من يبعث الورد الأحمر لا يبحث طويلا

«لم يكن نسيان بليغ سهلاً. زوج يوقظها كل صباح بالورد. يصحو قبلها ويذهب إلى المكتب، وأول ما يفعله هناك أن يرسل لها سلة ورد. لم يتخلف عن تلك العادة طيلة سبع سنوات من حياتهما المشتركة.. إلا حين يكون مسافراً. ورد أبيض أو أصفر لأنها لا تحب الأحمر. تعتبره متوفراً. ومن يبعث الورد الأحمر لا يبحث طويلاً».

الفقرة السابقة من مقال «وردة وبليغ» للصحافية والروائية العراقية إنعام كجه جى، والمنشور قبل عامين فى صحيفة «الشرق الأوسط»، وهو مقال لطيف وراقٍ وعذب، ذكرنى به (فيس بوك). فقد نشرته وقتها معجباً به وشاكراً الست إنعام على إمتاعنا الدائم بكتاباتها الرشيقة، وإثراء وجداننا بمشاعر دافئة تزرعها بحنان بين سطورها بشكل عفوى، وأحياناً تكون مقصودة.

وقد توقفت وأنا أعيد قراءة المقال من جديد أمام فقرته الأخيرة (المنشورة أعلاه) والتى ترسم لنا لوحة جديدة تحمل معانى ربما تكون اندثرت، وتجسد ملمحاً من ملامح أشهر قصص الغرام العربية، قصة «العيون السود»، وردة وبليغ. القصة التى خلدها الفن ومنحها سياجاً أسطورياً متفرداً بين كل قصص الحب، بفضل ما تركه بطلاها من إرث فنى خالد ارتبط فى أغلبه بمشاعرهما خلال مشوار الغرام الممتد.

بالطبع، ستتحسر بعض نسائنا الفضليات ممن لا يصلهن إلا السباب والشتيمة كل صباح، ممن لم يعرفن ملامح الورد حتى لو كان صناعياً، من شلة يسرية فى الفيلم المعروف «أحلى الأوقات» التى ما زالت تصرخ فى زوجها: «عايزة ورد يا إبراهيم»، بينما برهومة يشتاق إلى البصل ورائحته بعد أن عز عليه الحصول عليه بسبب جنون أسعاره.

بين البصل والورد صراع الواقع والخيال، قصدت أن أوقظكم من حلم ورومانسية صديقتى الأديبة العراقية، والتى تروق لنا جميعاً ونتمنى أن نحياها أبداً، لكننا فى ظل واقعنا المرير نحتاج أن نخترع رومانسيتنا التى تناسب ظروفنا، فالورد بألوانه النادرة هدية بليغ اليومية التى حرص عليها، توازى اليوم كيلو البصل الذى يناضل إبراهيم ليجمع ثمنه ومعه صنف أو صنفان من الخضراوات والفاكهة، وإن حن عليه الزمن بحزمة نعناع لزوم كوبايتين شاى بالنعناع.. يبقى عظمة.

إلى كل زوجاتنا الحالمات، لو تذكرك زوجك بلبانة (كلورست) من أم اتنين جنيه أو باكو بسكويت بالعجوة (أوكلر)، أو كيس شيبسى (بالسى سولت) فاعلمى أنه بليغك العاشق، فلا تفرطى فى حبه الكبير، ولا تفسدى قصتكم بتعطشك لوردة (مش حمراء).

وعلى ذكر قصة (وردة وبليغ)، حكى لى كاتب زميل أقدر موهبته رغم تحفظى على أفكاره، أنه دأب لأكثر من عشر سنوات يهدى زوجته فى كل مناسبة باقة ورد بديعة كان يتفنن فى اختيار زهورها، ويتجلى فى صياغة أعذب كلمات الحب فى الرسالة التى تصاحب كل باقة، وكان يتعمد أن تفاجئها هديته، وكانت تفاجأ وتنبهر وتسعد بورده الذى كانت تحبه أحمر للمفارقة، وتحب معه الورد البلدى ذى الرائحة العطرة المميزة.

لكنها بعد عشرات الباقات من الزهور الطبيعية وآلاف الجنيهات التى صرفها ساذجاً ليشترى تلك الورود التى ذبلت بين يديها، فاجأته بأن الهدية الوحيدة التى تعترف بها هى الذهب (ولا شىء غير الذهب وعيار 24 كمان)، فسألها مصدوماً: «وماذا عن الورد؟»، الذى كانت تحتضنه كل مرة بسعادة وتقبله، أكملت عليه موضحة بأنها كانت «تجبر خاطره».

لم تفلح زهور بليغ غير الحمراء، ولا زهور صاحبى الحمراء، فى أن تغير النهايات، ولا فى أن تفك شفرة (الستات) وتحل لغز الحياة، وسؤال كل الأجيال: هى «البنات عايزه إيه؟»، وهو السؤال الذى فشل صناع الفيلم الشهير سنة 1980 فى الإجابة عنه، فما بالنا اليوم سنة 2025.

وربما يختصر الراحل الأستاذ أنيس منصور المسألة فى واحدة من أشهر الأقوال المنسوبة إليه: «المرأة ليس لها مبدأ.. فهى إما فوق المبادئ أو تحت المبادئ».

والله أعلم.