«الشرعية الأممية».. أحدث ضحايا حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة

كتب: محمود العيسوي

«الشرعية الأممية».. أحدث ضحايا حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة

«الشرعية الأممية».. أحدث ضحايا حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة

فى خطوة وُصفت بأنها الأكثر استفزازاً فى تاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، رفضها منح تأشيرات دخول لرئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، وعدد كبير من مسئولى منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، وذلك قبيل انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة فى نيويورك، خلال الشهر الجارى، القرار الأمريكى الذى يشمل نحو 80 مسئولاً فلسطينياً، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية فى واشنطن، أثار موجة من الغضب والانتقادات الدولية، خصوصاً أنه يأتى فى وقت حساس، يشهد تزايد الضغوط لإنهاء حرب الإبادة الجماعية المستمرة فى قطاع غزة، وفى لحظة يتبلور فيها حراك أوروبى ودولى متصاعد للاعتراف الرسمى بالدولة الفلسطينية.

«الجارديان»: قرار واشنطن ينسف جهود التهدئة ويكرس الانحياز لإسرائيل.. وجدل دولى حول تعديل ميثاق الأمم المتحدة

واعتبرت صحيفة «الجارديان» أن الخطوة الأمريكية تمثل انتهاكاً واضحاً لـ«اتفاق مقر الأمم المتحدة»، الذى يضمن لجميع الدول الأعضاء والكيانات المراقبة، ومن بينها «فلسطين»، حق الدخول إلى نيويورك، للمشاركة فى أعمال المنظمة الدولية، ورغم محاولة واشنطن التخفيف من حدة الموقف، بالإشارة إلى أن البعثة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة ستحصل على إعفاءات خاصة، فإن استبعاد الرئيس «عباس»، وكبار معاونيه، من المشاركة، يحمل دلالات سياسية عميقة، تعكس التوجه الأمريكى نحو مزيد من الانحياز للاحتلال الإسرائيلى، على حساب أى محاولة جدية لإحياء مسار السلام.

رئاسة السلطة الفلسطينية وصفت القرار بأنه «سابقة خطيرة» تنسف مبادئ الشرعية الدولية، وتشكل تقويضاً مباشراً لدور الولايات المتحدة كوسيط محتمل فى أى عملية سياسية مستقبلية، وعبر مكتب الرئيس «عباس»، فى بيان رسمى، عن صدمته مما اعتبره استهدافاً مباشراً للقيادة الفلسطينية، فى لحظة تاريخية تشهد زخماً متزايداً نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية من جانب عدة عواصم أوروبية، فيما أكد السفير الفلسطينى لدى الأمم المتحدة، رياض منصور، أن قيادة السلطة الفلسطينية تدرس تفاصيل قرار الخارجية الأمريكية، وكيفية انعكاسه على مشاركة الوفد الفلسطينى فى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لهذا العام، والتى يطلق عليها اسم «دورة فلسطين»، وشدد «منصور» على أن «صوت فلسطين لن يُسكت، رغم كل العقبات».

وذكرت الصحيفة البريطانية أن القرار الذى أثار عاصفة من الانتقادات والجدل السياسى والدبلوماسى، لم يقتصر أثره على العلاقة «الأمريكية - الفلسطينية»، بل هزّ صورة الولايات المتحدة أمام حلفائها الغربيين والعرب، وأعاد إلى الواجهة نقاشاً قديماً حول جدوى استمرار ميثاق الأمم المتحدة بصيغته الحالية، خصوصاً فى ظل تجاوز واشنطن لالتزاماتها بصفتها الدولة المضيفة لمقر المنظمة الدولية، بينما ردت الإدارة الأمريكية على تلك الانتقادات بإصدار بيان «شديد اللهجة»، اتهمت فيه السلطة الفلسطينية بتقويض فرص السلام، عبر «اللجوء إلى الحرب القانونية» ضد إسرائيل، أمام المحكمة الجنائية الدولية، ومحكمة العدل الدولية، وأضاف البيان الصادر عن البيت الأبيض أن الولايات المتحدة لن تعتبر الفلسطينيين «شركاء فى السلام»، ما لم يعلنوا بوضوح رفضهم للإرهاب، ويوقفوا ما وصفته بـ«التحريض فى التعليم والإعلام»، وأشارت «الجارديان» إلى أن هذه اللغة لم تكن جديدة فى الخطاب الأمريكى، لكنها هذه المرة جاءت مترافقة مع إجراء عملى مباشر، بحرمان القيادة الفلسطينية من حضور واحد من أهم المحافل الدولية بالنسبة للقضية الفلسطينية.

أما حكومة الاحتلال الإسرائيلى، برئاسة بنيامين نتنياهو، فقد أبدت ترحيبها بقرار الخارجية الأمريكية بمنع دخول الرئيس الفلسطينى ووفد السلطة الفلسطينية لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ووصف وزير الخارجية الإسرائيلى، جدعون ساعر، الخطوة الأمريكية بأنها «جريئة، وتؤكد وقوف واشنطن مجدداً إلى جانب إسرائيل»، فيما اعتبر السفير الإسرائيلى لدى الأمم المتحدة، دانى دانون، أن «القرار يحبط محاولة الفلسطينيين استغلال المنابر الدولية للهجوم على إسرائيل»، واعتبر مراقبون أن هذا الاحتفاء الإسرائيلى بقرار الخارجية الأمريكية يوضح بجلاء أن الخطوة الأمريكية تمثل امتداداً مباشراً لسياسات حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة، التى ترفض الاعتراف بأى دولة فلسطينية، كما تعمل على استبعاد السلطة الفلسطينية من أى ترتيبات تخص مستقبل غزة.

لكن فى المقابل، أثار القرار الأمريكى موجة غضب غير مسبوقة من المجتمع الدولى، حيث اعتبرت منظمة التعاون الإسلامى، التى تضم 57 دولة، أن قرار الخارجية الأمريكية يعد «إجراءً تمييزياً صارخاً يناقض القانون الدولى»، وطالبت واشنطن بالالتزام بمسئولياتها كدولة مضيفة لمقر الأمم المتحدة، أما الأمم المتحدة نفسها فقد عبّرت على لسان المتحدث باسمها، ستيفان دوجاريك، عن قلقها إزاء هذه الخطوة من جانب واشنطن، وأعادت المنظمة الدولية التأكيد على أن «تمثيل جميع الأطراف أمر بالغ الأهمية للقمة المقبلة»، معربةً عن الأمل فى حل الأزمة سريعاً.

وأشارت «الجارديان» إلى أن اللافت فى قرار «إدارة ترامب» أنه جاء متزامناً مع تحركات أوروبية متصاعدة للاعتراف بالدولة الفلسطينية، إذ تستعد كل من فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا لطرح الملف خلال اجتماعات الجمعية العامة، وهو ما أثار غضب إسرائيل، التى اعتبرت أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية يمثل «مكافأة للإرهاب»، غير أن هذه الدول ترى أن تمكين السلطة الفلسطينية وإصلاحها يشكلان خطوة ضرورية لإدارة مستقبل غزة فى حال توقفت الحرب، وبالتالى فإن قرار واشنطن بدا وكأنه يستبق هذه التطورات، ليضعف قدرة الفلسطينيين على الاستفادة من الزخم الدولى.

واعتبر التقرير أن الأوضاع فى غزة زادت من حدة المشهد، فالمعارك المتواصلة أدت إلى استشهاد أكثر من 63 ألف فلسطينى، وإصابة 150 ألفاً آخرين، فيما نزح معظم السكان، تحت وطأة القصف والتجويع، وأعلنت الأمم المتحدة، الأسبوع الماضى، أن القطاع يواجه حالة «مجاعة حقيقية»، بسبب العرقلة المنهجية لإدخال المساعدات من جانب إسرائيل، وفى هذا السياق، بدا قرار منع الوفد الفلسطينى بمثابة رسالة مزدوجة: «دعم أمريكى مطلق لإسرائيل، وضغط إضافى على القيادة الفلسطينية، لوقف مساعيها فى المحاكم الدولية».

وأشارت «الجارديان» إلى أن هذه ليست المرة الأولى التى تستخدم فيها واشنطن ورقة التأشيرات للضغط على الفلسطينيين، ففى عام 1988 رفضت إدارة رونالد ريجان منح الرئيس الراحل ياسر عرفات تأشيرة دخول، ما دفع الجمعية العامة إلى عقد جلساتها فى جنيف، بدلاً من نيويورك، واليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، يتكرر المشهد ليؤكد أن الولايات المتحدة ما زالت تتعامل مع القانون الدولى وفق مصالحها الخاصة، حتى لو أدى ذلك إلى إضعاف مكانة الأمم المتحدة نفسها.

الجدل القانونى الذى أثاره القرار تجاوز حدود القضية الفلسطينية، إذ بات كثير من الدول يتساءل عن حياد الولايات المتحدة كدولة مضيفة للأمم المتحدة، فالاتفاق المعروف بـ«اتفاقية المقر»، يفرض عليها استقبال جميع الوفود الرسمية دون استثناء، وأى خرق لذلك يقوّض شرعية المنظومة الدولية، فيما حذر عدد من الخبراء من أن استمرار واشنطن فى هذه السياسة قد يدفع إلى نقل بعض اجتماعات المنظمة إلى مقار بديلة، ما يعنى ضربة قوية لدور الولايات المتحدة الأممى.

فى الداخل الأمريكى، لم تمر الخطوة من دون إثارة موجة جديدة من الجدل، فبعض الأصوات الديمقراطية انتقدت البيت الأبيض، معتبرةً أن القرار يضر بمكانة واشنطن الدولية، ويُضعف قدرتها على لعب دور الوسيط، كما رأت منظمات حقوقية أمريكية أن إدارة ترامب استسلمت لضغوط جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وأنها بهذا السلوك تدفع نحو عزلة دبلوماسية متزايدة، فى المقابل، دافع الجمهوريون والمحافظون عن القرار، واعتبروه «رسالة حازمة» ضد ما وصفوه بـ«الإرهاب الفلسطينى»، وضمانة لاستمرار التفوق الإسرائيلى فى مواجهة المجتمع الدولى.

واعتبرت الصحيفة أن كل هذه التطورات تشير إلى أننا أمام أزمة تتجاوز حدود الصراع «الفلسطينى الإسرائيلى»، فقرار واشنطن لم يكن مجرد منع وفد من الحصول على تأشيرات دخول، بل هو إعلان واضح بأن الولايات المتحدة مستعدة لتقويض الاتفاقيات الدولية إذا تعارضت مع مصالحها وحليفتها إسرائيل، وهذا يطرح سؤالاً كبيراً حول مستقبل النظام الدولى القائم منذ الحرب العالمية الثانية: هل يمكن أن يستمر فى ظل تزايد اختراقاته وتسييسه من قبل القوى الكبرى؟، مشيرةً إلى أن ما جرى يعكس «لحظة فارقة فى العلاقات الدولية»، فبينما تسعى عواصم عدة إلى الدفع نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية كخطوة لإعادة التوازن إلى مسار السلام، اختارت واشنطن التصعيد والانحياز المطلق لإسرائيل، وبينما ينادى العالم بضرورة احترام القانون الدولى، ضربت الولايات المتحدة عرض الحائط بالمواثيق والاتفاقيات التى ألزمت نفسها بها.

واختتمت «الجارديان» تقريرها بالقول إنه لعل أخطر ما فى القرار، أنه لم يعد مجرد خلاف إجرائى، أو مناورة دبلوماسية، بل بات نقطة انطلاق لنقاش واسع حول إصلاح النظام الدولى نفسه، فإذا كان الصوت الفلسطينى قد أُسكت فى نيويورك بفعل المنع الأمريكى، فإن صداه ارتفع فى عواصم العالم، التى ترى فى الخطوة دليلاً إضافياً على أن الوقت قد حان لتعديل قواعد اللعبة الدولية، وإعادة الاعتبار للشرعية الأممية بعيداً عن هيمنة قطب واحد، وبهذا المعنى، فإن قرار واشنطن الأخير لم يُضعف الفلسطينيين وحدهم، بل أضعف أيضاً مصداقية الولايات المتحدة، وفتح الباب أمام حلفائها وخصومها معاً للتساؤل عن جدوى بقاء الأمم المتحدة «أسيرة» لدولة مضيفة لا تحترم التزاماتها، وهو ما يجعل الأسابيع المقبلة مرشحة لأن تشهد معارك دبلوماسية غير مسبوقة، قد تنتهى بإعادة رسم معالم النظام الدولى لعقود مقبلة.


مواضيع متعلقة