ماذا بعد «صوت هند رجب»؟

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

إذا كان فيلم «صوت هند رجب» هز الضمير الإنسانى وتأثر به نجوم عالميون، فماذا عن صوت غزة الذى يطالب بالمساعدة منذ أكثر من 700 يوم لكن دون أى استجابة؟ وكأن العالم صم أذنيه عن معاناة الفلسطينيين فى أنحاء قطاع غزة، ولم يعد يرى مأساته الحقيقية إلا من خلال عمل درامى يجسد آلام أحد أبطاله، الذين قتلتهم آلة الحرب الإسرائيلية بدم بارد، وبمعرفة ضباطها وجنودها دون أن يرف لهم جفن.

الفيلم الذى عرض لأول مرة عالمياً فى 3 سبتمبر 2025 ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائى بدورته 82، حظى بتصفيق استمر لأكثر من 24 دقيقة، وهى واحدة من أطول فترات التصفيق فى تاريخ المهرجان، وقد أثار بكاء وتفاعلاً عاطفياً كبيراً من الجمهور والنقاد ونجوم الفن الأكثر شهرة فى العالم، وعبر عن صدمة المشاهدين بمعرفة القصة الحقيقية وصمت العالم إزاءها. لقد حصد الفيلم جائزة «الأسد الفضى» من لجنة التحكيم، رغم التوقعات بفوزه بجائزة الأسد الذهبى، ورغم أنه أثار جدلاً واسعاً بسبب تناوله للقضية الفلسطينية، إلا أنه كان بمثابة دعوة للعدالة وتحفة سينمائية تجمع بين الواقعية والإنسانية، وكان الأكثر صدقاً ورمزاً لمعاناة الأطفال الفلسطينيين فى غزة، حيث استخدم الفيلم مزيجاً من الدراما والتوثيق الذى لا يحمل مجالاً للشك، فوثق صوت هند الأصلى للحفاظ على صدق التجربة.

من لا يعرف قصة هند، هى الطفلة الفلسطينية البالغة من العمر ست سنوات استشهدت فى 29 يناير 2024 بعد أن حاصرتها دبابة إسرائيلية داخل سيارة مع أفراد عائلتها الذين قتلوا، بينما كانت تتوسل للإنقاذ عبر مكالمة مع الهلال الأحمر الفلسطينى، وتعد رمزاً لمعاناة الأطفال فى قطاع غزة، الذين يمثلون مأساة مشابهة لهند دون أن يلتفت لهم أحد، فمأساة هند ليست حالة منعزلة عن باقى أطفال غزة المجوعين والمقهورين والمفزوعين، بل تمثل نمطاً من الاستهداف العشوائى للمدنيين بمن فى ذلك الأطفال. لقد صدرت تقارير عن منظمة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ومنظمات أخرى توثق تحقيقات مثل تلك التى أجرتها «فورنسيك أركيتكتشر»، أظهرت أن السيارة التى كانت تقل هند وعائلتها تعرضت لإطلاق 335 رصاصة! وأن الدبابة الإسرائيلية كانت على مسافة قريبة لا تتجاوز 20 متراً، مما يجعل من غير المعقول أن الجنود لم يعلموا بوجود أطفال داخل السيارة، كما أن الهجوم على سيارة الإسعاف التى أُرسلت لإنقاذها بتنسيق مع جيش الاحتلال وموافقته، يعكس استهدافاً متعمداً للمدنيين والعاملين فى المجال الإنسانى، وعلى الرغم من الدعوات الدولية للتحقيق فى مقتل هند، بما فى ذلك من الولايات المتحدة وخبراء من الأمم المتحدة، إلا أن التقدم فى المساءلة كان محدوداً، ومنظمات حقوقية مثل Justice For All ومؤسسة هند رجب رفعت شكاوى إلى المحكمة الجنائية الدولية، إلا أن استجابة الدولية لا تزال غير كافية.

عشرات الآلاف من الأطفال فى غزة يعيشون فى مناطق قتال نشطة، ولا يصل إليهم الإنقاذ بسبب الحصار العسكرى أو القيود التى يفرضها جيش الاحتلال على المنظمات الإنسانية والأممية، لذا من الصعب تحديد عدد دقيق للأطفال الذين واجهوا ظروفاً مشابهة لما تعرضت له هند رجب، مثل المحاصرين تحت القصف أو خطراً دون استجابة فورية، لكن يمكن القول إن عشرات الآلاف من الأطفال فى غزة معرضون لخطر مماثل بسبب استمرار القصف العشوائى، الذى أودى بحياة أكثر من 14 ألف طفل حتى شهر أغسطس 2024، ونزوح أكثر من 600 ألف طفل إلى مناطق غير آمنة مثل مدينة رفح، ووجود أكثر من 17 ألف طفل غير مصحوبين أو مفصولين عن عائلاتهم، مما يجعلهم أكثر عرضة للخطر ودون حماية، فقد أشارت التقارير إلى أن نظام التنسيق مع الجيش الإسرائيلى لتأمين ممرات آمنة للإسعافات والمساعدات الإنسانية قد انهار تماماً، مما يعنى أن العديد من الأطفال مثل هند، يتركون دون مساعدة حتى بعد طلب النجدة.

رغم نجاح فيلم «صوت هند» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، ودعم وانضمام نجوم عالميين مثل براد بيت وخواكين فينيكس ورونى مارا كمنتجين تنفيذيين، مما يعزز من انتشار الفيلم، ما قد يضغط على الرأى العام فى الغرب للمطالبة بتغيير السياسات تجاه إسرائيل، إلا أن تاريخياً فإن الضغط الإعلامى والفنى (مثل الأفلام والوثائقيات) نادراً ما يؤدى إلى تغييرات فورية فى السياسات العسكرية الإسرائيلية، خاصة فى ظل دعم دولى قوى من الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، إسرائيل غالباً ما تتجاهل الانتقادات الدولية وتبرر أفعالها بسياسة «معاداة السامية، والدفاع عن النفس» وربما تدفع إسرائيل بحملات إعلامية مضادة كما تفعل دائماً لتشويه القصة وتبرير الأحداث، ومع ذلك ربما يعزز الفيلم من الدعوات لوقف إطلاق النار أو فرض عقوبات على إسرائيل، خاصة إذا نجح فى التأثير على الرأى العام فى الدول الغربية، وهذا يعتمد على استمرار الزخم الإعلامى والضغط السياسى المتواصل.