«المعركة الخفية».. «غزو إسرائيلي» لأمريكا اللاتينية لحرمان العرب من ظهيرهم التاريخي

كتب: محمد عامر

«المعركة الخفية».. «غزو إسرائيلي» لأمريكا اللاتينية لحرمان العرب من ظهيرهم التاريخي

«المعركة الخفية».. «غزو إسرائيلي» لأمريكا اللاتينية لحرمان العرب من ظهيرهم التاريخي

بينما العالم منشغل بحرب الإبادة فى قطاع غزة، يخوض الاحتلال الإسرائيلى معركة سياسية ودبلوماسية فى الخفاء، ساحتها أمريكا اللاتينية، القارة التى لطالما كانت ظهيراً تاريخياً للقضايا العربية وفى مقدمتها فلسطين قضية القضايا، فمع تصاعد الإدانة لجرائم الحرب الإسرائيلية عبر الجنوب العالمى، تتحرك تل أبيب بسرعة لتأمين موطئ قدم فى أمريكا اللاتينية، خاصة فى الأرجنتين وبوليفيا وتشيلى، بحسب تحقيق حديث أعده موقع «ذا كرادل» الدولى، واصفاً تحركاتها بأنها «هجمات استراتيجية»، وليست بعثات دبلوماسية أو مشاريع اقتصادية، صُممت لإعادة تثبيت دولة الاحتلال فى منطقة عُرفت تاريخياً بعدائها لسياسات «الأبارتهايد» والممارسات الاستعمارية.

يأتى تقدم إسرائيل وسط أنقاض «الموجة الوردية» لأمريكا اللاتينية، عقد كامل من حكومات وسط ويسارية مناهضة للإمبريالية، تحدّت يوماً هيمنة الولايات المتحدة والاقتصاد «النيوليبرالى» المفروض من واشنطن على القارة، بعض تلك الحكومات بشّرت أيضاً بعصر محاولات مناهضة للهيمنة، عبر تعزيز السيادة الوطنية، وعلاقات «الجنوب - الجنوب»، قادها الرئيس الفنزويلى الراحل، هوجو تشافيز (1999 - 2013)، والرئيس البرازيلى، لولا دا سيلفا، وبينما تراجعت العديد من تلك المكاسب، عبر الانقلابات والابتزاز الاقتصادى والتدخل الأطلسى، الذى مهّد الطريق لحكومات محافظة موالية لواشنطن، فإن جمرات ذلك العصر تتوهّج من جديد.

وتظهر الأحداث الأخيرة فى فنزويلا، مع اقتراب أصول بحرية أمريكية من شواطئها على البحر الكاريبى، لإطلاق عملية تغيير نظام مقنّعة، أنه قد أُعيد تجهيز القيادة الجنوبية الأمريكية «ساوثكوم» للمواجهة، حيث تدرك تل أبيب أن الساعة تدق، ومع تصاعد التضامن الإقليمى ضد الإمبريالية الغربية، تُسابق إسرائيل الزمن لإحكام التحالفات والاتفاقيات الدفاعية، قبل أن يُغلقها صدع سياسى جديد، وكما فى حقبة المجالس العسكرية خلال الحرب الباردة، تستغل إسرائيل رياح التغيير فى سياسات أمريكا اللاتينية، ونمو «الصهيونية المسيحية» بين الإنجيليين المحليين، والتدخلات المباشرة لواشنطن، لتمديد عمقها الاستراتيجى فى الأمريكتين، فإن الانتخابات المقبلة فى الأرجنتين وبوليفيا وتشيلى ستكون مباريات حاسمة فى هذه اللعبة.

فيما يخص الأرجنتين، فإنها دولة بُنيت بفضل الهجرة، ففى مطلع القرن العشرين، استقبلت تدفقاً كبيراً من المهاجرين العرب من الدولة العثمانية، معظمهم من المسيحيين السوريين واللبنانيين، تلت ذلك موجات أصغر من المهاجرين المسلمين، كما تستضيف واحدة من أكبر الجاليات اليهودية فى الأمريكتين، وخلال العقود الأربعة الأخيرة، شاب علاقات الأرجنتين مع غرب آسيا تفجيران بارزان، عام 1992 ضد السفارة الإسرائيلية فى بوينس آيرس، وعام 1994 ضد مركز الجالية اليهودية «أميا»، وقد وُجّهت أصابع الاتهام فى الحادثين، دون أدلة قاطعة، إلى «حزب الله» وإيران، من قبل مسئولين إسرائيليين وأمريكيين وبعض المسئولين فى الأرجنتين.

وفى ظل حكم الرئيس المعلن عن نفسه «ليبرتارى»، خافيير ميلى، أصبحت الأرجنتين الحليف الأكثر حماسة لتل أبيب فى المنطقة، لكن دعم «ميلى» لإسرائيل لا يستند إلى القيم الليبرتارية، التى تؤكد تقليدياً على عدم التدخل والريبة تجاه التشابكات الخارجية، بل هو «صهيونية إنجيلية» تصوّر الأرجنتين وإسرائيل كأوصياء مشتركين على «الحضارة اليهودية - المسيحية»، وبدأ فترة رئاسته ببيع بعض الأصول المملوكة للدولة، فاتحاً الباب أمام شركات إسرائيلية، مثل «ميروكت»، للسيطرة على البنية التحتية الحيوية، تحت ذريعة «الكفاءة»، وكذلك، وزيرة الداخلية، باتريسيا بولريتش، المعروفة بميلها لإسرائيل، فقد أعادت إحياء روايات مشكوك فيها حول وجود «حزب الله» بمنطقة المثلث الحدودى، لتبرير تعميق التعاون الأمنى الإسرائيلى ضد «أنشطة إرهابية مزعومة»، كما عقدت الأرجنتين عدة صفقات عسكرية مع إسرائيل، شملت طائرات مسيّرة ورادارات وزوارق.

ورحّب الرئيس الأرجنتينى علناً بالهجوم الإسرائيلى - الأمريكى على إيران، وصرح بأن «إيران عدو للأرجنتين»، وقد سجلت طهران هذا التصريح فى شكوى رسمية للأمم المتحدة، محذرةً من أن مثل هذا الخطاب قد يجرّ بوينس آيرس إلى مواجهة لا علاقة لها بمصالحها الوطنية، وكذلك نددت شخصيات فى المعارضة الأرجنتينية بتلك التصريحات، واعتبرتها «متهورة، وخضوعاً خطيراً لأجندة أجنبية».

وبالنسبة للتحركات الإسرائيلية فى بوليفيا، فقد استغلت تل أبيب حالة عدم الاستقرار السياسى فى أعقاب «انقلاب 2019»، الذى أطاح بالرئيس إيفو موراليس، والذى كان يمثل رمزاً للمقاومة القارية، حيث أصدر قراره بقطع العلاقات مع تل أبيب، وطرد السفير الإسرائيلى فى عام 2009، وإدانته لإسرائيل كـ«دولة إرهابية» عام 2014، كما أقام شراكات جديدة مع إيران وروسيا والصين، إلا أن الانقلاب المدعوم أمريكياً عام 2019، الذى جاء بجانين آنيس للسلطة، قلب هذه المكاسب، فحكومتها لم تستعد العلاقات مع إسرائيل فحسب، بل طلبت مساعدتها لقمع احتجاجات السكان الأصليين، أما وزير داخليتها، أرتورو موريلو، فقد دعا إسرائيل لتشكيل قوات مكافحة إرهاب جديدة فى بوليفيا، قائلاً: «إنهم معتادون على التعامل مع الإرهابيين، يعرفون كيف يتعاملون معهم».

ومع أكبر جالية فلسطينية خارج العالم العربى، كانت تشيلى عقدة أساسية فى مقاومة التطبيع الإسرائيلى، فالرئيس المنتهية ولايته، جابرييل بوريك، اشتبك علناً مع السفير الإسرائيلى، جيل أرتزيلى، الذى استهدف بشراسة الأصوات المؤيدة لفلسطين فى المجتمع والسياسة التشيلية، واتخذت إدارة «بوريك» خطوات فعلية لقطع الروابط، شاركت فى رفع دعاوى إبادة ضد إسرائيل فى محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، ومنعت شركات الأسلحة الإسرائيلية من المشاركة فى أحد المعارض الجوية، وبدأت تفكيك عقود من التعاون الدفاعى. ومع ذلك، انتقد كثير من النشطاء التشيليين الرئيس بوريك، بسبب رفضه قطع العلاقات الدبلوماسية بالكامل، والآن، مع اقتراب الانتخابات فى نوفمبر، قد تُمحى هذه المكاسب، كما فى الأرجنتين وبوليفيا، ومن المرجح أن تكون الإدارة المقبلة بقيادة محافظين موالين لإسرائيل، قوى المعارضة اليمينية انتقدت معظم قرارات «بوريك» تجاه إسرائيل، زاعمة أن فقدان «شريك استراتيجى» قد يهدد أمن تشيلى القومى.

وأشار موقع «ذا كرادل» إلى أن هناك نقاشات تجرى حالياً فى تشيلى لتصنيف «حزب الله» كمنظمة إرهابية، كما فعلت الأرجنتين مؤخراً، وفى أبريل الماضى، سافرت باتريسيا بولريتش إلى سانتياجو، للدفع بهذا الاتجاه، واختتم التقرير بالقول إن الأرجنتين تحولت إلى قاعدة متقدمة لتل أبيب، وبوليفيا تواجه احتمال الارتداد، وتشيلى قد تلحق بهما قريباً، فما يحدث فى هذه الدول، خلال الفترة المقبلة، سيقرر ما إذا كانت دولة الاحتلال ستثبت حضوراً دائماً فى أمريكا اللاتينية، أم أن مقاومة قارية متجددة ستغلق الباب أمام طموحاتها.


مواضيع متعلقة