من حكايات أكتوبر

كثيرة هى الحكايات التى تُروى لتصور بطولات من خاضوا حرب أكتوبر 1973. وحين تحل ذكرى النصر كل عام، تظهر أمامنا بطولات جديدة، لم تأتِ على ذكرها الصحف، ولم تبثها التليفزيونات.

كثيرة هى بعدد الذين قاتلوا ببسالة وشجاعة وإقدام، وبقدر توزعهم على مصر كلها، من أقصاها إلى أدناها، حتى إننا نجد فى كل قرية مصرية حكايات عن الحرب، وفى أحياء المدن كذلك. كل جندى، وصف ضابط، وضابط، معه حكاية، وحوله حكاية، صانعها هو أو مساهم فيها، أو شاهد عليها.

قبل أيام روى لى العميد محمد بدر، الذى كان قائد سرية مدفعية ميدان فى حرب أكتوبر برتبة ملازم أول، بعض حكاياته مع الحرب، ما كان هو بطله، وما كان آخرون حوله أبطالاً له. قال إنه أصيب إصابة بالغة فى حادث سير قبل الحرب بأسبوع واحد، تحديداً يوم السبت 29 سبتمبر، وكان يومها فى إجازة من الجيش، عائداً إلى القاهرة من قريته أكوا الحصة، من أعمال مركز كفر الزيات، بمحافظة الغربية.

فور الحادث دخل فى غيبوبة، أفاق منها ليجد نفسه طريح الفراش بمستشفى طوخ، تحط فوق رأسه لفافة من شاش وقطن، وحول ذراعه اليمنى جبيرة. وقال له الأطباء: أنت ضابط فى الجيش، وعليك أن تُحدث أياً من أهلك لينقلك إلى مستشفى عسكرى، فهاتف المهندس محمد الأشقر، رحمه الله، وهو زوج أخته، فجاء ونقله إلى مستشفى كوبرى القبة العسكرى، ليستمر تحت العلاج خمسة أيام، بعدها قرر الأطباء خروجه من المستشفى ليستكمل علاجه فى بيته، لكنهم نبهوا عليه ألا يغادر سريره لأسبوعين على الأقل، واستدعوا عربة إسعاف لنقله إلى حيث يريد، فعادت به إلى قريته.

كان يغوص فى نوم عميق حين أيقظه ابن عمه، قائلاً له: الحرب قامت. نظر إلى من يُحدثه، وداهمه تفكير عارم، وهجمت عليه الأسئلة كأشواك مدببة، متقلباً بين حيرة وقلق، لكنه لم ينطق بكلمة، ظل واجماً تتراءى أمامه وجوه رفاقه.

فى اليوم التالى، ومع أول ضوء للفجر، نهض من سريره، وارتدى زيه العسكرى، وهبط من الطابق العلوى فى بيتهم، فرآه أبوه ففزع، وسأله: إلى أين أنت ذاهب؟ أجابه على الفور: عائد إلى وحدتى العسكرية.

قال له وهو يضرب كفاً بكف: لكنك لم تُشفَ بعد. رد عليه: لا أستطيع البقاء هنا ورفاقى هناك.

وافق الأب على مضض.

أما الأم، ويا للعجب، فلم يرف لها جفن، وصافحته مصافحة الرجال، دون أن تراجعه فيما عزم عليه.

ودَّعته، ودعت له، وتركته يمضى.

تنقَّل فى رحلة العودة إلى الكتيبة بين عدة مواصلات، حتى بلغ الكيلو 21 فى طريق القاهرة الإسماعيلية، ليجد مؤخرة الكتيبة فقط، بعد أن تحركت إلى الدفرسوار، لتشكل جزءاً من قوات كُلفت فيما بعد بتصفية الثغرة.

يقول العميد بدر إن زملاءه فرحوا جداً بقطعه الإجازة وعودته إليهم رغم آثار الحادث التى كانت لا تزال بادية عليه.

هذا كان مقدَّراً من قائد لواء المدفعية، وكان يومها عقيد أركان حرب طلعت مسلم، الذى رُقى فيما بعد حتى رتبة اللواء، وصار باحثاً مرموقاً فى القضايا العسكرية والاستراتيجية، وكذلك من قائد الكتيبة الرائد ماجد محمود كامل، حتى إنهما طلبا منه عقب الحرب أن يختار بين الحصول على نيشان أو نوط الواجب العسكرى، لكنه رد عليهما: ما قمت به لا أنتظر مكافأة له سوى من الله وحده، يوم الدين.

وحكى لى العميد بدر عن الرقيب أول فاروق شلبى، الذى أُصيب ليلة 15 أكتوبر فى هجوم إسرائيلى مباغت، انهمرت فيه دانات المدفعية ورصاص الرشاسات كالمطر، بينما كان الاثنان داخل حفرة برميلية، هى مركز قيادة السرية.

كان شلبى يغيب ثم يعود، فيقول لبدر: لا تشغل نفسك بى، اهتم بما أنت فيه. وهكذا كرَّرها مع كل حضور من الغياب، إلى أن قال فى النهاية له: مصر أهم منى يا افندم، ثم فاضت روحه إلى بارئها.

كما حكى لى عن الجندى سيد يوسف، الذى كان شاباً بسيطاً ينظر إليه زملاؤه على أنه أقرب لأصحاب الهمم، فلم يُكلَّف بمهام قتالية طوال فترة تجنيده، لكنه مع الهجوم الإسرائيلى خرج من حفرته التى مكث فيها بعد صدور أمر قائد السرية للكل بالتزام الحفر حتى تأتيه أوامر قائد الكتيبة، حاملاً صندوق ذخيرة يعجز عن حمله فردان، وقال لبدر: لن أموت زى الفار فى حفرتى، أعطنى أوامر أضرب فى أى اتجاه.