كتاب «الإسلام السياسي» (3)

فى كتابه «الإسلام السياسى»، يرى المستشار محمد سعيد العشماوى أن الفهم الحرفى للقرآن فى قضية «الحاكمية» صنع قضية أخرى مرتبطة بها فى جانب منها وهى «التكفير»، وهنا يرى «العشماوى» أن لفظ الكفر فى القرآن لا يعنى دائماً الكفر بالله، إنما التغطية والإنكار. لكن الجماعات والتنظيمات المتطرفة أفرطت فى استعماله لتنعت به كل من يختلف معها ويفند أفكارها، وتعده خصماً بل عدواً، وترميه بالكفر، كى تُسقط عنه مكانته عند عموم الناس، وتستبيح دمه، والأهم من هذا هو اغتيال أفكاره وتصوراته، عبر تشويهها، والتشكيك فى صاحبها، كى يصبح بينه وبين الناس حجاب.

والحاكمية ارتبطت أيضاً بما سمَّته الجماعات والتنظيمات المتطرفة بـ«الحكومة الإسلامية»، وهو تعبير يرد عندها بغير توضيح ولا تحديد، وكان كل فرد يستعمله وفق انطباعه وآماله وفهمه الخاص، لكن الجميع يتفقون على أنها الحكومة التى تطبق الشريعة الإسلامية. ومع أن أغلب النظم العربية والإسلامية تجعل من الشريعة أو مبادئها أصلاً من أصول التشريع، بما يجعل كثيراً من القوانين مستمدة منها، فإن هذه الحكومات فى نظر المتطرفين ليست بـ«إسلامية» بل يتعاملون معها على أنها تعادى الإسلام.

وهنا يتساءل الكاتب: إذا كانت الحكومة الإسلامية هى التى تؤسس على العدل، وتنبنى على الأخلاق، وتهدف إلى نشر الإيمان، حسبما يصفها أتباع الإسلام السياسى، فماذا يمكن أن يُقال عن حكومة تقوم على الأسس نفسها، وتتبع البناء ذاته، وترمى إلى الهدف عينه، لكنها لا تتبع أياً من الجماعات والتنظيمات التى ترفع شعار «الإسلام هو الحل»؟ وماذا عن حكومات شكَّلها المنضوون تحت هذا الشعار وفسدت وظلمت؟

وتقوده هذه الأسئلة إلى الرد على آراء المتشددين حول حكومتهم المبتغاة، التى ستكون بالضرورة «حكومة دينية» على غرار هذه التى سادت فى القرون الوسطى، ثم يرد على من قالوا إن الإسلام «دين ودولة» ويبرهن على أنه «دعوة دينية» بالأساس، وأن هناك دلائل عديدة تؤكد أن القرآن يقر حكماً مدنياً، يستمد شرعيته من إرادة الشعب، وليس من تفويض إلهى، كما يريد المتطرفون، وأن الإسلام، الذى يحمل فى جوهره قيماً عامة بوسعها أن تواكب كل تطور، لن يجافى أبداً الشرعية الدستورية والقانونية، بوصفها شكل الحكم العصرى، ويقول: «الحكومة الإسلامية الحقيقية بعد حكم النبى (صل الله عليه وسلم) هى حكومة يختارها الناس بحرية مطلقة، ويستطيعون المشاركة فيها طبقاً لكفاياتهم وقدراتهم، ويراقبون تصرفاتها مراقبة ذات فاعلية، ويستطيعون تغييرها، إن أرادوا، دون أن تسيل دماء أو يتهمون بالكفر والإلحاد».

وفى الجهاد يبين أنه لا يعنى التوسع والإغارة والهجوم على الآخرين لضم أرضهم وإخضاعهم لحكم المسلمين، إذ إن القرآن يتحدث عن «جهاد الدفع»، الذى يقر بأن الحرب دفاعية وعادلة، وغير ذلك لا تكون له علاقة برسالة الإسلام، إنما بأطماع البشر، وتوظيفهم الدين فى خدمتها. وفى هذا يبرز فى نظره الجهاد الأكبر الذى أقر به الإسلام، وهو جهاد النفس كى تصفو وتسمو، وامتلاء الروح بكل يقين وخير، ورقى السلوك.

ويفند الكاتب الكثير من تصورات المتشددين حول تحويل الإسلام كدين إلى «قومية»، وهى مسألة تتعارض تماماً مع كونه رسالة للبشرية جمعاء، وتؤدى إلى جعله مادة للصراع السياسى والمذهبى، وهو ما تم بالفعل من خلال الجماعات المتطرفة عند السنة والشيعة معاً.

وينتهى الكاتب إلى أن «الإسلام السياسى» هو امتداد للخوارج، عبر تبنيه لفكرة أن السياسة جزء من الإسلام وأنها فرض على كل مسلم، وزعمه أن جماعته هى «جماعة المسلمين» أو ما تمثل «صحيح الإسلام»، وفرضه آراءه وقراراته واتجاهاته بالقوة والعنف والاغتيال والحرب، بما يسبب ضرراً بالغاً للمشروع الحضارى الإسلامى الذى لا يمكن أن يقوم فى عزلة عن العالم، ولا يستمر فى ظل رفض للتفاعل الخلاق مع كل تقدم يحققه البشر.