مسعود شومان: مصر هبة أبناءها.. وليست هبة النيل

كتب: محرر

مسعود شومان: مصر هبة أبناءها.. وليست هبة النيل

مسعود شومان: مصر هبة أبناءها.. وليست هبة النيل

حاوره/ السيد العديسي.. تصوير/ محمد فوزي

جاء فوز الشاعر والباحث مسعود شومان بجائزة الدولة للتفوق في الآداب مؤخرًا، كاعتراف ومباركة للجهد الكبير الذي يبذله ساعيا في ربوع مصر، باحثًا عن القيمة والجمال، وليزيح الغبار عن جماليات كادت تندثر.

سنوات عديدة قضاها شومان مقتفيا أثر الفولكلور الشعبي، محققًا في الكثير من أيقونات التراث الشفاهي، ليثبت، بما لا يدع مجالا للشك، أن هذا الشعب مبدع في كل أحواله.. في الرخاء والضيق، وفي العمل والصبر، وفي مناسباته المختلفة، وحتى في أوقات ألمه كان يصنع مواويله ومراثيه.. عن كل هذا يحدثنا الشاعر الكبير في هذا الحوار:

- لقد نذرت نفسك للبحث في تراث المصريين، حدثنا عن التركيبة الثقافية لهذا الشعب.. وهل أسهمت في حفاظه على هويته رغم كل ما مر به؟

أستطيع أن أقول لك إن التنوع الكبير منح الشخصية المصرية سمات خاصة جدا جعلها تختلف عن كل شعوب الدنيا. ففكرة التنوع هذه، مقرونة بقدر عالٍ جدًا من التسامح الثقافي، هي ما يميز مصر.

ولا تلتفت إلى بعض النقاط التي قد تبدو بارزة في مناطق بعينها، إذ إن مصر في مجملها تتشكل من مجموعة من الرقع الثقافية المتناغمة التي تقبل فكرة الآخر، وتقبل فكرة الاختلاف والتنوع.

وهي ليست بلاد أعراق كما نرى في بعض الأماكن؛ بل ستجد فيها محبة للبجاوي، ومحبة للنوبي، ومحبة للبدوي، ولكل هذه المكونات.

كل هذا يضعك في معصرة مصرية حتى إنني أستطيع أن أقول إن ثمة جينًا مصريًا، جينًا مغذّى بالثقافة المصرية، قد تكوّن من هذه الرقع.

ودائمًا كنت أدلل على هذه الفكرة بأغنية «اطلع الشجرة»، تلك الأغنية التي تقول: «يا طالع الشجرة هات لي معك بقرة، تحلب وتسقيني بالمعلقة الصيني، والمعلقة انكسرت، يا مين يربيني، رباني عبد الله».

- هل يمكن أن تشرح لنا ذلك؟

هذا الكلام يعكس فكرة الرقع التي أحدثك عنها، فهذه الشجرة، في اعتقادي، هي شجرة المعرفة عند المصري القديم. و«اطلع الشجرة هات لي بقرة» هي في تأويلي إشارة إلى إلهة الخِصب والسعادة والتكاثر والنماء في مصر القديمة، فهي شجرة المعرفة التي تجمع هذه الرموز.

وفي اعتقادي أيضًا أن البقرة هنا رمز لسخاء المعرفة، هذا المكوّن المعرفي هو الذي كان له أثر كبير جدا في الشخصية المصرية، حتى حين أتعامل مع من يُسمَّون أميين أو جهلاء من الرواة، فإنني أراهم علماء، لا بوصفهم أشخاصا لم يتعلموا تعليما نظاميا، بل لأنني أتعلم منهم كل يوم.

ولنعد إلى قولهم: «تحلب وتسقيني بالمعلقة الصيني»؛ فهذا يحمل إشارة إلى علاقة حضارية بين مصر والصين، أكبر حضارتين تاريخيتين في العالم.

لكن حين «انكسرت المعلقة»، فهذا يمثل مفصلا حضاريا بين حضارة راحلة وأخرى قادمة، وهنا يأتي السؤال: «يا مين يربيني؟».. هذا السؤال يعكس جزءا مهما جدا من تكوين الشخصية المصرية: التربية.

ولذا حين فقدنا جزءا من التربية والهيمنة على الأبناء في البيوت بعد انهيار الأسرة الكبيرة، بدأت التربية تتقلص في ظل الفقر وسعي المصريين الدائم نحو الرزق والعمل، فحدثت هزة كبيرة في الشخصية المصرية، وما تبعه من طغيان النزعات الفردية والأنانية، وصعود الثقافة الاستهلاكية، إلى آخره.

أما قولهم: «يا مين يربيني رباني عبد الله»، فالمقصود بـ«عبد الله» هنا في المطلع ليس مسيحيا ولا يهوديا ولا مسلما، بل إنسان في المطلق، وهذا هو دأب المصري، وقوله: «ونظرتي بيت الله» لا يشير إلى مسجد ولا كنيسة ولا معبد، بل إلى مفهوم أوسع، وفي النهاية نلتقي بالرمز: الحمام، الطير، الحرية، وما إلى ذلك.

ولديَّ أدلة كثيرة على هذا من خلال الأمثال والمواويل والحكايات الشعبية، فمثلا من الأمثال: «لكاني ولا ماني ولا دكاني الزلباني»، وقد يقولها آخر «الفسخاني»، لكن الجوهر واحد، و«لكاني ولا ماني» أصلها من «السمن والعسل» في اللغة المصرية القديمة.

وهذا التواصل مستمر، وهذه الرقع متراكمة في أسماء البلدان، والعادات، والتقاليد، والمواسم الزراعية، مثلا «هاتور بالدهب الممطور»، «بيبة افتح البوابة»، وما إلى ذلك، ستجد هذه الرقع موجودة ومستمرة حتى لو نسينا أصلها البعيد.

- في رأيك الخاص لماذا لم يطرأ على الشخصية المصرية أي تغييرات جذرية رغم مرورها بالكثير؟

بالفعل، الشخصية المصرية، رغم ما مرّت به من تغيّرات حادة وعنيفة، ما زالت حتى الآن محافظة على مصر وبقائها وتماسكها بفضل هذه الرقع الثقافية العميقة والمتنوعة، التي تجعل من كل جزء في التكوين المصري طقسًا خاصًا يبعث على السعادة، بل يمكن القول إن الدين والسعادة عند المصريين متداخلان تداخلا خاصا، فهم يتعاملون مع الدين بصورة مختلفة، وهو ما جعلهم دائما يقفون في مواجهة الفاشية الدينية، وينتفضون ضد محاولات «الأسلمة».

ومع ذلك، سنجد أن ثمة جذورا طالعة بين الحين والآخر من الجسد الاجتماعي السويّ، تكشف عن عنفها وفاشيتها، وعن رفضها لهذه الرقع الثقافية، إذ يريدون رقعة واحدة فقط، رقعة تلغي التنوع.

لكن التنوع الحاصل في مصر جعلها عصية على الاختراق، سواء من جماعات متأسلمة أو من أي قوى أخرى. فكيف يسود «رق واحد» في مواجهة رقع عميقة ومتعددة ومتماسكة؟ وهذه الرقع ليست مجرد طبقات يمكن فصلها، بل هي تكوين واحد متماسك شبيه بالتكوينات الإلهية التي لا تُجزأ.

- لذلك ظلت مصر تحتفظ بهويتها رغم مرور كل هؤلا المحتلين بها!

بالفعل.. أنا أرى أن المصريين جنس خاص جدا، رغم كل الغزوات والمحتلين الذين مروا على أرضها، فبينما يُقال إن المهزوم غالبا ما يتبع الغالب، نجد أن مصر لم تعرف هذه الحالة، إذ لم ينصهر المصريون بالكامل في ثقافة غازيهم، بل ظلوا يتمنون ويصبرون ويتأملون، وربما يكون «الصبر» جزءا أصيلا من هذا التكوين، وهذا الصبر تجده حاضرا في المواويل والأمثال الشعبية، يقولون مثلا: «اصبر على الجار السوء يرحل»، أو «الصبر مفتاح الفرج».

وفي مصر باب كامل يسمى «باب الصبر»، وهذا ليس من فراغ، فالصبر ميراث الفلاح الذي يزرع البذرة ثم يصبر عليها حتى تنمو وتنضج وتُحصد، وهو ميراث الصياد الذي يصبر حتى يظفر بصيده، وميراث الإنسان المصري في حياته اليومية.

لهذا أنا لا أؤمن بمقولة «مصر هبة النيل»، النيل مهم جدا بلا شك، لكنه ليس ما صنع مصر، مصر هي هبة الإنسان المصري، فلو قسنا عمر النيل بعمر مصر، لوجدنا النيل مجرد حدث صغير جدا، كما أن النيل يجري في أكثر من عشر دول، ومع ذلك لم نشهد في تلك الدول ما شهدناه في مصر من حضارات ومعابد وأديان وبناء وتطور ثقافي عظيم، مصر إذن هي هبة الإنسان المصري، هبة الثقافة وتنوعها وتراكمها.

- كيف نضمن سلامة الفكر والوعي لدى الناس الذين يعيشون في أماكن بعيدة يصعب الوصول إليها؟

الحل: أولا احترام عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم، وتنمية ما يمكن تسميته بـ«المركب الثقافي»، هذا المركب الثقافي هو ما يحمي هذه الحدود والأماكن البعيدة، من دون أي جهد يذكر.

كيف ذلك؟ العلم يقول إن هناك ما يُسمى بالمركب الثقافي، والمركب الثقافي في معظم حدودنا يتمثل في مركب الماشية، أي القِبَل والأبقار والماعز والأغنام، قد يبدو هذا بسيطا، لكنه العماد الرئيسي للاقتصاد في تلك المناطق، وهو كذلك العماد الثقافي والفني والجمالي، فهو مرتبط بالعادات والمعتقدات والطقوس.

- كيف نهتم بهذه المناطق إذن؟

بتنمية حياة الإنسان هناك، مثلاً، بتوفير الأعلاف والزراعة التي تُغني عن الترحال في الأيام غير الممطرة، هؤلاء الناس عاشوا دائما على التنقل وراء الكلأ والماء، ولم يعرفوا الاستقرار إلا مؤخرا، كانت ملكيتهم للأرض ملكية مشاع، لا حدود واضحة لها إلا الجبال أو الآبار، وعندما تُثبتهم عبر توفير مقومات المعيشة، فأنت تطوّر حياتهم اقتصاديا وثقافيا وجماليا.

بدأ هذا يحدث بالفعل عبر مشاريع التوطين، مثل إنشاء المدارس، وتعليم الفتيات، والانتقال من البداوة إلى حياة أكثر استقرارا، لكن المنطقة ما تزال بحاجة إلى المزيد: آبار مياه أكثر، مشروعات زراعية أوسع، وبنية تحتية أعمق.

وقد بدأت نهضة حقيقية: في كل منطقة من هذه المناطق البعيدة وبُنيت قصور ثقافة كاملة، وبدأ الناس يذهبون إليها ليقدموا فنونهم الشعبية باستخدام آلات مثل «السمسمية»، ويغنون أغانيهم الخاصة.

هذه الفنون، وإن بدت هامشية، استطاعت أن تغذي الوجدان المصري، وأن تُثريه بموسيقى مختلفة، لكنها في الأصل متصلة بالسلم الخماسي النوبي والجنوبي، وهكذا صارت هذه الفنون رافدا من روافد الفن المصري، تدخل في السياحة وتضيف إلى التنوع الكبير في الهوية الثقافية المصرية.

- ما الذي تحتاجه رموز القوى الناعمة في مصر حتى تؤدي الدور المنوط بها؟

بصراحة، نحن نفتقد إلى العمل الجماعي، وهذه نقطة أولى، أما الثانية فهي أننا نعمل كثيرا بلا استراتيجية واضحة، ثم إذا تحدثنا عن أشخاص القوى الناعمة – أي النخبة – فيجب أولا أن نسأل: ما تأثيرهم؟ ما الذي يمكن أن يحدث إذا قاموا بدورهم؟ ما الأثر الممكن أن يظهر ويساهم في المجتمع؟ وهل بإمكان النخبة أن تُحدث روحا جديدة تخترق جدران التشدد والعنف والأفكار الهدامة والإرهابية والقتل؟ وهل للمثقف ورموز القوى الناعمة دور في ذلك؟

أنا أرى أنّ دور النخبة مهم جدا، لكن السؤال: كيف يعملون؟ فنحن، للأسف، نعاني من أمراض كثيرة تصيب النخبة، أبرزها حالة الفصام بين الواقع والأحلام الذاتية، فكثير منهم يفضلون الإبداع الفردي على النزول إلى أرض الواقع، ويغلب عليهم طابع النرجسية العالية.

هناك أيضا اقتتال بينهم على النصوص والأفكار والقضايا، وانشغال بالهم الفردي أكثر من الانشغال بفكرة الوطن،
في الستينيات كان هناك مشروع وطني كبير، حول الفن أحياناً إلى كتل، وتعامل مع الناس ككتلة واحدة: الفلاحون، العمال، البسطاء، المقهورون، الطيبون.

المبدع الحقيقي هو من يظهر وقت الحاجة

- تقصد أنه بعد الأزمات الكبرى التي يتعرض لها الوطن، يتكاتف المثقفون والقوى الناعمة ليصنعوا حالة من العودة أو الأمل؟

نعم.. فبعد النكسة مثلا، ظهر التكاتف بين الفن والمثقف والشعب، لتبدأ حالة من الأمل في استعادة النصر وشحذ العزيمة، وسأذكرك بمن سجنهم عبد الناصر، ثم خرجوا ليشكروه، رغم سجنه لهم، وكتبوا فيه قصائد، مثل فؤاد حداد، الذي سُجن وكتب ديوانا كاملا بعنوان استشهاد جمال عبد الناصر.

إذن، حين تدخل البلاد في أزمة، ينتفض المثقف المصري عادة. أما المثقفون «المتوسطون» – أو من أسميهم «الميديوكَر» – فهم في كل زمن موجودون، ويشغلهم أن يكون الإبداع وسيلة للارتزاق أو للتسلق الاجتماعي، يريدون تحقيق سلطة اجتماعية في قبيلتهم أو عائلتهم أو قريتهم.

يتخذون من الإبداع مدخلا للزواج، أو لامتلاك شقة، أو للوجاهة، لكنهم في الغالب ليسوا مبدعين كبارا، وهم يعرفون قيمة أنفسهم، وهؤلاء كُثر في عصرنا.

لكن نعود إلى الأصل: المبدع الحقيقي هو من يظهر وقت الحاجة، حين يحتاجه الوطن، ولا شك أن المبدع الحقيقي مرتبط بالطبقات الثقافية العميقة لمصر، فهو يعرف معنى الوطن، ويعرف قيمة الأرض، ونحن شعب يدرك معنى التراب والدفاع عنه، لأننا على مر العصور دخلنا في حروب، سواء ضد الكيان الصهيوني أو غيره، ومن قبل حتى وجوده.

نحن في منطقة جغرافية لا مفر من مواجهتها للتحديات. لدينا مقومات هائلة: موارد بشرية، موقع طوبوغرافي فريد، نيل، بحران، بحيرات متعددة، ثروات طبيعية عظيمة، يضاف إليها ثروة إنسانية كبرى أفرزت عباقرة في الأدب والفن والعلوم وغير ذلك.

ولسنا بحاجة إلى المبالغة في القول لنعرف عظمة مصر وثقافة المصري، ورغم الهوة التي حدثت في المجتمع المصري، إلا أننا ما زلنا – وهذه ليست شوفينية – الشعب الأكثر ثقافة في المنطقة، نحن الشعب الذي ما زال يحرص على الكتاب ومعارضه، وعلى فكرة القراءة، وعلى التعلّم، وعلى الارتقاء.

- تقصد أن في الوقت الحالي الكثير من التحديات التي تحتاج تكاتفنا؟

بصراحة، أتصور أن هناك أعداء تاريخيين لمصر، والآن ظهر أعداء تكنولوجيون، إذ أصبح هناك من يسعى للسيطرة على استخدام التكنولوجيا، وعلينا أن نكون مستعدين، السلاح العسكري كان السلاح التقليدي، أما الآن فالسلاح هو المعرفة ووسائل الإعلام، وأنت ترى الدول تحارب بوسائل الدعاية، وحتى الآن يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُستخدم لنشر معلومات خاطئة كثيرة تُظهر مصر بصورة غير حقيقية.

علينا أن نجند كل المؤسسات الصحفية، بل وأدعو إلى إنشاء مؤسسة متخصصة فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، أي مؤسسة تخطط لكيفية مواجهة ما يُحاك ضدنا من خلال هذا التراكم المعرفي، الحقيقة أنهم ينقلون معلومات خطيرة للغاية، وعلينا أن نواجه ذلك بما لدينا من علم وكتب وعلماء ومفكرين يتصدرون ويقتحمون وسائل الإعلام.

يجب أن تكون الكتب والإصدارات والكلام عن علمائنا وعن رموزنا موجودة، بحيث عندما يبحث الناس يجدون معلومات حقيقية عن السياحة في مصر، عن بحيراتها، عن آثارها، عن رموزها العظماء، وعن الوضع الأمني في مصر، وعن مساراتها.

الذكاء الاصطناعي يمكن استثماره استثمارًا مهمًا جدًا، فهو ليس مجرد أداة، بل يساهم في تراكم معرفي يُمكن أن يؤدي إلى نتائج وتحليلات للواقع الصحفي والاقتصادي والسياسي في مصر، الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد آلة معرفة متراكمة، بل أصبح يُشبه خلايا المخ، بحيث يمكنه التفكير بطريقة الخلايا العصبية، وهو ما يفتح إمكانات جديدة في معالجة المعلومات.

بدلا من الوقوع في فخ العولمة والتحول إلى مجرد مستهلكين، يجب أن نبني من خلال المعرفة والسياقات التي نقدمها للعالم منتجًا ثقافيًا، ونحن من أغنى الدول ثقافيًا.

- كيف ترى خريطة الشعر والأدب الآن في مصر.. وما تقييمك لوضع الإبداع الراهن؟

مصر تاريخيًا بلد مبدع في جميع مراحلها، لكن الإبداعات تنتشر في فقاعات متقطعة، في اللحظة الراهنة، هناك العديد من الفقاعات المعتمدة على وسائل الإعلام، حيث أصبح الشعر يقدم على شكل عروض نمطية، في حفلات الزفاف، على سبيل المثال، يقدم الشعراء نماذج جاهزة، وأحيانًا تتحول هذه الأعمال إلى ارتزاق، بعض الشعراء يقدمون أنفسهم كأدوات للترفيه أو لتمجيد الذات، بدلا من تقديم الشعر الحقيقي العظيم الذي يثير الأمل ويؤكد على القيم الإنسانية والوجودية.

الحقيقة أن مصر اليوم تواجه هذا التحدي: جزء من الشعر أصبح تابعًا للتريند ووسائل التواصل الاجتماعي، يهدف لكسب الإعجابات والمتابعين، بينما الشعر الحقيقي الذي يملك قضية ويصنع الجمال الحقيقي، قليل جدا، يجب أن ندرك أن الكم الهائل من المتابعين لبعض الشعراء لا يعني بالضرورة جودة شعرهم، ويجب النظر بتمعن إلى ما يُقدّم فعليًا من محتوى أدبي.

مسعود شومان

- بما أنك أحد الكوادر الكبيرة بالهيئة العامة لقصور الثقافة، فما ردك على الانتقادات التي طالتها مؤخرا، والخاصة بإغلاق بعض الفروع في القرى البعيدة؟

أود أن أقول إن المؤسسة الثقافية الأكبر والأعظم في مصر هي الهيئة العامة لقصور الثقافة، أو ما نحب أن نطلق عليه الثقافة الجماهيرية، لماذا؟ لأنها واسعة الانتشار على مستوى الجمهورية المصرية؛ فلا توجد مؤسسة ثقافية أخرى لها هذا الانتشار.

فمثلا، إذا قلنا أكاديمية الفنون، نجد أن لها فرعًا واحدًا تقريبًا في الإسكندرية، أما الهيئة العامة للثقافة فلها فروع في جميع قرى ونجوع مصر، وبالتالي تحقق نوعا من أهداف الدولة المصرية فيما يمكن تسميته العدالة الثقافية، بمحاولة إيصال الثقافة إلى الأطراف البعيدة جدًا في كل الإقاليم الثقافية.

لدينا قصور في رأس حدربة، وفي حلايب وشلاتين، وفي السلوم، وفي سيوة، وفي جميع هذه الأماكن، وهي متنفس ثقافي لعرض المواهب.

الأمر الآخر أن قطاعات وزارة الثقافة، كل واحد منها يقدم نوعًا محددًا من الفنون، أما الثقافة الجماهيرية فتقدم جميع أنواع الفنون، بمعنى أن هيئة المسرح تقدم المسرح، وقطاع الفنون التشكيلية يقدم كل أشكال الفن التشكيلي، والفن الشعبي والاستعراضي يقدم ما يخصه، وكل ذلك موجود ضمن هيئة قصور الثقافة، بما يشمل الفرق الفنية والفن الشعبي والفنون التشكيلية.

كما أن نشاط قصور الثقافة مجاني، ويتسم بالرعاية، فهي ترعى الموهوب منذ دخوله القصر، سواء في نادي الأدب، أو الفن التشكيلي، أو الموسيقى، دون أن يدفع مليماً واحدًا لتعلم أي مهارة، طالما كان موهوبًا ومستعدًا، ويهتم الأخصائيون في القصور بتنمية هذه الموهبة.

بالطبع، هناك مشكلات واجهت هذا الكيان الكبير، مثل قدم الأبنية، وقلة الموارد، ونقص الميزانية، بالإضافة إلى خروج عدد كبير من المثقفين والنشطاء الثقافيين إلى سن التقاعد دون تعيينات جديدة، وهذا خلق نوعا من الهزة.

ومع ذلك، فهي من أكبر دور النشر حاليًا، بكتب رخيصة، ولديها مجلات مثل «أطر النادي» و«الصحافة الجديدة» و«مصر المحروسة»، كما يوجد أكثر من عشرين سلسلة في مختلف أنواع المعرفة، سواء في الفلسفة أو النقد أو الإبداع أو الفلكلور، وتستهدف جميع الأعمار.

تتميز الهيئة بمشروع كبير يُسمى «النشر الإقليمي»، لدعم أبناء الأقاليم، بعيدا عن البيروقراطية؛ إذ إن الأبناء أنفسهم هم من يفحص الكتب، ويصدرونها، ويتولون مهام التحرير والتصحيح والتصميم، بما يضمن نزاهة وجودة العمل.

المقصود أن الهيئة العامة لقصور الثقافة، مؤسسة وطنية كبيرة جدا، ويجب دعمها، لأنها تعد من أكبر حوائط الصد أمام الفساد الديني، وإذا رعت موهبة، فإنها تحمي الدولة المصرية من الخسارة الثقافية، وتدعم كل ما هو جميل وثقافي.

أما فيما يخص إغلاق بعض المنافذ، فإن تفسير ذلك هو أن الغلق لم يكن كاملا، فقد كانت هناك مواقع عديدة بحاجة لإعادة النظر، ليست جميعها ملكا للهيئة، فبعض المواقع كانت تحت إشراف جمعيات محلية، مثلا يطلب شخص إنشاء مكتبة لخدمة أبناء بلدته، بعيدا عن المواقع الرئيسية للهيئة، لكن بعض هذه الأماكن كانت في مناطق غير آدمية، بالقرب من حظائر أو في أماكن لا تليق باستقبال الجمهور أو تعليم الناس.

الأفضل في هذه الحالات هو إيجاد بدائل آدمية، وتهدف الهيئة إلى تحسين جودة المواقع الثقافية، وليس إلى الإغلاق، مؤخرًا، تم افتتاح «قصر ثقافة الطفل بجاردن سيتي» بعد التجديد، وافتُتحت أربع مواقع جديدة في شمال سيناء خلال الشهرين الماضيين: نخل وقطية والنجيلة والمساعد، وهذه المواقع عظيمة جدا، ومبنية بطريقة ممتازة.

إذن الفكرة ليست إغلاقا، بل تحسين المواقع لتليق بالثقافة المصرية، وتجذب الشباب ليحبوا الثقافة، بدلًا من المواقع المتداعية أو غير المناسبة، والتي لا تليق بمستوى الثقافة المصرية.


مواضيع متعلقة