«المقاومة».. موطنها مصر

فجأة، دون سابق إنذار أو مقدمات، قرر أحدهم أن يهيل عليك التراب، أن يردم كل جهدك، ويعيدك إلى الوراء عامين إلا قليلاً. وبينما يقف مهللاً لفعل يسير وسهل، تقف أنت مترقباً لنتائج هذا الفعل، الذى لن يجلب خيراً، بل دماراً وويلات وحرباً لم تزل رحاها دائرة، شهداؤها يصعدون يوماً بعد يوم، وتهديداتها لا تنقص بل تزداد وتتسع، وسلاحها موجه إلى صدورنا قبل صدر العدو.

منذ الجمعة وحتى الآن، تتعالى الأصوات المهللة، وتواصل الأيادى التى ألهبها التصفيق الحاد عزفها المنفرد.. إنهم فرحون بما آتاهم الله بعد قرابة عامين من الحرب، ومئات الشهداء والمصابين والثكالى والمفقودين والهاربين، والمغتالين برصاص الغدر وغارات الجور والزور.. فرحون لأنهم استطاعوا ممارسة المقاومة ولو بأسر 4 من جنود الاحتلال -بحسب حديث المقاومة- أو «فقد» أربعة من الجنود بحسب رواية إسرائيل، ولم يفكر أحدهم، ولو للحظة، أن الأسر أو الفقد كلاهما بلا جدوى، فى مجتمع يضع بروتوكولاً يسمى «هانيبال»، يسمح لهم بقتل جنودهم قبل أن يقعوا فى الأسر.. إنهم يقتلون بعضهم بعضاً، فهل ترق قلوبهم لدمائك أيها العربى المقاوم؟

ثم إن مفهوماً غريباً عن المقاومة بدأ يجد طريقه إلى ألسنة العرب، بل وبدأ يحصد تصفيق الجماهير، لأنه مرتبط بالبطولة الفردية لا الجماعية، ليس مهماً ما يحدث بعد التفجير، المهم أن يسمع الجميع صوت القنبلة، حتى لو كان آخر ما يسمعونه فى حياتهم قبل أن ترتقى أرواحهم شهداء، وتعود القضية إلى النقطة صفر.. التفاوض.. البحث عن صيغة لإيقاف الحرب.. تعطيل القصف.. فتح ممرات للحياة.. حماية السيادة وحقوق الشعوب.. والأهم الإيمان بالسلام والسعى إلى إحلاله.

كل التجارب التى عاشتها المنطقة تؤكد أن الحرب دمار، وأن الخراب لا يستثنى أحداً، وأن الحدود مجرد خطوط وهمية على الخريطة، فما يمر فى سمائك من مسيرات وصواريخ قد يودى بحياة الملايين رعباً قبل أن يسقط فوق رؤوسهم.. فلماذا لم تتعلم المقاومة الفلسطينية درس 7 أكتوبر؟ ولماذا تعيد الكرة الآن والهدنة كانت على وشك أن تتحقق، والاتفاق كان قاب قوسين أو أدنى، والآذان كادت أن تفتح على العقل لتنشئ ممراً آمناً يفضى إلى فرصة حياة؟ لماذا لا تسير المقاومة الفلسطينية على خطى مصر.

يزخر تاريخ مصر بالكثير والكثير من بطولات المقاومة حرباً، كيف كانت عملياتها النوعية فى حرب الاستنزاف، كيف كانت بطولاتها التى تقول إننا لن نصمت على عدو ولن نترك محتلاً على أرضنا، وكيف حافظ الفدائيون على الشعرة الفاصلة بين الفعل الفدائى بغرض إرهاب العدو، وبين الفعل الذى يتسبب فى إرهاب أصحاب الأرض وتدميرهم وتدميرها.. لم تقاوم مصر فى الحرب فقط، قاومت بكل السبل، لم تترك ميداناً إلا وكان لها الرد فيه، فعلت كل شىء لحماية سيادتها وأراضيها وشعبها قبل هذا وذاك، طرقت أبواب السلم وهى المنتصرة، وأغلقت أبواب المساومة على الثوابت.. وملكت كل ميادين القتال والنزال، وحين خارت قواها القتالية، نهضت قواها الناعمة لحين عودة قواها العسكرية.. هذا ما قاله التاريخ وعليه شهود.

أما الواقع، فأكمل القول وزاد عليه: من الذى يرعى السلام فى المنطقة؟ من الذى قاوم المساومة على القضية الفلسطينية؟ من الذى حافظ على الأرض ورفع شعار «لا للتهجير»؟ من الذى واجه الحصار الاقتصادى مرة واثنتين وثلاثاً وزاد، واقتسم لقمته مع غزة؟ من الذى فتح الحدود لاستقبال المصابين وإدخال المساعدات، وأغلقها فى الوقت نفسه أمام محاولات التهجير وإنهاء القضية؟ من الذى لم «يصالح»، لكنه مد يده وصافح أعداءه لكسر سمهم ولفتح باب التفاوض من أجل حياة ملايين الفلسطينيين؟ من الذى قاوم الأكاذيب والادعاءات، ولم يخضع لابتزاز أو افتراء، وتذكر أن «كل دم عربى أخى»، فجلس على طاولة المفاوضات ليرعى السلام ويقيم على مقاوميه الحد؟ من الذى تكبد مشقة حماية حدوده وحدود غيره، ليقاوم الرغبة المحمومة فى التهويد؟ من الذى جعل على كل ادعاء دليلاً يفنده، وصنع من ميادين النزال دليلاً لنا؟

إن المقاومة التى تمارسها «حماس» اليوم، للبحث عن مكاسب سياسية ضيقة، لن تتجاوز لحظة نشوة عابرة، إحساساً زائفاً بالقدرة، وصفعة تهوى على وجه من اعتاد الضرب بـ«القفا»، لأن رده سيكون أقسى وأشد، وسيأخذ مقابل الصفعة سواء على الوجه أو القفا، أرضاً وتاريخاً وعرضاً وأرواحاً.. فإذا أردتم البحث عن المقاومة الحقيقية، فتعلموها من مصر؛ فقد حسمها لنا التاريخ، ومحسومة لنا فى المستقبل بوعد الحق.