ينتظرون مقابلاً سوى دعوة صادقة من جائع، فبعضهم يتعلم فيها معنى المسئولية المجتمعية، وآخرون يتعلمون معانى العطاء وقت الأزمات: «مش بس بنوفر وجبات، بنعلم الشباب المسئولية والعطاء، وبنخليهم يشاركوا فى اتخاذ القرار، سواء تنويع الطعام بتقديم أصناف مختلفة مثل الملوخية والفاصوليا والبطاطس واللحوم وغيرها، إضافة إلى وقوفهم على مختلف احتياجات الضيوف رغم الحصار وإغلاق الطرق وندرة وصول السلع الغذائية ونفادها من الأسواق المحلية».