رسائل إسرائيل من الاعتداء على قطر

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

هناك الكثير من الرسائل التى وجّهها نتنياهو داخلياً وخارجياً عندما أمر قواته الجوية بقصف مكان استضافة قادة حماس فى قطر، لكن أهم هذه الرسائل اثنتان، الأولى للشارع الإسرائيلى ومفادها أن اليمين الإسرائيلى هو وحده القادر على حماية أمن إسرائيل وضمان مستقبل شعبها، باعتباره لا يأبه فى قليل أو كثير بردود الفعل الإقليمية أو الدولية، فيما أن اليسار يميل إلى المساومة ويُبدى بعض الخشية غالباً من عزلة عالمية تحيط بإسرائيل وتمنعها من الاندماج فى بيئتها الإقليمية.

أما الثانية فهى رسالة إقليمية تخاطب كل دول الشرق الأوسط، وتُمثل تهديداً واضحاً وصريحاً بأن إسرائيل دولة إقليمية عظمى، بوسعها أن تفرض رؤيتها للشرق الأوسط على الجميع، كما بوسعها توجيه ضربات مُوجعة لأى طرف إقليمى يعمل بشكل جدى ضد تلك الرؤية.

من المؤكد أن هذه الرسائل لا تخص قطر أو دول الخليج العربى التى لم تكن يوماً فى وارد إشهار العداء المستحكم لإسرائيل، بل هى موجّهة إلى كل من إيران وتركيا ومصر.

من المفهوم طبعاً أن توجيهها إلى إيران يُمثل استمراراً للحرب الصريحة ضد توسّع الدور الإيرانى فى المنطقة، ونوعاً من دفع دول الخليج إلى قطع العلاقات كلياً مع إيران والعمل بفاعلية مع إسرائيل لإجهاض القوة الإيرانية ومنع توسّعها فى المنطقة، أما بالنسبة إلى تركيا فإن الرسالة الإسرائيلية تحاول تنبيه الأتراك إلى أن إسرائيل عازمة على منعهم من التدخّل فى الشأن السورى أو الصراع الفلسطينى الإسرائيلى، خاصة أن هذه الرسالة جاءت بعد محاولة إسرائيلية لتأليب الدروز على السلطة الشرعية وحثهم على المطالبة باستقلال نسبى عن القرار المركزى السورى، وهى محاولة تمكن الأتراك من إجهاضها بمناورة ذكية من السلطات السورية أدّت إلى عزل وتقزيم دور الفصائل الدرزية التى استجابت للعروض الإسرائيلية.

أما فى ما يتعلق بمصر فإن الخلاف الجوهرى معها ينحصر فى الإصرار المصرى على رفض التهجير ومنع تنفيذه بغض النظر عما إذا كانت مصر ستكون ممراً أو مستقراً للمهاجرين من غزة، وقد فهمت الحكومة الإسرائيلية هذا الموقف المصرى على أنه عمل عدائى يستهدف إفشال كل المخططات الأمريكية والإسرائيلية الرامية إلى إفراغ قطاع غزة من سكانه، وبالضربة التى شنّتها إسرائيل على قطر فإنها قد ألمحت باستعداد الحكومة الإسرائيلية لتحقيق أهدافها، فإن من الواضح أن هناك حرصاً حكومياً إسرائيلياً على خفض مستوى الاستفزاز لمصر، وتركت للإعلام العبرى وبعض المعلقين حرية انتقاد الدور المصرى، أو توجيه التهديدات حتى لمصر، فيما ألزمت المستويات الرسمية بالصمت المطبق إزاء كل ما يتعلق بالشأن المصرى.

السؤال هو كيف تلقت تلك الأطراف تلك الرسالة النارية؟ فى تقدير قادة أوروبيين وأمريكيين فإن تلك الرسالة ستكون عديمة الجدوى لعدة أسباب: منها أن الضربة الإسرائيلية قد وجّهت إلى دولة ضعيفة ومحدودة القدرات، وفضلاً عن هذا فهى ليست على وفاق كامل مع محيطها العربى، ومنها أيضاً انكشاف التأثير التدميرى المحدود للغاية للضربات الإسرائيلية التى وجّهت إلى البرنامج النووى الإيرانى، ومنها أيضاً أن الأتراك مصممون على متابعة دورهم فى سوريا، حتى إن أدى هذا إلى استحكام العداء مع إسرائيل، أما بالنسبة إلى مصر فإن الموقف المصرى من التهجير سوف لن يهتز مطلقاً بنتيجة أى تهديد أو سلوك عدوانى إسرائيلى، وعليه فقد تجد الحكومة الإسرائيلية نفسها مضطرة إلى التصعيد من نوع آخر فى سبيل تأكيد عزمها وتصميمها على إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط بطريقة تُلبى مصالحها الاستراتيجية فى الهيمنة والانتفاع بثروات هذه المنطقة، وتجريد الفلسطينيين من أى حليف لهم فيها.

وعلى أى حال فإن الضربة نجحت جزئياً فى إيصال رسائل الردع، لكنها فى المقابل أثارت عزلة دولية أكبر لإسرائيل، وتعقيداً لجهود السلام.