«التصعيد متعدد الجبهات» يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط

كتب: ماريان سعيد

«التصعيد متعدد الجبهات» يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط

«التصعيد متعدد الجبهات» يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط

شهدت منطقة الشرق الأوسط، على مدار عامين، واحدة من أكثر الحروب دموية، وتجاوزت تداعيات الحدث حدود غزة وإسرائيل، وأحدثت تغييرات عميقة فى الحسابات الإقليمية والدولية، أعادت رسم التوازنات الاستراتيجية على المستويين السياسى والجيوسياسى، فالحرب لم تقتصر على غزة وحدها، بل امتدت لتشمل جبهات أخرى، وسرعان ما تحولت الحرب إلى أزمة متعددة الجبهات، لأن الصراع بين إسرائيل وحزب الله فتح جبهة جديدة على الحدود الشمالية لإسرائيل، تخللها تبادل عنيف للقصف الصاروخى والهجمات، وتوسعت المواجهات لتشمل تهديدات من الحوثيين فى اليمن، واستهدفوا المصالح الإسرائيلية باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ بعيدة المدى، مع هجمات إسرائيلية متبادلة، وأوجد التصعيد بين إيران وإسرائيل مشهداً إقليمياً مضطرباً ومعقداً.

«تل أبيب» توسع دائرة الصراعات مع «طهران وبيروت ودمشق وصنعاء والدوحة»

مراكز الدراسات العالمية تناولت تعقيدات المشهد الإقليمى فى الشرق الأوسط، وذكرت مجلة الشئون الخارجية الأمريكية، فى دراسة، أن الحرب غيّرت «بنية التحالفات التقليدية» فى المنطقة، وأظهرت أن إسرائيل لم تعد قادرة على فرض استقرار طويل الأمد عبر القوة العسكرية، والأزمة قوضت مشاريع التطبيع الموسعة التى كانت واشنطن ترعاها، وتراجعت الدول العربية عن المضى قدماً فى اتفاقيات أمنية أو اقتصادية مع إسرائيل بعد «الدمار الممنهج فى غزة».

دراسة أمريكية: دول عربية تراجعت عن اتفاقيات أمنية واقتصادية مع إسرائيل

وأكد موقع «مؤسسة بروكينجز» البحثية أن ما حدث بعد 7 أكتوبر أجبر الولايات المتحدة على إعادة تعريف دورها فى الشرق الأوسط، بعد تصاعد النفوذ الروسى والصينى فى الملفات الإقليمية الحساسة. ورأى مركز «تشاتام هاوس» البريطانى، المتخصص فى أبحاث الشئون الدولية، أن الحرب لم تكن صراعاً محلياً، بل نقطة انعطاف فى ميزان القوى العالمى، والاصطفاف الدولى حول الحرب كشف تحولاً تدريجياً نحو عالم متعدد الأقطاب، بعدما دعمت موسكو وبكين الموقف الفلسطينى سياسياً ودبلوماسياً، وتراجعت قدرة الغرب على احتكار الخطاب الإنسانى. وأشارت مجلة الإيكونوميست، فى تقرير، إلى أن الهجوم على إسرائيل فى 7 أكتوبر وما تبعه من حرب طويلة الأمد أدى إلى «إعادة تموضع استراتيجى» للدول الإقليمية، ودفعت الأحداث إيران وتركيا إلى تعزيز نفوذهما فى المنطقة عبر دعم سياسى وإعلامى للفصائل الفلسطينية، فيما اتجهت السعودية ومصر إلى «تبنّى مقاربة واقعية» توازن بين الوساطة والضغوط الدولية، ودخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوازنات غير المستقرة، وبات الصراع جزءاً من تنافس أوسع بين القوى الكبرى على النفوذ فى البحر المتوسط والخليج والبحر الأحمر.

«تشاتام هاوس»: الحرب نقطة انعطاف فى ميزان القوى العالمى

وأكدت دراسة لمجلس العلاقات الخارجية الأوروبى أن الحرب فى غزة فجّرت انقساماً أوروبياً حاداً، وأظهرت المواقف اختلافاً بين دول تدعم إسرائيل علناً مثل ألمانيا والتشيك، وأخرى كإسبانيا وإيرلندا تطالب بالاعتراف بدولة فلسطين، وهذا الانقسام أضعف الموقف الأوروبى الموحد فى السياسة الخارجية، وفتح الباب أمام مزيد من النفوذ الروسى والصينى فى منطقة البحر المتوسط.

من جانبه، قال نزار نزال، المحلل السياسى الفلسطينى، لـ«الوطن» إن صورة إسرائيل تشوهت وسقطت دبلوماسياً بعد موجة الاعترافات بالحق الفلسطينى وحركات الاحتجاج الواسعة فى أوروبا والعالم، مشيراً إلى أن سنوات من محاولات التجميل لن تستطيع إصلاح ما أحدثته حرب غزة من تشويه لصورة تل أبيب.

«إيكونوميست»: أحداث 7 أكتوبر أدت إلى إعادة تموضع استراتيجى

وتابع «نزال»: «مصر لعبت دوراً محورياً بعد 7 أكتوبر فى 3 اتجاهات أساسية هى منع التهجير القسرى للفلسطينيين، وحماية القضية الفلسطينية من التصفية، والتخفيف الإنسانى عبر رعاية المفاوضات وعمليات إطلاق الأسرى ووقف إطلاق النار المؤقت»، مؤكداً أن التعاطى المصرى مع إسرائيل اتسم بالصلابة فى بعض المواقف، وترك أثراً استراتيجياً عميقاً على المدى البعيد فى مسار الصراع العربى - الإسرائيلى».

وأكد الدكتور كريم العمدة، أستاذ الاقتصاد السياسى لـ«الوطن»، أن خسائر الإقليم الاقتصادية فادحة، خلال العامين الماضيين، فالمؤشرات الاقتصادية لبعض الدول كان يمكن أن تحقق مكاسب فى الاقتصاد، أو تتحسن مؤشراتها فى المستقبل، ولكن مع وجود الأزمة فإن مؤشراتها تزيد بشكل أقل، مما يمثل تراجعاً.

وأضاف: «هناك ما يقارب 50 مليار دولار من المرتقب أن يتم ضخها فى إعادة إعمار غزة، لبناء دولة جديدة فى القطاع، كذلك الاستثمارات فى الإقليم تأثرت بشكل كبير، فهناك تأثر سياحى فى لبنان، واقتصادى فى الأردن، كذلك إيرادات قناة السويس فى مصر تأثرت بشكل كبير، بسب استهداف الحوثيين للسفن فى البحر الأحمر، كما أن الخليج العربى تأثر بسب التوترات الإقليمية، خاصة ما يتعلق بأسعار النفط، وهناك تأثير اقتصادى وقع على إيران، فى ظل التوتر العسكرى القائم مع «تل أبيب»، الأمر الذى استدعى زيادة الإنفاق العسكرى، خاصة فى دول الخليج، بعدما شهدت المنطقة تصاعد التوتر، بخلاف أزمة الأمن الغذائى العالمى فى ظل التوتر الروسى الأوكرانى».

وأوضح «العمدة» أن البنك الدولى أجرى دراسة فى عام 2016 عن تأثير التوترات والحروب على الاقتصاد، وتناول إقليم الشرق الأوسط على وجه الخصوص، وقال إن الأزمات أثرت على دول بعينها، وحددها، وهى العراق واليمن وسوريا وليبيا، وقال إن 88 مليون شخص تأثروا بشكل مباشر، وإن العراق به 40 مليون مواطن بحاجة لمساعدات عاجلة، وإن نصف سكان اليمن قد يمر بمجاعة، وبحاجة لمساعدات إنسانية.


مواضيع متعلقة