هل انتصر الإسلام السياسي؟
نحن نكتب «على الحبل»، عقب توقيع إتفاق وقف إطلاق النار فى «شرم الشيخ» مباشرة، دون أن نعرف تفاصيل الاتفاق التى تمت بالفعل، وهى خارطة الطريق الحقيقية لمستقبل المنطقة وأمنها واستقرار «السلام» على أرضها.. وحتى تتضح التفاصيل سوف نطرح العديد من الأسئلة المتعلقة بإدارة «غزة» وعلاقة سكانها بإسرائيل التى كانت بالنسبة لهم مكان العمل ومصدر الطاقة والوقود وما إلى ذلك.
أن تحصل على «جوهرة السلام» بعد حرب مدمرة وتكتفى بالبحث عن «تسليم الرهائن ودفن الجثث وإدخال المساعدات إلى قطاع غزة» فهذه كارثة، وبالطبع كلماتى لا تعكس «رؤية مصر» التى سعت من البداية إلى إقرار «سلام مستمر» مقبول من كافة الأطراف تحميه إرادة دولية، لا يخرقه «صاروخ مفاجئ».. فقط يلح علىَّ كابوس تكرَّر عدة مرات بنفس السيناريو وكنا نعود إلى نقطة الصفر بنفس آليات الإسلام السياسى التى جعلت القدس «أضحية» تقدم بها نفسها كلما ابتعدت عن المشهد.
سوف نفترض أن المفاوضات الصعبة قد أثمرت بنوداً محكمة، فهل نضمن تحقيقها عند توزيع مهامها بين «حماس» والسلطة الفلسطينية وأى وسيط دولى آخر؟.. هل نضمن عدم تكرار 7 أكتوبر ٢٠٢٣ الذى خلَّف نحو 70 ألف شهيد وحوالى 200 ألف مصاب؟؟
لقد أدى اتفاق وقف إطلاق النار فى غزة إلى تفجير الخلافات داخل تنظيم الإخوان، بعد أن انقسمت مواقف جبهاته بين من اعتبر الاتفاق «انتصاراً سياسياً» موجهاً الشكر للوسطاء، وبين من شن هجوماً على دول عربية، وفى مقدمتها مصر.. وذكرت جبهة «تيار التغيير» أن إسرائيل «فشلت فى تحقيق أهدافها بالقوة العسكرية، كما فشلت فى تحقيقها عبر المفاوضات، واضطرت إلى القبول بالتفاوض تحت ضغط المقاومة» (!!).. غير أن الجبهة استغلت البيان لتوجيه انتقادات حادة إلى مصر، متهمة إياها بـ«إغلاق معبر رفح» و«التربح من جرحى غزة»، وهى الكذبة المبتذلة التى تستخدمها دائماً.
وذلك رغم أن جبهات الإخوان المتنازعة أصدرت فى وقت سابق بيانات متقاربة المضمون، دعت فيها إلى رفض «خطة ترامب»، إذ وصفتها جبهة محمود حسين بأنها «خطة تُكرس لاستمرار الاحتلال»، بينما اعتبرتها جبهة تيار التغيير «خطة استسلام لا تعبر عن إرادة الشعب الفلسطينى».
صحيح أن مواقف جبهات الجماعة تكشف عن عمق الانقسام التنظيمى والفكرى الذى تعيشه منذ الإطاحة بها فى مصر، فتحولت مواقفها إلى ساحة لـ«تصفية الحسابات» مع مصر تحديداً، ولكن من يضمن لنا أنها لكن تكون -رغم تشظيها وتشرذمها- اللاعب الذى يحرك «عرائس الماريونيت» فى الداخل؟!.
لا يصل بى التفاؤل إلى اقتراح «العودة إلى طاولة المفاوضات» الآن لاستكمال مسيرة السلام، لكنى أيضاً لا أملك تجاهل لعب جماعات الإسلام السياسى دائماً بورقة «المقاومة الإسلامية».
لقد سارعت قيادات وواجهات إعلامية محسوبة على الإخوان إلى تبنِّى خطاب تعبوى يصف ما جرى بـ«انتصار المقاومة الإسلامية»، وتقديم أنفسهم باعتبارهم «الداعم المعنوى والشرعى للمقاومة الفلسطينية، ورغم أنهم لم يتحركوا على الأرض ولو خطوة واحدة لدعم غزة لا يزال هذا «الخطاب الحنجورى» هو مشروعهم الوحيد لنصرة غزة، وهو خطاب تحريضى ينتهى بحمل السلاح ونشوب الحرب.. فهل يمكن أن نعتبر سقوط (70 ألف شهيد وحوالى 200 ألف مصاب) وتشريد سكان غزة والتهجير والتجويع انتصاراً لما يسمى «المقاومة الإسلامية»، يمكن لها أن تبنى عليه؟.. وهل يكفى «تذكير العالم بالقضية» واعتراف عدة دول بفلسطين ثمناً لأرواح هؤلاء؟؟.
إن حركة «تيار التغيير»، رغم انقسامها وعدم شهرة رموزها، لا تمتلك رموزاً معروفة تستثمر فى حالة شديدة التطرف، وتدعو أنصارها إلى تنفيذ عمليات مسلحة ضد مصر، وتقدِّم نفسها باعتبارها الأمينة على تراث الإخوان، لكنها تفسر هذا التراث باعتباره لا يقتضى إلا العنف والعمل المسلح ضد الدولة المصرية.. أى أن مصر «صانعة السلام» التى انتشلت غزة من فوهة بركان وقدَّمت فوق طاقتها من المساعدات وتكبَّدت القيام بأدوار دبلوماسية مضنية لتصل إلى وقف إطلاق النار فى غزة.. لا تزال هدفاً للإخوان!!. فمن الذى سينفذ «العمل المسلح ضد الدولة المصرية».. أترك الإجابة لكم.
الخلاصة: ليست هناك رائحة انتصار لأى طرف من الأطراف فى غزة، لكن الإسلام السياسى اعتاد دائماً أن يرفع كلمة «شهيد» فى وجوهنا ويرتدى الأكفان تماماً مثلما فعلوا فى «اعتصام رابعة المسلح» ويندبون ويشقون الجيوب ويلطمون الخدود، لا لنسمع صوت الرصاص الذى يحصد أهالى غزة، بل لنسمع صوتهم هم وأكاذيبهم وانتصاراتهم الوهمية.