«رحلة إلى المجهول».. فلسطيني يروي تفاصيل النزوح تحت النار في غزة
«رحلة إلى المجهول».. فلسطيني يروي تفاصيل النزوح تحت النار في غزة
ليلة دامية عاشتها مدينة غزة، إذ هزت الانفجارات العنيفة أركانها من الشرق إلى الغرب بفعل عمليات نسف المنازل التي ينفذها جيش الاحتلال، وسط هذا المشهد المروع، جلس محمد عثمان، رجل خمسيني من سكان غرب المدينة، يستظل بجدار منزله تحت شمس الظهيرة، يتبادل حديثاً مشوباً بالقلق مع جاره، في انتظار شاحنة ستقلهم إلى رحلة نزوح جديدة نحو جنوب وادي غزة، ورغم أن الدبابات لم تصل بعد إلى منطقته، إلا أن البقاء أصبح شبه مستحيل.
الخوف يسيطر على العائلات
يصف «محمد عثمان» كيف يعيش السكان حالة رعب يومية، إذ تغلق العائلات على نفسها أبواب المنازل مع غروب الشمس، بينما تحوم الطائرات المسيرة فوق الرؤوس وتطلق النار على أي حركة: «في النهار مشقة بحث عن ماء وطعام، وفي الليل خوف لا ينتهي، الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، حتى بات كل يوم أشد قسوة من سابقه، بينما مشاعر الخوف انعكست بوضوح على وجوه الأطفال، مع اقتراب الدبابات من حي تل الهوا، حيث وقف الأهالي في حيرة لا يعرفون إلى أين يتجهون، وفقا لوكالة القدس العربي.
عثمان، الذي لم يترك مدينته في الاجتياحات الأولى، اعتاد الانتقال بين الأحياء كلما تغير مسار التوغلات الإسرائيلية، لكنه يقر أن الرعب الحالي يتجاوز ما عاشه سابقاً: صوت المدافع لا يهدأ، يريدون إجبارنا على النزوح، بينما جاره أبو فراس، الذي فقد منزله المدمر، أكد أن الجيش هذه المرة يقتحم قطاع غزة من عدة اتجاهات ويهدم البيوت بشكل يومي لدفع الناس نحو الهجرة القسرية، ورغم رغبته في البقاء، فإن خوف أطفاله أجبره على الرحيل حاملاً بعض الأثاث والمستلزمات.
نزوح قسري ومعاناة متفاقمة
الرحيل لم يكن خياراً سهلاً، فالأسر دفعت مبالغ باهظة لنقل أمتعتها، بينما اضطرت أخرى للسير على الأقدام في رحلة شاقة، ففي مراكز الإيواء، يتكدس مئات النازحين داخل فصول دراسية ضيقة، دون الحصول على خيام أو أبسط مقومات الحياة، ورغم قسوة العيش في غزة، فإن كثيرين فضلوا البقاء على مواجهة معاناة النزوح من جديد، في ظل غياب الماء والعلاج والطعام، مركز الميزان لحقوق الإنسان أكد أن سياسة القصف والتدمير تهدف لإجبار السكان على النزوح الجماعي في ظروف إنسانية وصفت بأنها كارثية.
طريق النزوح.. رحلة إلى المجهول
على الطريق الساحلي الرابط بين غزة ووسط القطاع، يتكدس النازحون في شاحنات تستغرق سبع ساعات لقطع 15 كيلومتراً فقط، الأطفال وكبار السن يواجهون قهراً وإرهاقاً لا يحتمل، وكل عائلة تحمل قصة فقد وألم، بينما يتبادل النازحون أحاديث المواساة فوق أكوام الأمتعة، بعد أن فقد كثيرون بيوتهم وأحباءهم، وفي مراكز النزوح، لا يختلف المشهد عن غزة: ندرة مياه، نقص غذاء، ازدحام ينذر بأوبئة خطيرة، وقصف لا يتوقف حتى على الخيام.
الجيش الإسرائيلي يحدد مناطق ضيقة لا تتعدى 10% من مساحة القطاع لإيواء النازحين، في واحدة من أكثر بقاع العالم اكتظاظاً بالسكان، الأمم المتحدة وصفت الوضع بعبارات قاسية، إذ قالت أولغا تشيريفكو من مكتب الشؤون الإنسانية في غزة: تلقت مدينة غزة حكماً بالإعدام، إما الرحيل وإما الموت، وأشارت إلى أن الماء والطعام لم يعودا حقوقاً أساسية، بل سلعاً نادرة لا يحلم السكان بالحصول عليها.