اتفاق شرم الشيخ.. سياسة الخطوة خطوة وما لا يُدرك كله!

أحمد رفعت

أحمد رفعت

كاتب صحفي

عشرات الأسئلة -لأى متأمل- تتدفّق فوراً برؤية مشهد التوصّل إلى اتفاق غزة بوقف الحرب وتبادل الأسرى.. كيف جرى ما جرى فى شرم الشيخ فى يومين؟! ما سر الثقة التى تحدّث بها الرئيس عبدالفتاح السيسى وهو يدعو الرئيس ترامب لزيارة مصر ولحضور احتفال توقيع الاتفاق (حال إتمامه)؟! كيف جاء خليل الحية والذين معه من قطر؟! متى جاءوا؟!

مثل هذه الأمور، ورغم أمان مصر كلها لكنها تحتاج إلى ترتيبات خاصة وكبيرة، هل يمكن وجود رئيس وزراء قطر وكوشنر وويتكوف ورئيس المخابرات التركية مع الحية، وطبعاً القيادات المصرية كلها المسئولة عن الحوار وإدارته والملف الفلسطينى كاملاً. نقول هل يمكن أن يوجد هؤلاء فى مكان واحد ووقت واحد دون التوصل إلى اتفاق؟!

الحقيقة.. وليس غيرها.. تقول إن جهداً مصرياً هائلاً بُذل قبل اجتماعات شرم الشيخ حتى تكون عملية التوصل إلى اتفاق «حتمية» تحاصر فيه إسرائيل حتى لو تم ذلك على «الخطوة الأولى» فقط، التى تتمثل فى بندين أساسيين لا ثالث لهما، وقف العدوان بمشتملاته.. وتبادل الأسرى بمشتملاته.. وقف العدوان يتطلب بيان الجدول الزمنى لذلك وحدوده.. ووفقاً لما أعلن فقد تم ذلك.. وتبادل الأسرى يعنى الاتفاق على الأسماء المفرج عنهم، وعلى رأسهم مروان البرغوثى وأحمد سعدات.. وقد تم ذلك فى ما يبدو حتى اللحظة، مع مراعاة الملاحظات الحمساوية على ذلك، ومنها الوقت المطلوب للوصول إلى رفات الموتى الإسرائيليين، لصعوبة عمليات البحث ورفع الأنقاض والركام، وهو ما يحتاج إلى أدوات ووسائل ميكانيكية وروافع وخرائط واتصالات ولقاءات وحرية حركة!

لم يكن فى الإمكان مناقشة خطة ترامب كاملة.. سيحتاج الأمر فترة طويلة.. وترف ذلك غير متوافر للجانبين.. شلال دم لا يتوقف ودمار شامل فى غزة.. وعلى الجانب الآخر إدانات شاملة للعدو الإسرائيلى وغضب شعبى عارم فى كل أنحاء العالم، وترجم ذلك كله إلى مقاطعات اقتصادية وإلغاء اتفاقيات تجارية وعقود، بما فيها العسكرية، وتأثر السياحة فى الكيان، فضلاً عن الاعترافات الكبيرة بالدولة الفلسطينية التى بلغت حدود المائة وستين دولة تشكل الغالبية الكاسحة من دول العالم، فضلاً عن اشتمالها على دول كبرى، ودول كبرى اشتُهرت تاريخياً بالانحياز الشامل، بل والأعمى للعدو الإسرائيلى!! ناهيك عن التقاضى أمام أعلى المحاكم الدولية بمساريها، العدل الدولية المختصة بمحاكمة الدول، والجنائية الدولية المختصة بالأفراد، وكلتاهما أدانت العدو وقادته.. ولم يُسبب ذلك خسائر للعدو فقط، بل تسبّب فى حرج بالغ للولايات المتحدة!

سياسة الخطوة خطوة التى دعمتها مصر مع شركاء الوساطة كانت الحل المثالى لوقف العدوان وإنقاذ الشعب المسكين.. فنقاط فى الخطة، مثل تسليم سلاح حماس، ومستقبل قياداتها وأعضائها بين الممر الآمن والعفو العام وعدم الملاحقة وعدم وجود جدول زمنى لانسحاب جيش العدو وتسليم مواقعه التى سينسحب منها -بغير جدول زمنى- إلى الشرطة الإسرائيلية أيضاً، وليس شركة فلسطينية، ثم إعادة إعمار غزة، وإصلاح السلطة الفلسطينية، ودورها فى هذه المراحل بشكل عام، والكوادر التكنوقراط الفلسطينيين غير الفصائليين ودورهم وعملهم تحت قيادة مجلس السلام غير المعروف تشكيله حتى اللحظة، إلا اسم واحد منه هو «بلير»، والأهم من كل ذلك أفق تأسيس الدولة الفلسطينية، الذى قالت الخطة إن الحديث عنه يبدأ بعد إنجاز الإعمار وإصلاح السلطة وفق النص الموجود (بأمانة)، وهو ما يُمكن التملص منه أو التلكؤ به، وأخيراً عدم وجود ضمانة أصلاً للحفاظ على الاتفاق واستمراره، إذا ما سلمت حماس الرهائن والأسرى لديها أحياء وأمواتاً!! لا بضمانة مكتوبة، ولا بوجود الأمم المتحدة، ولا بحضور وضمانات لدول كبرى أخرى!

نقول: انتظار إنجاز كل ذلك بعراقيله مع استمرار خسائر الجانبين كان صعباً وقاسياً.. وحجم الألم فى الجانب الفلسطينى والعربى عامة لا يُقدّر ولا يُقاس بأى ألم ووجع آخر.. فنزيف الدم البشرى لا يُقدّر بأى ثمن.. وهو أغلى وأطهر مما سواه، خاصة الأبرياء العزل من الأطفال والنساء والشيوخ!

ولذلك كان الشعار «ما لا يُدرك كله لا يترك كله»، وقد كان!

تتبقى مراقبة العدو، الذى تخصّص فى مخالفة اتفاقياته، وله القدرة الجهنمية على اختلاق الوقائع وتلفيق الأدلة والتحجّج بكل حجة ممكنة، للتملص من أىّ التزامات، وقد يكون ذلك وارداً بعد عودة أسراه، ونُؤمن بأن مصر وقياداتها ومفاوضيها يضعون هذا الاحتمال فى الحسبان ولهم عليه ردود كثيرة وسيناريوهات مختلفة، علماً بأن العدوان الصهيونى لم يتوقف حتى فى ظل وجود أسراه!!

على كل حال.. يسعد أى إنسان فى العالم، مهما كانت ملته أو قوميته، بوقف قصف الأبرياء، وتوقف العدوان عليهم، وتوافر الشراب والطعام والدواء لهم.. خاصة بعد معاناة مريرة لا يوجد فى قاموس لغات العالم ما يصفها.. وعدد من الضحايا لا مثيل له فى زماننا.. من قوة غشيمة مجرمة تعمّدت كل ما حدث.. وأثبتته المحاكم الدولية كما قلنا، وبالتالى قال التاريخ والقضاء كلمته.. ومع الدعوات بالرحمة للشهداء والشفاء للجرحى والصبر لأهاليهم، بل والصبر للجميع بما فيهم نحن وكل العرب.. وبين ذلك كله لا يفوتنا الترحيب بعودة الأسرى المحرّرين.. دفعوا الثمن غالياً من أعمارهم وصحتهم وحياتهم.. لهم البشرى فى الدنيا والآخرة!