تفكير يلائم واقعنا (6)
تعظيم دور الأفراد فى امتلاك الاقتصاد يعد هدفاً جيداً فى حد ذاته، إن سلمت الخطط، أو كانت تلائم واقعنا المعيش. لكن المشكلة أن المسئولين عن التخطيط الاقتصادى فى بلدنا، يطبقون نظريات وأفكاراً تتماشى مع اقتصادات قوية، أو بمعنى أكثر دقة، ينفذون خطط الاقتصادات الاستعمارية على الدول المستعمرة أو التابعة.
وهذه آفة ليست بالجديدة، إذ إنها تعشش منذ زمن فى عقول الكثير من الأكاديميين الاقتصاديين المصريين، ممن يعطون لتاريخ أوروبا وأمريكا الاقتصادى أولوية على تاريخنا نحن، ويتحمسون لتدريس نظريات عن «توازن المشروع فى ظل المنافسة الحرة أو الاحتكارية» أكثر من تحمسهم لدراسة أفكار حول سبل تنظيم القطاع العام، وانتشاله من ورطته. وهؤلاء يتناولون بشغف نظريات الثمن والتوزيع والتوازن الكلى على حالها الذى وضعه مارشال أو كينز، مع أن هذين المفكرين الاقتصاديين كانا سيتوصلان إلى نتائج مغايرة لو وضعا هذه النظريات على أساس دراسة اقتصاد دول العالم الثالث التى ننتمى إليها.
ويتم اقتطاع هذه النظريات والأفكار من سياقها لتدرس وتطبق فى سياق مغاير، لكنها لن تفلح أبداً، فلا المشكلات التى تعانى منها حياتنا الاقتصادية هى المشكلات التى تعترض الغربيين، ولا الحلول التى تصلح لهم يمكن أن تنفعنا بصورتها المستوردة. فالخبرة الأوروبية اتكأت أساساً على الثورة الصناعية، التى فتحت الباب واسعاً أمام بناء المصانع وتشييد المدن على حساب الاقتصاد التقليدى وحياة الريف البسيطة.
وهذه الطريقة الأوروبية بدت لكثيرين منا هى النموذج الأوحد لتحقيق التنمية، وأن الوصول إلى المجتمع الصناعى المتقدم تقنياً لا يكون إلا بالقضاء على النسق الاجتماعى المرتبط بالزراعة. وينسى هؤلاء أن النمط الأوروبى يحتاج إلى تراكم رأسمالى، وهو ما تحقق من النهب الاستعمارى، ويحتاج أيضاً إلى تقدم تقنى وهو ما وفرته الثورات العلمية المتعاقبة. وكلا الشرطين لا يتوفران عندنا من الأساس.
ومن المنشأ ينظر الغربيون إلى الاقتصاد بوصفه «مخدوماً» وليس «خادماً»، بمعنى أن كل شىء يهون ويوظف فى سبيل تعظيم الربح وتراكم الوفورات المالية، فهذا هو أهم معيار يقاس به نجاح الشركة أو المؤسسة، إن لم يكن المعيار الوحيد لدى كثيرين. ولا يلتفت هؤلاء إلى «روح الشرق» المستمدة من صحيح الأديان السماوية، والتى تنظر إلى الاقتصاد بوصفه خادماً، لأنها تؤمن بأن الإنسان له وظيفة فى الحياة الدنيا أكبر بكثير من مجرد أن يأكل ويشرب ويتكاثر ويترفه، وتؤمن كذلك بالبعد الاجتماعى للمال، ففى الإسلام مثلاً يقوم الاقتصاد على أصل ثابت مفاده أن «المال مال الله ونحن وكلاؤه»، ومن ثم شرعت الزكاة والصدقة، ورأى بعض الفقهاء أن الدولة يمكنها أن تقدم على التأميم إن اختلت الأمور، فامتلكت القلة الضئيلة كل شىء وحرمت الأغلبية العريضة من حيازة أدنى شىء.
والنظريات الاقتصادية الغربية تصلح فى بلدان حققت حداً معقولاً من الكفاية لمواطنيها، أو تنفع بلاداً تريد أن تمد أياديها الاقتصادية إلى خارج الحدود، باحثة عن أسواق رائجة وأماكن طيّعة للاستثمار. أما فى بلد مثل مصر، فإن الأولوية يجب أن تعطى إلى توفير حد الكفاية للناس، من غذاء وكساء وإيواء ودواء وترفيه مناسب، وخلق طبقة وسطى تحافظ على القيم وتحفظ التماسك الاجتماعى، وإيجاد رأسمالية وطنية، تنخرط فى «تعميق التصنيع» وتحرص على منافسة المنتج الأجنبى فى بلادنا فتهزمه، ثم تسعى للمنافسة فى الأسواق الخارجية، خاصة فى العالم العربى وأفريقيا جنوب الصحراء.
لكن الحاصل هو عملية ولادة قيصرية لطبقة مصطنعة من رجال الأعمال الذين يشيدون مشروعات وهمية على أكتاف وأجساد عشرات الملايين من الفقراء والمساكين، ويسعون إلى حيازة احتكارات واسعة بطرق غير مشروعة، ويلهثون وراء مصانع السلع الخفيفة من قبيل المسليات والحلوى والمرطبات، لأنها تدر عوائد سريعة. فإن وجد هؤلاء أن الاستيراد أجدى فى تحصيل مال بلا تعب، فسيغلقون المصانع، ويتحولون إلى تجار، وفى أفضل الظروف إلى وكلاء فى بلادنا للشركات الأجنبية الكبرى.