مروان البرغوثي.. مهندس الانتفاضة ومصدر فزع الاحتلال

كتب: محرر

مروان البرغوثي.. مهندس الانتفاضة ومصدر فزع الاحتلال

مروان البرغوثي.. مهندس الانتفاضة ومصدر فزع الاحتلال

كتب : محمد على حسن وماريان سعيد

منذ أكثر من أربعة عقود يسطع اسم مروان البرغوثى كبرق فى سماء فلسطين المكبَّلة بالاحتلال، ليس مجرد قائد سياسى ولا أسير يُعزل خلف جدران الزنازين، بل مدرسة كاملة فى الكفاح والوحدة، وجسر جمع بين الأجيال والفصائل والتيارات، حتى تحوَّل إلى خطر لا يزول، سواء كان حراً أو معتقلاً فى سجون الاحتلال، فهو رمز من رموز الانتفاضة الثانية وقائد عاش المقاومة كأسلوب حياة.

رئيس حملة إطلاق سراح «البرغوثى»: لعب دوراً محورياً فى صياغة وعينا السياسى والنضالى.. وأول من قرأ المشهد الفلسطينى بوضوح وكشف مخطط حكومة اليمين

«مروان البرغوثى شكَّل وعينا السياسى والنضالى»، بهذه الكلمات بدأ الدكتور أحمد غنيم، القيادى بحركة فتح وعضو لجنة المتابعة فى المؤتمر الوطنى الفلسطينى، ورئيس حملة إطلاق سراح مروان البرغوثى، تصريحاته لـ«الوطن»، مؤكداً أن علاقته بمروان تعود إلى تاريخ طويل، قبل الانتفاضة الأولى، مروراً بالثانية، وحتى مراحل تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية: «نحن من جيل واحد، وقد لعب مروان دوراً محورياً فى صياغة وعينا السياسى والنضالى، منذ دخولنا جامعة بير زيت، حين ترأس مجلس الطلبة، كان حضوره مختلفاً، ووعيه مبكراً، جعله يتقدم الصفوف دائماً، بدءاً من اعتقاله الأول فى سجن طولكرم وهو فى ريعان الشباب، وصولاً إلى أدواره القيادية اللاحقة»، كما يصفه رفيقه.

تقدَّم صفوف الشباب فى مسيرة حاشدة ليهتف ويجمع الناس من حوله احتجاجاً على اقتحام «شارون» للمسجد الأقصى

يتحدث «غنيم» عن «مروان» بكل حماس وفخر: «مروان حمل الانتفاضة الأولى على كتفيه، وكان من أبرز قياداتها الميدانية، حتى إن كلمة انتفاضة دخلت القواميس العالمية وصارت تُلفظ بكل اللغات، وصار اسم مروان قريناً لها فى المخيلة الفلسطينية».

وُلد مروان البرغوثى فى قرية كوبر، شمال غربى مدينة رام الله، فى السادس من شهر يونيو من العام 1958، وانخرط فى حركة «فتح»، الفلسطينية فى سن الخامسة عشرة، وعند بلوغه الثامنة عشرة عام 1976، ألقت القوات الإسرائيلية القبض عليه، وسُجن فترة فى معتقلات الاحتلال الإسرائيلى، حيث تعلَّم خلالها اللغة العبرية فى السجن، ويُلقب مروان البرغوثى بـ«عميد الأسرى» و«مانديلا فلسطين»، فهو أحد أقدم وأشهر الأسرى الفلسطينيين، كما يُنظر إليه على أنه رمز عالمى للنضال، على غرار نيلسون مانديلا فى جنوب أفريقيا، وتعرَّض البرغوثى للاعتقال والمطاردة طوال سنوات حياته الجامعية، حيث اعتُقل عام 1984 عدة أسابيع فى التحقيق، وأعيد اعتقاله فى مايو 1985 إلى ما يقرب من شهرين فى التحقيق، ثم فُرضت عليه الإقامة الجبرية فى العام ذاته.

مع بداية الألفية الجديدة، كان مروان يحتل موقعاً سياسياً بارزاً، كعضو فى المجلس التشريعى المنتخب، وعضو فى المجلس الثورى لحركة فتح، وأمين سر اللجنة الحركية العليا فى الضفة الغربية، أى القائد الفعلى للحركة فى الميدان، وفى لحظة تاريخية، تبيَّن له ولرفاقه أن الاحتلال عبث بكل أسس التسوية السياسية التى بُنيت على مبدأ «الأرض مقابل السلام». إسرائيل لم تكن تفاوض على السلام بقدر ما كانت تغير الوقائع على الأرض، وتلتهم الأراضى، وتؤجل الملفات الجوهرية وعلى رأسها القدس، الحدود، اللاجئين، ليأتى اقتحام أرييل شارون، رئيس وزراء الاحتلال آنذاك، للمسجد الأقصى المبارك فى سبتمبر 2000، الذى كان بمثابة الشرارة التى فجَّرت الغضب الفلسطينى.

يقول «غنيم»، وهو يتذكر ذاك اليوم الذى لا يغادر ذاكرته: «كنا معاً فى ذلك اليوم، كنا نعرف أن زيارة شارون ستقلب المشهد، وهنا مروان استخلص العبرة سريعاً، بعدما أدرك أن التيار اليمينى فى إسرائيل صعد ليستولى على الحكم وينقلب على كل الاتفاقيات، ما جعله يدعو إلى مسيرة جماهيرية وإلى وجود قيادات «فتح» فى «الأقصى» للتصدى للاقتحام، وكان ذلك إيذاناً باندلاع الانتفاضة الثانية، ومع اندلاع الانتفاضة الثانية بدا كأن البرغوثى قد وُلد من جديد فى عيون الفلسطينيين، لم يعد فقط نائباً فى المجلس التشريعى الفلسطينى، ولا مجرد قائد فى حركة فتح، بل صار رمزاً للجيل الذى قرَّر أن يكتب بالدم ما عجزت الكلمات عن تثبيته، حمل الحجارة كما حمل البيان السياسى، قاد التظاهرة والمفاوضات الداخلية، وجمع بين صورة الابن الذى ينتمى للشباب فى الشارع والأخ الذى يلجأ إليه القياديون».

الاحتلال يخشاه أسيراً لأنه يعرف أن روح الانتفاضة لا تُسجن.. وحريته ستلعب دوراً فى وحدة الشعب الفلسطينى

«المشهد لا يُمحى من الذاكرة، آلاف الجنود الإسرائيليين احتشدوا داخل الحرم القدسى الشريف وحوله، فى مشهد يُظهر اختلال ميزان القوة، الحواجز أُقيمت لمنع الفلسطينيين من الوصول من رام الله وبيت لحم وكل مدن الضفة، بل حتى من أحياء القدس نفسها، لكن مروان ورفاقه كانوا قد وصلوا مبكراً إلى المسجد الأقصى، ودخلوا رغم الأطواق العسكرية. أذكره بوضوح، كان يتقدم الصفوف، يرفع يده بصوته وعزيمته يشدُّ الناس من حوله، فى مواجهة مباشرة مع جنود الاحتلال المدجَّجين بالسلاح، الذين احتلوا الأسطح والساحات، كان أمام سبيل قاسم وبركة النارنجة، والجند يحيطون بنا من كل جانب، رفع صوته عالياً ليؤكد أن إرادة الفلسطينيين لن تنكسر أمام غطرسة المحتل الإسرائيلى»، بحسب وصف غنيم لـ«الوطن».

ووفقاً لصديق مروان البرغوثى، فإن ذلك الموقف، الذى جمع القيادات الوطنية والجماهير، رسَّخ قناعة لدى الجميع أن التسوية السياسية لم تكن سوى فخ، وأن المقاومة الشعبية والمسلحة هى السبيل الوحيد لانتزاع الحقوق. من رحم تلك اللحظة وُلدت الانتفاضة الثانية، وكان مروان البرغوثى فى قلبها، قائداً ومهندساً لها، فارتبط اسمه بالانتفاضة أكثر من غيره. ويوضح غنيم قائلاً: «مروان لم يكتفِ بالخطاب السياسى من مقاعد البرلمان، بل نزل إلى الشارع، تفاعل مع الشباب والطلاب واللجان الشعبية، ووقف فى الصفوف الأولى، كان بإمكانه أن يظل مسئولاً رفيعاً بمكانته وامتيازاته، لكنه ترك كل ذلك واختار أن يكون بين الناس، يتعرض للمخاطر مثلهم».

وحفرت مواقفه صورته فى ذاكرة جيل كامل، لم يكن هذا جديداً عليه، فحضور مروان سبق الانتفاضة الثانية بسنوات، لكن ما ظهر خلال تلك المرحلة عزَّز مكانته كقائد وحدوى وشعبى، فقد كان يملك علاقات مباشرة مع كل الفصائل، من «حماس» إلى «الجهاد» إلى اليسار، رغم أنه لم يكن أميناً عاماً للحركة، إلا أنه كان أهم قادتها ميدانياً فى الضفة الغربية، بشخصيته الوحدوية وبإيمانه بأن «الوحدة طريق الانتصار، صاغ خطاباً وطنياً جامعاً وسهلاً على أبناء الشعب أن يحملوه ويتبنوه»، بحسب حديث «غنيم»

وعن علاقته بالفصائل يقول «غنيم» إن مروان البرغوثى حمل على عاتقه همَّ الوحدة الوطنية الفلسطينية، إذ كان يلتقى الشيخ حسين يوسف، ممثل حركة حماس، ويتشاور مع قادة اليسار مثل سلمان النجاب وبسام الصالح، ويخرج دائماً بصيغ مشتركة لتطوير الانتفاضة سياسياً وميدانياً، ولا شك أن قدرته على تجاوز الخلافات الداخلية جعلته فى نظر الجميع قائداً وحدوياً استثنائياً.

فى 15 أبريل 2002 أى بعد عامين فقط من الانتفاضة الثانية، اعتقل الاحتلال الإسرائيلى مروان البرغوثى من منزله فى حى الطيرة برام الله وسط الضفة الغربية، وتم تقديمه للمحاكمة، وسُجن البرغوثى إثر عملية «الدرع الواقى»، الإسرائيلية فى ذلك العام. وهنا يقول غنيم إنه فى هذا الوقت كان قياديو حركة فتح يتفرقون عن صحبة بعضهم البعض لمعرفتهم أن الاحتلال يستهدفهم، وبالفعل لم يترك الاحتلال مروان خارج الأسوار طويلاً، وبتاريخ 20 مايو 2004، عقدت المحكمة المركزية فى تل أبيب جلستها لإدانته بخمس تهم، لكونه أمين سر حركة «فتح» فى الضفة، وطالب الادعاء العام بإنزال أقصى العقوبة بحق البرغوثى، وحُكم عليه بخمسة مؤبدات وأربعين عاماً.

حصل البرغوثى على درجة البكالوريوس فى التاريخ والعلوم السياسية، ودرجة الماجستير فى العلاقات الدولية، وعمل حتى اعتقاله محاضراً بجامعة القدس فى أبوديس، كما حصل على درجة الدكتوراه وهو داخل السجن، وله عدة مؤلفات، من بينها: كتاب «الوعد»، وكتاب «مقاومة الاعتقال»، وكتاب «ألف يوم فى زنزانة العزل الانفرادى».

ولا يزال الاحتلال يرى فى مروان البرغوثى خطراً استراتيجياً، رغم وجوده خلف القضبان منذ أكثر من عقدين، لأنَّ مجرد حضوره قادر على توحيد الصفوف وإحياء الأمل، ففى أكتوبر 2023، وفى أعقاب بداية حرب غزة، وُضع البرغوثى فى الحبس الانفرادى، ونُقل مراراً عبر 4 سجون إسرائيلية مختلفة على الأقل «عوفر، الرملة، أوهلاى كيدار، ومجدو»، وهو ما وصفه غنيم: «بأن وجوده يضمن موقفاً فلسطينياً موحداً، حيث يجتمع حوله الجميع، وهذا هو الخوف الحقيقى للاحتلال، فمروان يمثل ما لا تستطيع الجدران ولا السجون أن تحجبه: وحدة الشعب الفلسطينى».


مواضيع متعلقة