أستاذ قانون دولي: استخدام أمريكا «الفيتو» يعرقل أي خطوات جدية نحو إقامة دولة فلسطينية

كتب: محمد علي حسن

أستاذ قانون دولي: استخدام أمريكا «الفيتو» يعرقل أي خطوات جدية نحو إقامة دولة فلسطينية

أستاذ قانون دولي: استخدام أمريكا «الفيتو» يعرقل أي خطوات جدية نحو إقامة دولة فلسطينية

قال الدكتور إبراهيم سيف منشاوى، أستاذ القانون الدولى والتنظيم الدولى المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية خطوة قانونية وسياسية بالغة الأهمية، لإقرار شرعية الوجود الفلسطينى كدولة قائمة على أرضها وشعبها وسلطتها. وأضاف «منشاوى»، فى حوار لـ«الوطن»، أن غياب التوافق داخل مجلس الأمن، وبالأخص استخدام الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ضد الاعتراف الكامل بفلسطين، يعرقل أى خطوات مؤسسية جدية نحو تجسيد حل الدولتين، .. وإلى نص الحوار:

الاعترافات الدولية خطوة قانونية وسياسية بالغة الأهمية وتخلق ضغطاً دبلوماسياً على إسرائيل.. والحشد الإقليمى يُحول الفيتو الأمريكى إلى عبء سياسى

■ كيف ترى تفسير الاعترافات بالدولة الفلسطينية وفقاً للقانون الدولى؟

- تمثل الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية خطوة قانونية وسياسية بالغة الأهمية، إذ تُعد فى جوهرها إقراراً بشرعية الوجود الفلسطينى كدولة قائمة على أرضها وشعبها وسلطتها، فالاعتراف ليس مجرد إجراء دبلوماسى، بل هو فعل قانونى يترجم القبول الدولى بتمتع فلسطين بمقومات الدولة وفق قواعد القانون الدولى العام، خاصة اتفاقية مونتفيديو لعام 1933، التى تتطلب وجود إقليم محدد، وسكان دائمين، وحكومة فعالة، والقدرة على الدخول فى علاقات مع الدول الأخرى. ومن ثم، فإن تراكم هذه الاعترافات يعكس إدراكاً متزايداً من الجماعة الدولية بأن الدولة الفلسطينية كيان يستوفى الأركان الموضوعية لقيام الدولة.

■ وما الأسس القانونية التى يعتمد عليها الاعتراف بالدولة الفلسطينية؟

- يستند الاعتراف بالدولة الفلسطينية فى القانون الدولى إلى عدد من المواثيق والقرارات القانونية الدولية الراسخة، منها ميثاق الأمم المتحدة الذى نص فى المادتين 1(2)، (55)، على حق الشعوب فى تقرير مصيرها، ذلك الحق الذى يعد قاعدة من قواعد القانون الدولى العرفى الآمرة، وبمقتضاه يحق للشعوب تحديد وضعها السياسى بحرية تامة ودون تدخل خارجى، بما فى ذلك الحق فى إقامة دولة مستقلة.

وأكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة -أكثر من مرة- على هذا الحق للشعب الفلسطينى، لا سيما فى قرارها رقم 3236 (1974)، الذى اعترف بالحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطينى، بما فى ذلك الحق فى تقرير المصير والاستقلال والسيادة الوطنية، كذلك، شددت محكمة العدل الدولية على هذا الحق فى فتواها بشأن مدى مشروعية بناء الجدار العازل فى الأراضى الفلسطينية لعام 2004، وفتواها بشأن الآثار القانونية الناشئة عن ممارسات وسياسات إسرائيل فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية 2024.

■ ما المعوقات التى تقف حائلاً دون تنفيذ حل الدولتين؟

- تواجه فكرة حل الدولتين معوقات جوهرية على المستوى الفلسطينى والإسرائيلى والدولى، فعلى الصعيد الفلسطينى، ما زال الانقسام بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس عقبة أساسية تحول دون بلورة موقف تفاوضى موحد أو تشكيل حكومة واحدة قادرة على تنفيذ أى اتفاق سياسى.

وفى المقابل، تواصل إسرائيل سياسة التوسع الاستيطانى وفرض الحقائق على الأرض فى الضفة الغربية والقدس الشرقية، وهو ما يقوض الأساس الجغرافى والسكانى لإقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة، أما على المستوى الدولى، فإن غياب التوافق داخل مجلس الأمن، وبالأخص استخدام الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ضد الاعتراف الكامل بفلسطين، يعرقل أى خطوات مؤسسية جدية نحو تجسيد حل الدولتين، فالعضوية الكاملة لفلسطين فى الأمم المتحدة تستلزم توافر مجموعة من الشروط الموضوعية والإجرائية على حد سواء.

أما الشروط الموضوعية فقد نصت عليها المادة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة، وهى: أن تكون الوحدة طالبة العضوية دولة، وأن تكون محبة للسلام، وأن تقبل الالتزامات الواردة فى الميثاق، وأن تكون قادرة على تنفيذ تلك الالتزامات.

أما الشروط الإجرائية فتتحدد فى أن تقوم الوحدة طالبة العضوية بتقديم طلب رسمى للأمين العام، الذى يقوم بدوره بفحصه للتأكد من توافر الشروط الموضوعية، ثم رفع الطلب إلى مجلس الأمن الدولى الذى يتعين أن يصوت عليه بالأغلبية الموصوفة (عدم اعتراض دولة من الدول دائمة العضوية التى تملك حق الفيتو)، فضلاً عن صدور توصية من مجلس الأمن بالأغلبية المطلوبة ورفع التوصية للجمعية العامة التى تصوت عليها بأغلبية الثلثين.

وبذلك، يتضح أن العائق الأكبر أمام العضوية التامة للدولة الفلسطينية يتمثل فى استخدام أحد الأعضاء الدائمين للفيتو فى مجلس الأمن، مما يحول دون صدور التوصية اللازمة، وتبقى القضايا الجوهرية مثل وضع القدس وحق عودة اللاجئين وترسيم الحدود والأمن ملفات عالقة تزيد من تعقيد المشهد وتعمق انعدام الثقة بين الطرفين.

■ كيف يمكن الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل لتنفيذ حل الدولتين؟

- يمكن أن تلجأ الدول الداعمة لفلسطين لممارسة الضغط من خلال الهيئات الدولية، أو من خلال فرض جزاءات بصورة انفرادية أو جماعية، كوسيلة ردع لإجبار إسرائيل على إعادة النظر فى سياساتها. هذا وقد بدأت بعض الدول فى تبنى هذا الإجراء بالفعل مثل بعض دول الجنوب العالمى كبوليفيا، وكولومبيا، وإندونيسيا، وماليزيا، وناميبيا، وجنوب أفريقيا، التى وقعت على بيان ختامى صادر عن مؤتمر مجموعة لاهاى لدعم فلسطين فى يوليو 2025، فرضت بموجبه تدابير عليها منها وقف تصدير الأسلحة، ومنع السفن المحملة بالأسلحة من المرور عبر موانئها، إلى جانب تعليق بعض الدول الأوروبية توريد الأسلحة، أو تراخيص التصدير لإسرائيل، ومن بين هذه الدول فرنسا، وإسبانيا، والمملكة المتحدة.

■ هل تسهم الاعترافات الدولية فى دفع الولايات المتحدة لتغيير مواقفها حيال إقامة الدولة الفلسطينية؟

- توسيع دائرة الاعترافات الثنائية والجماعية بالدولة الفلسطينية يعمق عزلة الموقف الإسرائيلى ويضع واشنطن فى مواجهة إجماع دولى متزايد. وإلى جانب ذلك، يشكل توظيف المنظمات الدولية والإقليمية كالأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبى، وجامعة الدول العربية إطاراً ضاغطاً لإبقاء القضية فى صدارة الأجندة العالمية، ذلك أنه فى حالة عجز مجلس الأمن الدولى -على سبيل المثال- عن تمرير التوصية الخاصة بالعضوية الكاملة للدولة الفلسطينية فى الأمم المتحدة، يمكن للدول الداعمة للقضية الفلسطينية فى هذه الحالة أن تلجأ إلى الآليات التى تملكها الجمعية العامة مثل «قرار الاتحاد من أجل السلام»، الذى قد يسمح بتجاوز عرقلة مجلس الأمن عبر حشد توصيات ملزمة سياسياً ومؤثرة فى بعض الأحيان.

كما أن الحشد الإقليمى والثنائى يمكن أن يُحول الفيتو إلى عبء سياسى على الدولة التى استخدمته (الولايات المتحدة الأمريكية)، فإن قيام الجمعية العامة للأمم المتحدة بطلب رأى استشارى من محكمة العدل الدولية بخصوص هذا الموضوع يعد وسيلة فعالة أخرى لتعزيز الشرعية القانونية الدولية، بما يجعل عجز مجلس الأمن غير كافٍ لوقف مسار التنفيذ فى هذه الحالة.

■ ما مكاسب الاعترافات الدولية بفلسطين؟

- الاعتراف بفلسطين له العديد من المكاسب، إذ سيرسخ من حق الشعب الفلسطينى فى تقرير المصير، وهو الحق الذى أكدت عليه مواثيق الأمم المتحدة المختلفة والعديد من القرارات الأممية، بوصفه قاعدة آمرة فى القانون الدولى، وسيعزز من قدرة فلسطين على الانضمام إلى المزيد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية، بما يدعم من قدرتها على حماية شعبها وممتلكاتها، وسيضمن إثارة مسئولية إسرائيل عن الانتهاكات المزعومة للقانون الدولى، بما فى ذلك جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

فقد سبق وانضمت فلسطين للاتفاقيات الخاصة بالقانون الدولى الإنسانى والقانون الدولى لحقوق الإنسان كاتفاقيات لاهاى وجنيف، واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948. كما انضمت إلى منظمات مثل اليونيسكو، ومنظمة الجمارك العالمية.

المساواة مع الدول

سيضع الاعتراف فلسطين، من الناحية النظرية والقانونية، على قدم المساواة مع الدول الأخرى فى العلاقات الدبلوماسية، ويقلل من علاقات التبعية التى يفرضها الاحتلال، وهو ما يشكل فى حد ذاته تطبيقاً لنصوص ميثاق الأمم المتحدة، خاصة المادة التى تنص على وجوب المساواة فى السيادة بين جميع الدول، علاوة على ذلك، يخلق الاعتراف الدولى المتزايد ضغطاً سياسياً ودبلوماسياً متزايداً على إسرائيل لإنهاء الاحتلال والالتزام بالقانون الدولى.


مواضيع متعلقة