رحلة «البيجر» من المصنع السري إلى حزب الله.. شبكة شيطانية زرعت الموت في قلب لبنان

كتب: محمد عبد العزيز

رحلة «البيجر» من المصنع السري إلى حزب الله.. شبكة شيطانية زرعت الموت في قلب لبنان

رحلة «البيجر» من المصنع السري إلى حزب الله.. شبكة شيطانية زرعت الموت في قلب لبنان

في إحدى ليالي سبتمبر 2024، بدأت عادية وانتهت على غير المتوقع، بعد ساعة تقريبًا من غروب الشمس، دوّى في بيروت صوت انفجارات لم تأت من صاروخ أو غارة إسرائيلية كالمعتاد، وإنما من أجهزة صغيرة كانت مُعلقة في الأحزمة والجيوب، أجهزة «البيجر» التي استخدمها عناصر حزب الله كوسيلة اتصال آمنة، تحولت فجأة إلى شظايا معدنية أصابت الأجساد وأغرقت المستشفيات بالمصابين.

ليل بيروت.. هنا كانت لحظة تحول

دقائق قليلة كانت كفيلة بتحويل الضاحية الجنوبية إلى مشهد فوضوي أشبه بعملية اغتيال جماعي، حرب غير مرئية تُشن عبر دوائر إلكترونية، في حرب طويلة استمرت بين إسرائيل وحزب الله، حتى إعلان وقف إطلاق النار.

هذه اللحظة الدامية لم تكن سوى الفصل الأخير في قصة بدأت بعيدًا عن بيروت، في مصانع سرية بأوروبا الشرقية، صُممت الأجهزة لتبدو طبيعية من الخارج، بينما في قلبها بطاريات موت دقيقة، من هناك انطلقت الشحنات داخل حاويات عابرة للموانئ الدولية، مصحوبة بأوراق قانونية وبأختام شركات واجهة، أي وهمية كل ختم كان غطاء، وكل شحنة كانت خطوة جديدة في بناء شبكة «توريد شيطانية» صُممت لتصل إلى حيث لا يتوقع أحد.

البيجر

من المصنع السري إلى الجيب

وعبر تجار وسطاء وشركات لوجستية تعمل في الظل، قطعت الأجهزة آلاف الكيلومترات، قبل أن تصل إلى المخازن داخل لبنان ومنها إلى يد عناصر حزب الله اللبناني، رحلة معقدة تم التخطيط لها منذ سنوات، انتهت في ثوان، عندما انفجرت «البيجر» في جيوب مستخدميها، لتزرع الموت في قلب العاصمة، ورغم مرور عام على العملية التي وصفت بـ«أقوى عملية استخباراتية في القرن العشرين»، إلا أنها تحمل في طياتها «شبكة شيطانية»، خططت ونفذت العملية.

شبكة توريد شيطانية

على مدار عام كامل، تابعت «الوطن»، تفاصيل عديدة نُشرت حول انفجارات أجهزة «بيجر»، ورسمت خطوطًا للشركات التي ارتبط اسمها بالعملية، وتواصلت مع 4 محللين استخباراتيين ومسؤولين سابقين، هم البروفيسور بروس شناير، خبير عالميٌ في تكنولوجيا الأمن، وجيفري روج، باحث بمعهد الأمن العالمي والقومي بجامعة جنوب فلوريدا الأمريكية، ومايك ميلروي، نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، وليون بانيتا، وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، وتابعت أكثر من 50 تقريرا صحفيا في أكثر من دولة، لتصل في النهاية، إلى كواليس رحلة «البيجر» من المصنع السري إلى يد حزب الله.

بذرة الخداع في تايوان

في أروقة مصنع بتايوان، بدأت رحلة أجهزة البيجر، كانت شركة Gold Apollo، الاسم الكبير الذي ظهر على واجهة كل جهاز، شعار يوحي بالأمان، لكن وراء هذا القناع كان هناك عالم آخر، الشركة التايوانية نفسها لم تصنع هذه الأجهزة، اكتفت بمنح ترخيص لاستخدام علامتها، تاركة المجال لشبكة خفية أسسها الموساد الإسرائيلي لتصميم جهاز يبدو عاديًا، لكنه مُحمل بالموت، كل دائرة كهربائية، كل زر صغير، كان مخططًا بعناية لتصبح أداة شيطانية في يد من يعرف كيف يفعلها.

محطة الموت في بودابست

من مصنعه بتايوان، انتقلت الأجهزة إلى شركة BAC Consulting في بودابست بالمجر، وهي إحدى الشركات الوهمية، أو كما تُعرف بشركات الواجهة، أسسها «الموساد» لهذا الغرض تحديدًا، حيث جُهّز الطراز الشهير AR-924، ثم حصلت الشركة على الأجهزة من Gold Apollo لاستخدامها العادي والآمن، دون أن تعرف الشركة التايوانية، ماذا سيحدث لمنتجاتها.

فن الخداع.. الشركات الوهمية

هناك، بين جدران الشركة المجرية الوهمية، تحولت الأجهزة تدريجيًا إلى آلات يمكنها حصد الأرواح، كل جهاز خضع لفحص دقيق، كل شحنة كانت مُغطاة بطبقة من التمويه، بعد ذلك، تولّت Frontier Group Entity الدور التجاري، كانت الشركة الوسيطة التي وزعت الأجهزة، وسلمتها إلى شبكات من شركات وسيطة أخرى، لتصل في النهاية إلى حزب الله.

كل خطوة، كل ورقة، كانت جزءًا من تمويه متقن، شحنة الأجهزة توقفت في مخازن سرية تابعة للموساد الإسرائيلي، حيث أدخلت بعض التعديلات أو أضيفت مكونات سرية قبل الشحن إلى لبنان، كل توقف، كل ختم على المستندات، كان طبقة إضافية تخفي الحقيقة عن أي مراقب.

لم تكن مجرد أجهزة، بل كانت بداية شبكة توريد معقدة، مسارها محمي بالقوانين، ومستعدة لتخطي القارات والمواني دون أن يلتفت إليها أحد.

وعندما وصلت إلى لبنان، بدأت الأجهزة تنتقل عبر موزعين محليين، إلى جيوب عناصر حزب الله، أجهزة صغيرة، تبدو كأدوات اتصال عادية، لكنها في الواقع كانت فخًا قاتلًا.

ومع حلول سبتمبر 2024، كانت الضاحية الجنوبية تنتظر غارة إسرائيلية، انفجرت الأجهزة في لحظات معدودة، مزقت الأجساد، أغلقت الطرقات، وأغرقت المستشفيات بالمصابين، وتمر اليوم، الذكرى الأولى على اللحظة الدامية.

رحلة بدأت من مصنع في بودابست، مرورًا بـFrontier Group Entity وشركات وسيطة، وصولًا إلى يد حزب الله، لتصبح بيروت مسرحًا لأخطر عمليات الاستخبارات.

هذه الشبكة، التي بدا أنها مجرد توريد لأجهزة اتصال، كانت سرية ومعقدة، مرعبة، فيما يعرف بعملية «سلاسل التوريد»، وكل خطوة فيها محسوبة، إنها لعبة صنعت الموت وزرعته في قلب لبنان، حيث كل لحظة كانت محسوبة، وكل ثانية كانت قاتلة.

البيجر

الوجه الآخر لشركات الاستخبارات

تلك الشركات الوهمية، هي شركة تبدو عادية تمامًا، شعارها واضح على واجهات مكاتبها، موظفون يدخلون ويخرجون يوميًا، منتجات تُباع للعملاء، وموقع إلكتروني يقدم خدماته كأي شركة أخرى، بينما أخرى، مجرد اسم فقط، لا يديرها أحد، وليس لها مقر أو حتى موقع إلكتروني، وهو ما حدث في شركة Frontier Group Entity، حتى مقرها غير معروف.

حاولت الوصول إلى حقيقة تلك الشركة، لكن دون جدوى، فقط هي شركة متعددة الجنسيات، وليس لها وجود، فبحثنا بطرق أخرى عن اسم Frontier Group، ولم نجد سوى شركات في مجال البناء والاستدامة فقط.

في القرن الماضي، ظهرت قصة Crypto AG، الشركة السويسرية التي بدأت كشركة لتصنيع أجهزة التشفير الموجهة للحكومات والمنظمات الكبرى، على الورق، كانت شركة عادية، تبيع أجهزة عالية التقنية بأسعار ضخمة، ولها مكاتب في دول متعددة، وموظفون خبراء في التشفير، لكن خلف هذا الوجه القانوني، كانت وكالة المخابرات الأمريكية «CIA» وجهاز المخابرات الألماني«BND» اشترتها سرًا، لتتحكم في الأجهزة وتزرع فيها ثغرات تسمح لهم بالتجسس على الدول التي تستخدمها.

هشاشة سلسلة التوريد

يقول جيفري روج، باحث بمعهد الأمن العالمي والقومي بجامعة جنوب فلوريدا الأمريكية، إن استخدام الشركات الواجهة قد لا يكون مفاجئًا لأجهزة الاستخبارات أو الباحثين في المجال نفسه، لكن عملية أجهزة النداء، كشفت عن مدى هشاشة سلسلة التوريد أمام جهة استخباراتية متطورة قادرة على الحفاظ على السرية والصبر الاستراتيجي.

يضيف، خلال حديثه مع «الوطن» لتحليل ومناقشة عملية سلاسل التوريد في انفجارات «بيجر»، أن أجهزة النداء مُرخصة للتصنيع من قِبل جهة خارجية استخدمت العلامة التجارية لشركة «جولد أبوللو» التايوانية، القادرة على صناعة ذلك النوع من الأجهزة، لكنها لم تُنتج الأجهزة التي كانت تحمل المتفجرات: «يبدو أن الموساد أنشأ شركة واجهة تُدعى BAC Consulting، وتعاقد مع أبولو جولد لإنتاج أجهزة النداء، كما أنتجت BAC أجهزة نداء لعملاء آخرين أيضًا».

زعمت الشركة المجرية أنها لم تُصنّع أجهزة النداء، بل كانت مجرد وسيط لشركة تصنيع تعاقدت معها لإنتاجها، في هذه النقطة، يُفسر «روج» ذلك قائلًا: «إذا بدا كل هذا غامضًا، فهذه هي النقطة تحديدًا، إن إنشاء طبقات متعددة من الشركات والعقود والاتصالات يُساعد على إخفاء دور جهاز الاستخبارات والدولة المعنية».

يؤكد أيضًا أن أي دولة أو جهاز استخبارات لا يستخدم شركة حقيقية لتنفيذ عملية كهذه، فالضرر الحقيقي الذي قد يلحق بالسمعة ويترتب عليه مسؤولية قانونية، إذا ثبت أن شركة ما كانت تعلم، أو كان ينبغي لها أن تعلم، باستغلالها من قبل جهاز استخبارات، سيؤثر سلبًا على السوق العالمية.

يضيف: «تخيّل لو أن الدول وأجهزة الاستخبارات في جميع أنحاء العالم استخدمت شركات حقيقية لتنفيذ عمليات تلك العملية، ستتراجع ثقة المستهلكين في الشركات، وستنشأ دعاوى قضائية وانتهاكات للعقود تعيق التجارة العالمية، وقد تنهار العلاقات الاقتصادية بين الدول، سيكون ذلك مدمرًا للاقتصاد العالمي».

جمع معلومات واستهداف في آن واحد

استخدم «الموساد» أجهزة اتصالات لاسلكية معدلة لجمع المعلومات الاستخباراتية عن حزب الله، حيث ظلت تلك الأجهزة معهم فترة طويلة (غير محددة)، ويضيف: «كان بإمكانه استخدام إشارات استخباراتية مُجمعة من الهواتف المحمولة أو أجهزة الاتصال اللاسلكي لاستهداف حزب الله باستخدام وسائل تقليدية كالطائرات والمسيرات أو العمليات الخاصة»، لكن ما يميز عملية أجهزة النداء هو أن الموساد حوّل ما كان يعرف تقليديًا بمنصات جمع المعلومات إلى منصات جمع واستهداف في آن واحد.

كانت عملية انفجارات أجهزة «بيجر» جزءًا من خطة استراتيجية أوسع، نُفِّذت ببراعة، حيث نسقت إسرائيل سنوات من جمع وتحليل المعلومات الاستخبارية مع عملية سرية متطورة للغاية.

سلاسل التوريد الهشة.. أمن العالم في خطر

وبحسب المحللين الاستخباراتيين على دراية بالتفاصيل التي سبقت عملية انفجارات «بيجر»، دفعت تلك العملية وتفاصيلها، والجهات الفاعلة إلى إعادة النظر بعناية في نقاط ضعف سلسلة التوريد الخاصة بها، وتعيش حالة من القلق، فقد كشفت عن تطورات غير مسبوقة في تلك العملية، التي كانت تستخدم في السابق في تهريب ممنوعات أو مخدرات أو أي شيء مادي خارج عن القانون، وليس المتفجرات أو خلال الحرب.

يقول البروفيسور بروس شناير، وهو خبير عالمي في تكنولوجيا الأمن، إن أجهزة الاستخبارات تنشئ شركات وهمية، كأي شركة عادية، لكن الفرق، أنها تحتوي على طبقة من الإخفاء والتلاعب، واصفًا سلاسل التوريد حول العالم بـ«الهشة للغاية»، وأيضًا شديدة التعرّض من خلال شركات غير وهمية.

وأكد أيضًا وفقًا لمعلوماته، أن الشركات الواجهة، مستمرة منذ الحرب الباردة: «أراهن بملايين الدولارات أن هذه الممارسة أقدم من ذلك بقرون».

الدرس المرعب: ما بعد البيجر؟

لم تكن عملية «البيجر» مجرد فصل دموي في الصراع بين إسرائيل وحزب الله، بل كانت جرس إنذار عالمي حول هشاشة سلاسل التوريد، وكيف يمكن تحويل أبسط الأجهزة إلى سلاح قاتل عبر شبكة من الشركات الوهمية والواجهات التجارية.


مواضيع متعلقة