الانقسام والتفكك.. خلافات الفلسطينيين عقبة أمام الدولة الموحدة

كتب: محمد علي حسن

الانقسام والتفكك.. خلافات الفلسطينيين عقبة أمام الدولة الموحدة

الانقسام والتفكك.. خلافات الفلسطينيين عقبة أمام الدولة الموحدة

مثَّلت ظواهر الانقسام الفلسطينى والتفكك المؤسسى بين الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب ضعف الشرعية الداخلية، عوائق حقيقية أمام قيام الدولة الفلسطينية الموحدة، وهناك اليوم إجماع واسع على أن تجاوز هذه العقبات يُعد أولوية أساسية لدفع نضال الشعب الفلسطينى إلى الأمام، فى ظل تصاعد الدعوات إلى الوحدة الوطنية، ومواجهة الانقسامات الداخلية والتفتيت الجغرافى الذى أبقى الفلسطينيين حتى الآن منقسمين وغير قادرين على توحيد الصفوف.

«الطماوى»: الاختلاف يجعل أى اتفاق عرضة للانهيار محليا إذا لم يُحقن بإصلاح مؤسسى يضمن شراكة وطنية شاملة

وفى هذا السياق، قال الدكتور محمد الطماوى، خبير العلاقات الدولية، لـ«الوطن»، إن تنامى الحراك الدبلوماسى لا يعنى بالضرورة اقتراب تحقيق الدولة المستقلة، إذ تزداد العوائق الموضوعية التى تحول دون ترجمة الاعتراف الدولى إلى واقع ملموس على الأرض.

وأوضح أن التوسع الاستيطانى الإسرائيلى، الذى تصاعد بوتيرة مرتفعة خلال الفترة من 2023 إلى 2025، بات يشمل خططاً واسعة النطاق، مدعومة بتشريعات وإجراءات إدارية تقطع الترابط الجغرافى للضفة الغربية وتُحوِّلها إلى رقع متناثرة من الكتل المعزولة، وهو ما يقوِّض عملياً المبادئ الأساسية لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، مثل الاتصال الإقليمى، وحرية الحركة، والسيطرة على الموارد.

وأشار «الطماوى» إلى أن هذه التحديات تضاف إلى الانقسام الفلسطينى الداخلى، والتفكك المؤسسى بين الضفة وغزة، وضعف الشرعية الداخلية، ما يجعل أى اتفاق سياسى عُرضة للانهيار المحلى، ما لم يُدعَّم بإصلاح مؤسسى شامل يضمن شراكة وطنية حقيقية.

ومن الجانب الإسرائيلى فإن سياسات الحكومات اليمينية، إلى جانب أحزاب تطالب بضم أجزاء من الأراضى الفلسطينية أو فرض سيادة موسعة، تزيد من تعقيد أى تسوية تفاوضية محتملة، وفى الوقت ذاته فإن الانقسام الدولى وتفاوت مواقف اللاعبين الإقليميين والدوليين يحُدَّان من فاعلية أى وساطة خارجية، ويجعلان حل الدولتين غير قابل للتطبيق عملياً، ما لم ترافقه إجراءات ميدانية وقانونية ودبلوماسية متزامنة توقف الاستيطان وتعيد بناء مؤسسات فلسطينية قادرة على الحكم.

وأوضح خبير العلاقات الدولية أن الاعتراف الدولى بدولة فلسطين لم يكن مجرد تصويت رمزى، بل تحوَّل خلال عام 2025 إلى عنصر فعّال فى ساحة الشرعية الدولية، حيث ارتفع عدد الدول المعترفة إلى نحو 160 دولة، مما منح الفلسطينيين قوة تفاوضية جديدة، وأدوات دبلوماسية وقانونية أوسع، منها العضوية فى بعض المؤسسات الدولية، وإمكانية اللجوء إلى آليات القانون الدولى لمساءلة انتهاكات الاحتلال، أو لتحصيل اعترافات متدرجة على مستوى المعاهدات والمنافع الدبلوماسية.

وأضاف: «هذا الزخم فى الاعترافات يغيِّر من طبيعة الخطاب الدولى، ويضع إسرائيل وحلفاءها فى موقع يتطلب التعامل مع موقف دولى أكثر اتساقاً لصالح الحقوق الفلسطينية، لكنه فى الوقت ذاته لا يحل مسألة السيطرة الميدانية، ففاعلية الاعتراف فى تحويل الواقع مرتبطة بمدى الدعم الدولى العملى، من عقوبات وضغوط اقتصادية وقانونية، ووضع شروط للمساعدات، وبمدى استعداد القوى الكبرى لتطبيق سياسات تفرض تكلفة على خطوات الاحتلال».

وتابع: «لقد شدَّد الرئيس عبدالفتاح السيسى فى أكثر من محفل دولى على أن حل الدولتين يظل الطريق الوحيد لتحقيق سلام عادل وشامل فى الشرق الأوسط، محذراً من أن أى التفاف على هذا المسار لن يجلب سوى المزيد من العنف والفوضى وانعدام الاستقرار. وقد وجَّه دعوة واضحة وصريحة إلى دول العالم للاعتراف بدولة فلسطين، معتبراً أن هذا الاعتراف ليس إجراءً رمزياً، بل خطوة استراتيجية تضع المجتمع الدولى أمام مسئولياته، وتُلزم إسرائيل بالانخراط فى مسار سياسى جاد، بما يفتح الباب أمام إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، باعتبارها الضمانة الحقيقية للسلام الدائم».

وأكد «الطماوى» أن الخطة الأمريكية التى طرحتها إدارة الرئيس الأمريكى ترامب عام 2025 جاءت فى شكل مقترح طارئ يركِّز على إنهاء المواجهة فى غزة عبر ترتيبات انتقالية وإدارية، تشمل وقفاً لإطلاق النار مشروطاً بتبادل أسرى ونزع سلاح منظم لحركة حماس، وإدارة مؤقتة لقطاع غزة تحت إشراف هيئة دولية تضم شخصيات مثل تونى بلير، مع تقييد الدور السياسى لـ«حماس».

هذه الصيغة، رغم أنها قد توفر مخرجاً إنسانياً عاجلاً لإيقاف القتال وإطلاق برامج إعادة إعمار تحت شروط دولية، إلا أنها فى جوهرها تقدم حلاً تقنياً مؤقتاً لا يعالج جذور الصراع. فاستبعاد طرف فاعل مثل «حماس» من أى حل دائم يقلل من إمكانية استدامة أى ترتيب، كما أن مشاركة شخصيات مثيرة للجدل تثير شكوكاً حول شرعية ومقبولية إدارة الاحتلال لمرحلة ما بعد الحرب. نجاح هذا النوع من المبادرات مرتبط بقبول الفاعلين المحليين والإقليميين، وبالقدرة على تحويل الترتيبات الطارئة إلى إطار سياسى شامل يسمح بالانتقال نحو حل دائم، وهو ما لم يظهر بوضوح فى المقترح حتى الآن.

كل توسع بنيوى يقلص من فرصة قيام دولة فلسطينية متصلة

وشدد «الطماوى» على أن الذرائع التى تُستخدم لتبرير سياسة الضم والتوسع هى خليط من خطابات تاريخية ودينية وأمنية واقتصادية تُستخدم لشرعنة إجراءات عملية على الأرض، حيث تُطرح حجج «الحق التاريخى» و«الضرورة الأمنية» إلى جانب «الحاجة للسيطرة على موارد استراتيجية»، وهذه الذرائع تُوظَّف داخلياً عبر تشريعات ورموز سياسية، ثم تتحوَّل إلى واقع ملموس عبر تسريع البناء الاستيطانى وتغيير الوضع الإدارى فى مناطق محددة، والتأثير العملى لهذه الديناميكية واضح، وكل خطوة تشريعية أو توسع بنيوى تُقلِّص من فرصة قيام دولة فلسطينية متصلة، وتُحوِّل النقاش من مسألة تفاوض إلى تحدٍّ لإعادة هندسة الواقع الميدانى.

كما أن تراكم هذه الوقائع يزيد من الصعوبات القانونية والدبلوماسية أمام من يحاولون إعادة المسار إلى شاطئ الحل التوافقى، وقد أشارت تقارير ومؤسسات دولية إلى ارتفاع كبير فى نشاطات الاستيطان خلال السنوات الأخيرة، مما يجعل زمن الحل التفاوضى محدوداً ما لم تُتخذ إجراءات فورية لوقف الترسيخ الاستيطانى.

وعن الحديث العلنى والمتكرر لبعض وزراء وقيادات إسرائيلية حول تفكيك السلطة الفلسطينية، رأى «الطماوى» أنه يعكس تراكماً أيديولوجياً وسياسياً له جذور عملية، فهناك عناصر فاعلة ترى فى السلطة الفلسطينية عائقاً أمام توسيع السيادة الإسرائيلية، وتتبنى مقاربة ترى أن إعادة تشكيل الواقع بالإجراءات الإدارية والأنماط الحكمية الجزئية أفضل من التفاوض السياسى الذى قد يفرض قيوداً على السيادة، هذا الخطاب يستخدم مزاعم أمنية واتهامات بالفساد لتعزيز مقبولية خطوات تقليص صلاحيات السلطة أو حتى إلغائها فى مناطق معينة.

وما يجعل هذه التصريحات خطرة هو إمكانية ترجمتها إلى إجراءات فعلية، مثل تعطيل التنسيق الأمنى، تجميد الموازنات، استبدال مؤسسات محلية بهياكل إدارية بديلة، أو فرض قوانين إسرائيلية فى مناطق كانت خاضعة لسلطة فلسطينية، مثل هذه الإجراءات لا تخلق فقط فراغاً إدارياً وخطراً إنسانياً على السكان فحسب، بل تقوِّض أيضاً أى أرضية لثقة قابلة للاستثمار فى حل تفاوضى، وتدفع بالقضية نحو خيارات أشد تعقيداً على المستويين الإقليمى والدولى.

الاعتراف الدولى مهم لكنه لا يكفى دون دعم عملى.. وخطة «ترامب» مؤقتة ولا تعالج جذور الصراع

واختتم «الطماوى» حديثه لـ«الوطن» قائلاً: «فى ضوء هذه الوقائع المتداخلة، فإن الخيارات المتاحة للجانب الفلسطينى والعربى ليست بسيطة، لكنها محددة الملامح، أولاً: تكثيف الدعم الدبلوماسى والقانونى لتحويل الاعترافات الدولية إلى أدوات ملموسة، مثل المقاضاة الدولية، وشروط للمساعدات، وعقوبات مستهدفة إذا استمر الضم، ثانياً: العمل على مشروع داخلى فلسطينى موحَّد يعيد بناء مؤسسات قادرة على حكم فعّال وشرعى، وتمثيل جامع بين الضفة وغزة، ثالثاً: تحشيد الضغوط الإقليمية والدولية عبر أجندة ذات ثمن دبلوماسى وسياسى على من يواصل سياسة الضم، مثل رصد الانتهاكات، ومواقف معلنة فى المحافل الدولية، وربط العلاقات الثنائية بمسارات احترام القانون الدولى. دون مقاربة شاملة تجمع بين الضغوط الدولية، والإصلاح الداخلى، وإنهاء الاستيطان الممنهج، ستبقى الاعترافات الدولية إنجازاً مهماً، لكنه غير كافٍ لتحويل الأمل الفلسطينى إلى واقع دولة مستقلة قابلة للحياة».


مواضيع متعلقة