مصر شخصت الداء وحددت الدواء

بقلم: عماد فؤاد كتب: أحمد فكري

مصر شخصت الداء وحددت الدواء

مصر شخصت الداء وحددت الدواء

لم تكن كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي أمام القمة العربية الإسلامية الطارئة في الدوحة، مجرد خطاب ديبلوماسي تقليدي، لكنها كانت وثيقة سياسية شاملة، ورؤية استراتيجية، وبيان موقف واضح المعالم، صاغته دولة محورية بحجم مصر، تفخر بتاريخها، وتعي أهمية موقعها الجغرافي.

عبر الرئيس السيسي، بكلمات مدروسة، وإيقاع هادئ لكن حازم، عن التحول الجيوسياسي العميق في الموقف العربي والإسلامي الجماعي، بسبب انفلات إسرائيل، وتجاوزها ما وصفه الرئيس بـ " كل الخطوط الحمراء "، وأن الدول العربية والإسلامية، تنتقل من حالة الدفاع، وردود الأفعال، إلى حالة المبادرة، وفرض منطق جديد يحكم علاقتها مع بقية القوى العالمية.

اعتاد الرئيس السيسي في مثل هذه المؤتمرات، أن يصل بما يقوله لأبعد مدي مؤثر، ولا يستهدف أثارة إعجاب الشارع العربي بكلمات جوفاء، او شعارات رنانة.

وأكد السيسي نهجه، بالعبارات القانونية الدقيقة التي استخدمها في كلمته، مثل "انتهاك جسيم لأحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة"، و"سابقة خطيرة"، و"تهديد للسلم والأمن الدوليين".

هنا يخاطب الرئيس العالم كله بلغة القانون الدولي، وبذكاء "استراتيجي" يجرد العدو الإسرائيلي من ورقة "الدفاع عن النفس" التي طالما برر بها عدوانه الهمجي على غزة، ويتذرع بها دائمًا، مع كل عدوان على الدول المجاورة.

استهدف الرئيس السيسي نقل القضية من مربع الصراع العسكري، إلى مربع المساءلة القانونية والأخلاقية العالمية.

ويضع الولايات المتحدة، ومعها دول الغرب الأوروبي، المنحازة دومًا لإسرائيل أمام المفارقة الحدية، إما الوقوف مع القانون الدولي الذي تدعي الدفاع عنه، أو استمرار انحيازها لانتهاكات إسرائيل الصارخة له.

وقدم السيسي تشخيصًا دقيقًا لجوهر الأزمة التي تواجهها المنطقة، بالإشارة ما وصفه بـ " الإفلات من العقاب " الذي تضمنه إسرائيل على الدوام.

هذه العبارة، وتنطلق منه لـ"تجاوز أي منطق سياسي أو عسكري"، و"تخطي كل الخطوط الحمراء".

إذن هنا المشكلة التي تستوجب الحل بدايًة، وهي ليست في تصرف عدواني منفرد، لكنها تكمن في التوازن الدولي المختل الذي يسمح لإسرائيل بهذه الأفعال الإجرامية دون محاسبة، ويدفعها لإفشال كافة فرص تحقيق التهدئة، وتفكيك أي فرصة للسلام.

رفع الرئيس السيسي الغطاء - بمنتهى الوضوح - عن الادعاءات الإسرائيلية بأنها تريد "القضاء على حماس"، وكشف عن استراتيجيتها (المتعمدة) لتصفية القضية الفلسطينية برمتها وفي نقلة نوعية، وغير مسبوقة في الخطاب الرسمي العربي، وجه السيسي التحذير مباشرة إلى الشعب الإسرائيلي، بعبارات لا لبس فيها، وقال "إن هذا المسار يهدد أمنكم"و "يجهض اتفاقات السلام القائمة".

ويا له من تحذير، يستند إلى رؤية واقعية، لعل هذا الشعب الإسرائيلي يتخيل معه ضياع مكاسب السلام التي حققوها مع جيرانهم، وقالها السيسي: أنتم لا تدمرون مستقبل الفلسطينيين فقط.

وفي حسم أكد الرئيس السيسي ثوابت مصر المطلقة، وغير القابلة للتفاوض، وعلى رأسها رفض أي مقترحات لتهجير الفلسطينيين من أرضهم، أو غيرها من صور اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، عبر استخدام عناوين ومبررات، لا يمكن قبولها بأي حال من الأحوال.

وصف الرئيس هذه المقترحات، بأنها "لا أساس قانوني أو أخلاقي لها"، وهذه رسالة صريحة موجهة لإسرائيل، التي تروج لهذا المخطط، وكأنه الحل، وللدول الغربية التي قد تراه خيارًا سهلًا، يمكن الأخذ بها.

وهنا يؤكد ما كرره في كل المحافل الدولية، أن هذا الخيار هو خط أحمر، ولن يتم تجاوزه، لما له من تداعيات وجودية على الأمن القومي المصري والعربي.

والمخرج الوحيد هو حل الدولتين، وهو الموقف العربي الواضح حتى الأن، وقام الرئيس بتحديثه وتفعيله من خلال ربطه بالمبادرة الملموسة على الارض، وهي "مؤتمر حل الدولتين" المقرر عقده في نيويورك، خلال أيام، ولم يكتف الرئيس، ودعا بقية دول العالم إلى "الاعتراف الفوري بدولة فلسطين"، وهنا تنتقل مصر بالقضية الفلسطينية، من حالة الشعار السياسي إلى برنامج عمل ديبلوماسي يحقق النقلة المطلوبة.

ولا يمكن إغفال الجانب الأكثر جرأة وشجاعة في خطاب السيسي بدعوته لـ"·" إنشاء آلية عربية إسلامية للتنسيق والتعاون" لمواجهة التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية، والبناء على قرار "الرؤية المشتركة للأمن والتعاون في المنطقة" الذي اعتمدته الجامعة العربية، كـ"نواة يمكن البناء عليها"، والوصول إلى "توافق عربي إسلامي على إطار حاكم للأمن والتعاون الإقليميين"، ووضع "الآليات التنفيذية اللازمة".

هذه الدعوة تكشف في مضمونها عن فشل نظام الأمن الإقليمي الحالي، القائم على الهيمنة الأمريكية والضمانات الأحادية لإسرائيل، وآن الأوان لخلق نظام مضاد، أو على الأقل مواز، اساسه التضامن الجماعي العربي والإسلامي.

إنه تحول من استراتيجية الرد على العدوان إلى منعه، عبر آلية ردع جماعية، ليس بالضرورة أن عسكرية، ولكن يمكن أن سياسية واقتصادية ودبلوماسية.

وحسنًا ما اختتم به الرئيس السيسي خطابه بتأكيد الدور المصري التاريخي، وإن مصر كعهدها دائمًا، تمد يدها لكل جهد صادق"، هذه العبارة تعيد تأكيد مكانة مصر كقلب الأمة وراعي مصالحها.

مصر في قمة الدوحة حددت العدو، وشخصت الداء، وقدمت الدواء، ودعت لأسيس نظام إقليمي عربي إسلامي، تكون فيه الكلمة الفصل للدول المعنية مباشرة بمصير المنطقة، وليس لقوى خارجية تحدد مصيرها من بعيد، ونجاح هذه الرؤية أو فشلها رهن بقدرة العرب والمسلمين على تحويل هذا الخطاب - او الوثيقة المصرية - إلى فعل موحد ومستمر.

قالها نابليون بونابرت ذات يوم : "هناك لحظات حاسمة في الحروب.. فقوة معنوية واحدة، دفعة واحدة، غالبًا ما تكون كافية لتحديد النصر".


مواضيع متعلقة