بنود ترامب الـ20.. تعجيز أم تجهيز
أثارت خطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لوقف الحرب، التى تُعرف بخطة الـ20 بنداً الكثير من التساؤلات والتكهنات، خاصة أنها تفتح الباب على مصراعيه أمام مرحلة انتقالية معقّدة فى غزة. الخطة التى أعلنت فى 30 سبتمبر تهدف إلى وقف التصعيد، وإطلاق سراح الأسرى وإعادة بناء المنطقة، غير أنها تحمل فى طياتها مخاطر وتحديات سياسية وعسكرية جمّة. لقد وافقت حماس على بعض العناصر الرئيسية من الخطة، بما فى ذلك إطلاق جميع الأسرى الإسرائيليين (نحو 48)، بما فى ذلك 20 أسيراً على قيد الحياة، مقابل إطلاق 250 معتقلاً فلسطينياً و1700 محتجز آخرين، وتسليم الإدارة إلى هيئة فلسطينية مستقلة من تكنوقراط غير مُسيسين، لكنها تحفّظت على بعض ما جاء فى البنود الـ20 وطلبت تعديلات على نقاط تتعلق بحقوق الفلسطينيين والقانون الدولى مثل عدم التنازل الكامل عن السلاح دون ضمانات أمنية، ورفض نقل السكان.
ورغم أمر ترامب لإسرائيل بالتوقف الفورى عن قصف غزة حتى يتسنى لحماس الوصول إلى الأسرى الموجودين فى مناطق الاشتباك، فإن نتنياهو لم يلتزم، والغريب أن ترامب بدلاً من أن يضغط على إسرائيل لوقف العدوان على غزة، استمر فى إطلاق التحذيرات والتهديدات لحركة حماس، إذا لم تلتزم بإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين! وهو أمر ليس مستغرباً من الرئيس ترامب الذى يطلق التصريح ونقيضه فى آن واحد، أما موافقة نتنياهو المبدئية على خطة ترامب، والتى كانت مفاجئة له فقد طالب بتعديلات أدخلت بناءً على طلب إسرائيل، مثل الحفاظ على وجود عسكرى فى ثلث غزة بعد المرحلة الثانية، ومنطقة عازلة دائمة على الحدود، وأنها ستوقف النشاط الهجومى الاستباقى مؤقتاً، لكنها سترد على أى تهديد فورى.
ورغم أن الخطة مقسّمة إلى مراحل انتقالية تركز على البُعد الإنسانى أولاً ثم الأمنى ثانياً، فإن التنفيذ يبدو ملغماً بالتفاصيل، خاصة ما يتعلق بنزع سلاح المقاومة ومصير الحركة وإعادة الإعمار وإزالة أطنان هائلة من الركام التى قد تمتد لسنوات، فيما ترك الباب مفتوحاً لدولة فلسطينية مستقبلية.
ربما أهم إيجابيات الخطة التى يتّفق عليها الجميع هى إنهاء القتال، بما يعنى تدفّق المساعدات والسعى لبناء المستشفيات والخدمات الأساسية التى دمّرها الاحتلال، وتخفيف المجاعة. أما التحديات فهى كبيرة ومعقّدة، فالدمار طال أكثر من 70% من قطاع غزة، وأى تأخير فى الانسحاب الإسرائيلى يعنى استمرار النزوح، وهناك مخاوف من احتلال غير مباشر، إذ تسيطر إسرائيل على المجال الجوى والحدود، مما يجعل «غزة سجناً مفتوحاً» تحت إدارة انتقالية، أو تحويل غزة إلى مستعمرة بوصاية دولية.
ما زالت الأمور غير واضحة، فى الداخل الإسرائيلى هناك معارضة شديدة يقودها اليمين المتطرف من حلفاء نتنياهو الذين يُهدّدون بانهيار الحكومة، وفى غزة يرفض قادة عسكريون فى حماس النزع الكامل للسلاح، الأمر الذى قد يؤدى إلى انقسامات، أو العودة إلى القتال، أما الضمانات الدولية المتمثّلة بالسعودية والأردن ومصر والإمارات وتركيا وإندونيسيا فهى ضمانات ضعيفة لا تهتم لها إسرائيل، وهو الأمر الذى تُدركه حركة حماس جيداً، وكانت حريصة على أن تكون هناك ضمانات أمريكية واضحة بهذا الشأن، وهو ما لم يتحقّق، بل هدّد ترامب بدعم إسرائيل لإنهاء المهمة فيما لو فشلت المحادثات فى القاهرة لإطلاق سراح الأسرى، دون أن يوجّه أى انتقادات إلى إسرائيل التى تجيد التملص من الالتزامات والهروب من التنفيذ.
لا شك أن غزة تواجه مستقبلاً لا يزال غامضاً، يجمع بين أمرين كلاهما مر، إذا تعثّرت المفاوضات وفشلت الخطة، وضرورة الإغاثة الفورية للسكان الذين أنهكتهم الحرب المتواصلة منذ عامين، والسيطرة الأمنية الإسرائيلية المستمرة. خطة ترامب رغم أنها إسرائيلية بثوب أمريكى قد تُنهى القتال الحالى، لكنها لا تضمن دولة فلسطينية مستقلة، وقد تُؤجل الملفات الملغومة والتوترات بدلاً من حلها، ومفاوضات القاهرة ستُحدّد إذا كانت هذه الخطة لسلام دائم كما يدّعى ترامب، أم أنها مجرد هُدنة مؤقتة، فالوضع يتغيّر ساعة بساعة.