خيمت على المدينة أجواء الإحباط وفقدان الأمل، وصار حديث الناس عن الحدوتة المصرية التي انتهت مبكرًا وقبل موعدها، كان التفاؤل بمستقبل مختلف يحتل مساحات القلوب ويظلل صحاري الأرض المقدسة التي تعلق الجميع بفكرة حماية الرب لها ومن يسكنها، ولكنها سقطت بعد النكسة في يد اليهود دون مقدمات أو تمهيد. من ذروة الثقة سقط الجميع في هوة الحقيقة السوداء، وبتنا رهينة محتل جديد.
لم تمر ليلة دون اقتحام منزل في الحي أو الشوارع المجاورة بحثًا عن «مخربين» على حد تعبير جنود إسرائيل وإعلامهم، ويقصدون كل مقاوم، وهو التوصيف الذي سعى لنيله أعداد غير محدودة في بر سيناء ومدنها، وبات مصدر فخرهم في مواجهة العدو حتى فاق عدد من تقلد «نجمة سيناء» أعلى وسام مصري كل تصور، بعد انطلاق العديد من جماعات المقاومة في كل شبر من سيناء رغم عمليات نسف بيوت المقاومين والتنكيل بهم، وإصدار أحكام بالحبس أكثر من مائة عام على بعضهم.
كان موت عبد الناصر الهوة السحيقة التي سقطت فيها أحلام التحرر، وتأكدت مع خطاب متلعثم للرئيس السادات الذي لم يكن من حسن حظه أن يأتي بعد زعيم في حجم ناصر وتأثيره، ليتحول إلى مادة الحديث الدائمة وسلسلة من التساؤلات حول قدرته على خوض الحرب، وبات الشك في إمكانية حدوث ذلك سيد الموقف قبل أن يثبت الرجل العكس.
بعد مرور السنوات وبقاء بعض مخلفات الحرب في الشوارع، وكأنما تركت عن عمد لتذكرنا بالهزيمة أو لتبقي ذلك الشعور بنفس المعنى أطول فترة ممكنة، كدنا نسلم بالأمر.
مثل كل صباحات الأيام السابقة توجه الكل إلى عمله ومدارسه، طابور الصباح وحافلة نقل المعلمين من قطاع غزة توقفت أمام بوابة مدرسة الجيل وسط المدينة، بدأ اليوم وانتهى لنعود إلى منازلنا ببقايا نقاش عن يوم تتغير فيه الدنيا ونتخلص من وجوه وأسماء ما كان لها أن تحتل بلادنا وبلادهم.
على كنبة في ركن من البيت إلى جوار المذياع جلست كعادة كل يوم، تخطت عقارب الساعة الثانية وجاء البيان الأول لحرب أكتوبر بصوت العم حلمي البلك، والذي سمعناه كما كنا نتمنى: «المصريين جايين». من داخل الدار إلى نداء من كل جار إلى جاره انطلقت حناجر الناس: زمن اليهود خلص. خرج الناس إلى الشوارع بعضهم وأنا منهم حافي القدمين، وتلك فرحة يغلفها الترقب وتطير لها العقول ونحن من تعود على أزمنة من الاحتلال أكثر من أزمنة الوطن. شاهدنا محاولات جنود الاحتلال التهرب من الذهاب إلى المعركة، وأدركنا بما لا يدع مجالًا للشك أن أمريكا هي العدو الحقيقي لطموحات التحرر مع كل طائرة تحط في مطار العريش ضمن جسر الإمداد الجوي للجيش الإسرائيلي.
بين التشكيك في اكتمال النصر والثقة في نصر الله مرت الثواني والساعات والأيام، ثم جرت السنوات وانتهى الاحتلال نتيجة النصر الأهم في تاريخ الأمة، والذي حققه الجيش المصري أسرع مما تصور العدو، وبقي في الذاكرة ذلك الشعور الذي يمنحك الثقة بأنك ذو حظ عظيم أنك شهدت وعشت تلك اللحظة وأغمضت عينيك على أمل بنصر أكبر مع طلوع الصباحات التالية.