«باسم يوسف»: الحرب بسيف السخرية
لماذا اختارت «الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية» ظهور «باسم يوسف» على شاشة ON، وتحديداً فى السابع من أكتوبر ذكرى الحرب التى أسفرت عن سقوط آلاف الضحايا الفلسطينيين جراء القصف الإسرائيلى العنيف وبداية حرب ممتدة حتى الوقت الحالى؟
هل لأنه أصبح «صوت فلسطين» تقريباً بعد حواراته مع التليفزيونات العالمية، خاصة بعد انتشار حواره مع بيرس مورجان؟.. لقد عقَّب على هذا الحوار تحديداً قائلاً: «أنا لا أخاطب الجمهور العربى، بل الجمهور الغربى، لأن الجمهور العربى يُخاطب نفسه، نحن نتحدث مع بعضنا البعض، وليس لنا أى تأثير على من حولنا، لذلك احتجتُ إلى كسر هذا الحاجز والتحدث إلى الجمهور الغربى».. فهل نحن نحتاج لصوت مصرى يؤدى هذا الدور فى الميديا الغربية؟
ولماذا قبل «باسم يوسف» بالعودة وهو الذى خرج من مصر تقريباً هارباً من الضغوط والملاحقات القضائية، (فى 30 مارس 2013، صدرت مذكرة توقيف بحق باسم بتهمة إهانة الإسلام ومرسى)؟. واعتبر المعارضون هذه الخطوة محاولة لإسكات أصوات المعارضة ضد حكومة مرسى، وقال باسم فى رسالة للمؤلف عمرو سمير عاطف: «الاتهامات دى ممكن تؤذى بل ويصدر عليك أحكام بسببها وكله بالقانون، منهم قانون 87 اللى طلع السنة اللى فاتت أو قانون (الأشياء الأخرى) اللى ممكن عادى يلبِّسك تهمة خيانة عظمى لو اللى قلته أو فعلته (يسىء للوطن) ودى تهمة فضفاضة جداً».
نعود إلى ظاهرة «البرنامج» المحلية: باسم بدأ دخوله الفضائيات مع الإعلامى «ألبير شفيق»، الذى كان رئيساً لقنوات ON آنذاك، ومع تأسيس قنوات CBC، بداية حكم الإخوان تقريباً، خطفه الإعلامى «محمد هانى» ليتحول إلى ظاهرة حقيقية.
السؤال الذى كانت تُفجره شعبية الدكتور «باسم يوسف» المتزايدة هو: لماذا يتقبل منه الجمهور ما يرفضه من غيره؟؟.. رغم اتفاقنا على أنه يجنح إلى الإسقاطات الجنسية أحياناً، ويحوِّل ما يسمى بالهجاء السياسى إلى «سلخ»، وكأنه فنان كاريكاتير يجلد بريشة ساحرة!
كنا وقتها شعباً «مأزوماً مقهوراً» تلاحقه ميليشيات الإخوان، وتحوَّل باسم إلى المتنفَّس الوحيد للغضب الشعبى المكبوت وهو يهيل التراب على نجوم السلفية والإخوان ويعريهم من زيفهم ويكشف أساليبهم الملتوية، إنه الإعلامى الوحيد الذى كانت تتوقف حركة الشارع تماماً لمتابعة برنامجه، والوحيد الذى تجمهرت مظاهرات الإخوان والسلفيين وكل أشكال المناهضين للحرية على باب مسرحه لمنعه من تسجيل برنامجه.. ولم يكن يحرسه إلا إيمانه بما يقدم وجمهوره.. أتصوَّر أن «باسم يوسف» هو من دق أول مسمار فى نعش الإخوان، وهو من حوّل «محمد مرسى» إلى أراجوز لا يهابه الشعب فيسير إلى مكتب الإرشاد يرشقه بالحجارة ويهتف: «يسقط حكم المرشد».
صحيح أنه لم يكن بمفرده، بل كان الإعلام المصرى رأس الحربة فى هذه المعركة لتحرير مصر من الفاشية الدينية، لكنه كان ينفرد بلون خاص يجعله قريباً من قلب المواطن البسيط والمثقف والسياسى والعالم.. كنت تحبه وتصدقه رغم رفضك لبعض الألفاظ التى تحمل صفارة «تييت».
باسم فى مرحلة ما بعد 30 يونيو ربما خانه ذكاؤه أو خدعه غروره، خاصة مع انتقاله لقناة MBC مصر، فلم يقدِّر الفارق الشاسع بين مرحلتين، وتحدى الجمهور نفسه وطعن «مشاعره الوطنية» ولم يقدِّر أن جمهور ثورة 30 يونيو سوف يتحول من موقع الجمهور المحب الذى يعتبره «صوته» إلى جمهور رافض لوجوده.. ولا أعنى هنا الإخوان، بل مختلف الأطياف الشعبية.
فى أبريل 2014 أوقفت قناة MBC البرنامج، بعدها انتقل من مصر إلى لوس أنجلوس، لكنه لم يختفِ عن الساحة الإعلامية، واستمر فى التواصل مع جمهوره الذى يتخطى الـ6 ملايين متابع على فيس بوك، و«إكس» (تويتر سابقاً) حوالى 11.5 مليون متابع، وعلى إنستجرام حوالى 7 ملايين متابع.
لقد حقَّق يوسف الكثير من النجاحات، سواء كان داخل أو خارج مصر، فى عام 2013 تم اختيار يوسف كواحد من «100 شخص مؤثر فى العالم من قبل مجلة تايم وأحد المفكرين العالميين المائة الرائدين فى مجلة فورين بوليسى».
فى عام 2015 حصل يوسف على درجة فخرية وألقى خطاب بدء كلية التعليم عبر الإنترنت والتعليم المستمر فى جامعة جنوب نيو هامبشاير.. وغيرها الكثير، وكان يلقى متابعة المصريين والعرب، سواء فى حفلاته أو على السوشيال ميديا.
استخدم باسم يوسف السخرية للدفاع عن القضية الفلسطينية؟ «إنه مُدمر، إنه جميل».. سخرية لاذعة موجعة: «أنا لم أشاهد قط ضحية تضع مضطهدها فى حصار، وتُفجره مدة ٢٤ ساعة على مدار الأسبوع، العلاقة مع إسرائيل تشبه علاقةً مع شخص نرجسى مختل، يدمرك ثم يدَّعى أنك المخطئ، لقد أرسلت لى زوجتى صورة منزل عائلتها فى غزة، إنه مُدمر، إنه جميل»
بهذه الكلمات الساخرة كان باسم يوسف يرد على أسئلة «بيرس مورغان» فى حواره معه فى أكتوبر ٢٠٢٣.
وفى تعليق للإعلامى أحمد سالم على الجدل المثار بشأن ظهور الإعلامى الساخر باسم يوسف عبر شاشة قنوات المتحدة من خلال برنامج «كلمة أخيرة» على شبكة ON، أكد سالم أن الآراء تباينت ما بين مؤيد ومعترض، مع احترام جميع وجهات النظر باستثناء من وصفهم بـ«أصحاب الأغراض الخبيثة».. وأنا أتوقع متابعة الملايين من الجانبين.