رئيس أول مصنع حربي بالشرق الأوسط: شاركنا بأكثر من 1200 مدرعة مصرية الصنع في «حرب أكتوبر 1973»

كتب: محمد مجدي

رئيس أول مصنع حربي بالشرق الأوسط: شاركنا بأكثر من 1200 مدرعة مصرية الصنع في «حرب أكتوبر 1973»

رئيس أول مصنع حربي بالشرق الأوسط: شاركنا بأكثر من 1200 مدرعة مصرية الصنع في «حرب أكتوبر 1973»

فى ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة تعود الذاكرة الوطنية إلى تلك اللحظة الفارقة فى تاريخ مصر الحديث، حيث تكاتف الشعب والجيش والصناعة الوطنية من أجل هدف واحد، هو استرداد الكرامة، فلم يكن النصر العسكرى فى أكتوبر 1973 وليد المعركة فقط، بل كان ثمرة سنوات من الاستعداد والتخطيط والبناء، كان من بينها تأسيس وتطوير قلاع صناعية كبرى لعبت أدواراً بطولية خلف خطوط القتال.

سنطلق نسخة مطورة من المدرعة فهد بأعلى مستوى فى «إيديكس».. وصدّرنا مدرعاتنا إلى دول متنوعة

وفى هذا الإطار، التقت «الوطن» مع الدكتور عمرو عبدالعزيز، رئيس مجلس إدارة مصنع قادر للصناعات المتطورة، أول مصنع حربى فى مصر والشرق الأوسط، للحديث عن تاريخ المصنع ودوره فى معركة أكتوبر، وكيف تطور اليوم ليكون ذراعاً قوية فى الصناعات الدفاعية والمدنية الحديثة.

وفى هذا الحوار، يكشف رئيس المصنع عن تفاصيل تاريخية نادرة حول تأسيسه، وكيف صنعت مصر أولى طائراتها ومدرعاتها، ودور «قادر» فى بناء منظومة صناعة عسكرية متكاملة، ويسلط الضوء على خطط التوسع، والتصدير، والتطوير فى ظل بناء الجمهورية الجديدة، فإلى نص الحوار:

■ أُسس مصنع قادر كأول مصنع متخصص فى الصناعات الدفاعية بمصر.. فما مساهمته فى حرب أكتوبر المجيدة؟

- مصنع قادر للصناعات المتطورة، إحدى أهم قلاع الصناعة الوطنية المصرية، التابع للهيئة العربية للتصنيع، والذى أُسس عام 1949، أى ما يزيد على سبعة عقود من العطاء المستمر طوال هذه الفترة، وكان مشاركاً فى صناعة النصر، بدءاً من حرب الاستنزاف وصولاً إلى انتصارات أكتوبر المجيدة.

■ كيف كانت البداية؟

- فكرة إنشاء المصنع ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالحرب العالمية الثانية، ففى تلك الفترة، ومع ما تعرضت له مصر من خسائر وأضرار، قرر الملك فاروق أن يكون هناك مشروع وطنى صناعى ضخم يعوض البلاد عما خسرته، وبالتعاون مع جهات دولية فى إنشاء مصنع للطائرات، أُطلق عليه «مصنع هليوبوليس للطائرات»، ليكون بداية حقيقية للصناعة العسكرية فى مصر والشرق الأوسط، وأول إنتاج لهذا المصنع كان الطائرة «البوكر»، وهى طائرة تدريب أساسية، شكلت نواة لمشروعات لاحقة أكثر تطوراً، ويمكن القول إن هذا المصنع هو أول مصنع متخصص فى الإنتاج الحربى فى الشرق الأوسط.

■ وكيف تطور الأمر؟

  • تم تطوير خطوط الإنتاج لتشمل طائرات تدريب متقدمة، مثل طائرة «الجمهورية»، وفى نفس المكان بدأت فكرة إنتاج طائرة «التوكانو»، التى مثّلت نقلة نوعية كبيرة وقتها، والهناجر التى استخدمت منذ الأربعينات والخمسينات فى بناء وتجميع الطائرات الخشبية ما زالت قائمة حتى اليوم داخل المصنع، ونحن نحافظ عليها باعتبارها تراثاً صناعياً لا يقدر بثمن، ومع تطور الدولة فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر، كان القرار فى عام 1956 بإنشاء مصنع طائرات جديد فى حلوان، وهنا نُقلت صناعة الطائرات تدريجياً من «هليوبوليس» إلى حلوان، حيث أُنشئت مصانع لتتكامل الجهود، بداية من مصنع المحركات لإنتاج وعمرة محركات الطائرات، فضلاً عن مصنع صقر، الذى تخصص فى إنتاج صناعة الذخائر، وغيرها.

المدرعة «الوليد» استخدمت فى عمليات الاقتحام وزرع الألغام والدعم النارى.. وطورناها إلى «المدرعة فهد»

■ وما دوركم حينها؟

- بعد نقل صناعة الطائرات إلى حلوان، بدأ مصنع قادر يتجه إلى مجال العربات والمركبات العسكرية، وأول إنتاج كان «المدرعة الوليد»، وهى مدرعة مصرية صممت ونُفذت بأيدٍ مصرية خالصة تقريباً، وكانت «الوليد» مثالاً حياً للصناعة العميقة، إذ تجاوزت نسبة المكون المحلى فيها 95%، بداية من الشاسيه المصنوع محلياً وحتى الإطارات التى أنتجها مصنع النسر فى الإسكندرية، والأجزاء المعدنية التى وفرتها مصانع الحديد والصلب، وهذه العربة لم تكن مجرد مركبة عسكرية، بل كانت رمزاً لقدرة مصر على إنتاج منظومة متكاملة من الصناعات الثقيلة.

■ وماذا عن مشاركتكم فى حرب أكتوبر؟

  • مصنع قادر كان لاعباً أساسياً فى معركة النصر، فالمدرعة «الوليد»، التى أنتجنا منها أكثر من ألفى عربة، شاركت بشكل مباشر فى حرب أكتوبر، ولم تكن مجرد وسيلة نقل جنود، بل استخدمت أيضاً فى مهام الاقتحام، وزرع الألغام، وإطلاق النيران، وحتى تركيب المدافع الخفيفة عليها، بالإضافة إلى ذلك، ساهم المصنع فى تجهيز قنابل للطائرات والمعدات العسكرية الأخرى التى احتاجتها قواتنا المسلحة خلال الحرب، التى كان ينتجها المصنع.

السعر التنافسى وخدمة ما بعد البيع أبرز عوامل جذب الدول الصديقة والشقيقة لمنتجاتنا.. ونطمح فى الريادة بمجالات العربات المدرعة والسيارات والمركبات الكهربائية

وإذا عدنا للصور والفيديوهات الأرشيفية لاحتفالات أكتوبر القديمة، سنجد مدرعات «الوليد» حاضرة بكثرة، تجوب شوارع القاهرة عقب النصر، وتشارك فى العروض العسكرية، وهذا ليس غريباً، فالمصنع فى تلك الفترة كان أشبه بخلية نحل، يعمل ليل نهار من أجل دعم المجهود الحربى.

■ وما نسبة المكون المحلى فى «الوليد» وقتها؟

- نسبة المكون المحلى تجاوزت 95%. وهذا رقم ضخم بمقاييس ذلك الزمن، بل وحتى بمقاييس اليوم، مصر كانت تنتج الكاوتش (الإطارات) محلياً فى مصنع النسر بالإسكندرية، وتنتج الشاسيه فى مصنع الحديد والصلب، وتنتج أجزاء المحركات فى مصانع أخرى، ثم يأتى مصنع قادر ليجمع كل هذه المكونات ويحوّلها إلى مدرعة متكاملة، وهذا ما نسميه «الصناعة العميقة»، أى إن كل جزء تقريباً مصنوع داخل البلاد.

■ وكيف انعكس هذا النجاح عليكم بعد حرب أكتوبر؟

- بعد حرب أكتوبر، أدركنا أن التطوير هو شرط البقاء، فالعربة «الوليد» كانت مناسبة لظروف الحرب وقتها، لكنها لم تكن لتستمر طويلاً مع تطور الأسلحة، ولذلك كان لا بد من التفكير فى تطوير منتج جديد، أكثر قدرة على مواجهة التهديدات الحديثة، وهكذا جاء التفكير فى المدرعة «الفهد»، ففى البداية تم التعاون مع شركة مرسيدس فى تصميمها وإنتاجها، لكنها مع الوقت أصبحت منتجاً مصرياً خالصاً.

■ وما الفارق بينهما؟

- المدرعة «الفهد» ذات مستوى حماية أفضل، ومواصفات أعلى تتناسب مع متطلبات القوات المسلحة، ومع تطور التهديدات، سواء من حيث الأعيرة النارية أو العبوات الناسفة، بدأنا نطور «الفهد» أكثر فأكثر، حتى وصلنا إلى نسخ جديدة لديها مستوى حماية سفلى قوى لمواجهة التفجيرات الأرضية، بالإضافة إلى تعزيز دروعها الجانبية لمجابهة الأعيرة الثقيلة.

■ هل ما زال التطوير مستمراً حتى الآن؟

- نعم، وما زلنا نعمل على تطوير «المدرعة فهد» باستمرار، ففى الحقيقة نحن على وشك إطلاق نموذج جديد مطور كلياً فى نهاية هذا العام، يتمتع بمستوى حماية غير مسبوق، سواء ضد العبوات الناسفة أو ضد الأعيرة النارية، فنحن ندرك أن التهديدات فى العالم تتغير يوماً بعد يوم، وبالتالى يجب أن يتغير منتجنا معها.

■ وما أبرز المنتجات الأخرى التى يعمل بها مصنعكم؟

- نحن لا نقف عند منتج واحد، فلدينا سيارات مدرعة صغيرة ومتوسطة وكبيرة، وذلك لأننا نعرف أن احتياجات العملاء، سواء فى الداخل أو الخارج، تختلف، بعض الدول الأفريقية مثلاً لا تحتاج لعربات ضخمة باهظة الثمن، بل تحتاج لعربات صغيرة ذات مهام محددة وبسعر مناسب، لذلك نحن نوفر تشكيلة كاملة «قادر 1»، و«قادر 2»، و«الفهد»، وكل فئة لها مستوى حماية مختلف وسعر مختلف يتناسب مع السوق.

■ وماذا عن نسبة المكون المحلى فى هذه المنتجات اليوم؟

- نحن نسعى دائماً لزيادة نسبة المكون المحلى، على سبيل المثال الزجاج المدرع كنا نستورد معظم أنواعه فى الماضى، لكن اليوم لدينا شركات محلية مصرية تنتجه، ونحن ندعمها حتى تصل بجودتها لمستوى عالمى، وكذلك الصلب المدرع أصبح متوافراً محلياً من وزارة الإنتاج الحربى، وهذا يقلل التكلفة بشكل كبير ويزيد من القيمة المضافة داخل مصر، ونستهدف أن تصل نسبة المكون المحلى فى منتجاتنا إلى نحو 60% أو أكثر، وهذا هدف استراتيجى بالنسبة لنا.

■ وما أكثر ما يجذب العملاء الأجانب فى منتجاتكم؟

- أولاً السعر التنافسى، فنحن نقدم منتجاً بجودة عالية وبسعر أقل بكثير من مثيله فى أوروبا أو أمريكا، وثانياً الخدمة ما بعد البيع، نحن لا نسلم المنتج ونترك العميل، بل نوفر له قطع الغيار والدعم الفنى والتدريب، وثالثاً، التنوع، فلدينا منتجات تناسب كل الميزانيات والاحتياجات، وهذا أمر مهم جداً لدول نامية تبحث عن حلول عملية وليست باهظة.

■ وكيف يتم تطوير المنتجات بما يتناسب مع متطلبات السوق الخارجية؟

- نحن لا ننتج منتجاً واحداً ونحاول تسويقه للجميع، ولكن بالعكس، نحن نجلس مع العميل ونسأله: ما هى تهديداتك؟ هل تواجه عبوات ناسفة أكثر من الرصاص؟ هل تحتاج سرعة أم حماية قصوى؟ هل الطريق عندك صحراوى أم جبلى؟ على أساس هذه الإجابات نصمم أو نطور المنتج، وهذه المرونة هى سر نجاحنا.

■ وكيف ترى مستقبل مصنع قادر خلال السنوات القادمة؟

  • نحن نعيش لحظة فارقة، فمصر الآن تبنى جمهوريتها الجديدة، ومصنع قادر جزء من هذا البناء، وأتصور أن السنوات القادمة ستشهد طفرة كبيرة، سواء فى مجال المدرعات المطورة مثل «الفهد»، أو فى مجال السيارات الكهربائية، أو فى مجالات أخرى، فنحن نعمل فى صمت، لكننا نضع أمام أعيننا هدفاً واضحاً: أن تكون مصر لاعباً أساسياً فى صناعة المركبات العسكرية والمدنية فى المنطقة.

منتجات «قادر»

نحن لا نعمل للسوق المحلية فقط، ففى الحقيقة التصدير يمثل أحد أهم أهدافنا، فلدينا منتجات بالفعل وصلت إلى دول فى أفريقيا والشرق الأوسط، فمثلاً بعض الدول الأفريقية طلبت عربات «قادر 1»، و«قادر 2» لأنها خفيفة ورخيصة نسبياً، وفى الوقت نفسه توفر مستوى حماية مناسباً، وهناك دول عربية طلبت «فهد» فى نسخ مختلفة، ونحن لا نستطيع دائماً الإعلان عن أسماء الدول حفاظاً على سرية التعاقدات، لكن يمكننى القول بثقة إن منتجاتنا موجودة اليوم خارج مصر وتؤدى دورها بكفاءة.


مواضيع متعلقة