تحركات مكثفة من القاهرة لإعادة إعمار غزة تمهيداً لمرحلة التنمية طويلة الأمد
تحركات مكثفة من القاهرة لإعادة إعمار غزة تمهيداً لمرحلة التنمية طويلة الأمد
تلعب الدبلوماسية المصرية دوراً مركزياً واستراتيجياً فى إدارة عملية إعادة إعمار قطاع غزة بعد اتفاق شرم الشيخ للسلام، إذ تميزت القاهرة بقدرتها على التنسيق بين الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية والدولية، مع تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية ملموسة على الأرض.
وقال الدكتور محمد الطماوى، الخبير فى الاقتصاد السياسى والعلاقات الدولية، إن مصر بدأت تحركاتها المكثفة قبل انعقاد مؤتمر إعادة الإعمار بسلسلة جولات دقيقة ومتواصلة، انطلقت من الداخل الفلسطينى، شملت لقاءات متعددة، بهدف توحيد المواقف وتنسيق الرؤى حول أولويات إعادة الإعمار، لافتاً إلى أن هذه الجولات لم تقتصر على التفاهمات النظرية، بل شملت وضع جدول زمنى واضح للمشروعات، وترتيب الأولويات بين الخدمات الإنسانية العاجلة، مثل الغذاء والماء والدواء، وإعادة تشغيل البنية التحتية الحيوية، مثل الكهرباء والمستشفيات والمدارس، إضافة إلى التخطيط للمرحلة التنموية طويلة الأمد التى تهدف إلى خلق فرص عمل وتنشيط الاقتصاد المحلى.
وأضاف «الطماوى» لـ«الوطن»: «تمثل خطة إعادة الإعمار المصرية لقطاع غزة مبادرة شاملة تسعى إلى إعادة بناء القطاع بعد الدمار الذى لحق به، وتظهر الدور المحورى للدبلوماسية المصرية فى قيادة جهود السلام والاستقرار الإقليمى، وتسعى القاهرة لتوفير تمويل يقدر بـ53 مليار دولار على مدى 5 سنوات».
وتابع: «التكلفة التقديرية، كما أشار إليها برنامج الأمم المتحدة الإنمائى قد تصل إلى 70 مليار دولار، وهو مبلغ ضخم للغاية، وسط وجود أكثر من 55 مليون طن من الأنقاض فى القطاع، فيما كان البنك الدولى قد قدر فى تقرير له صدر فى فبراير الماضى تكلفة الإعمار بنحو 53 مليار دولار». وأكمل: «كما ركز تقرير آخر على توزيع الاحتياجات بحسب القطاعات، حيث يمثل قطاع الإسكان نحو 30% من إجمالى الاحتياجات أى نحو 15.2 مليار دولار، تليه التجارة والصناعة بـ 6.9 مليار دولار، ثم الصحة بنفس القيمة، والزراعة 4.2 مليار دولار، والحماية الاجتماعية 4.2 مليار دولار، والنقل 2.9 مليار دولار، والمياه والصرف الصحى 2.7 مليار دولار، والتعليم 2.6 مليار دولار، ويشير التقرير أيضاً إلى التكاليف المرتفعة للقطاع البيئى، التى تصل إلى 1.9 مليار دولار، نظراً للكمية الكبيرة من الأنقاض التى تحتوى على ذخائر غير منفجرة والتكاليف المرتبطة بإزالة الركام بأمان».
وأوضح أنه من الضرورى أن تبدأ الخطة بمرحلة التعافى المبكر التى ركزت على إزالة الركام وتأمين السكن المؤقت لنحو 200٫000 شخص وترميم 60٫000 وحدة سكنية جزئياً، ثم امتدت إلى المرحلة الأولى حتى عام 2027 لإنشاء 200٫000 وحدة سكنية دائمة، واستصلاح 20٫000 فدان، وتطوير المرافق الأساسية، مثل المدارس والمستشفيات والكهرباء والمياه والصرف الصحى، قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية حتى عام 2030 التى ركزت على إنشاء مناطق صناعية وموانئ ومطار، وتطوير المنطقة الساحلية بطول 10 كيلومترات لتعزيز النشاط الاقتصادى.
وأشار «الطماوى» إلى أن الخطة قد تضمنت آليات إدارة تضع لجنة غير فصائلية تحت مظلة الحكومة الفلسطينية، وتدريب عناصر الشرطة بالتعاون مع مصر والأردن لضمان الأمن والاستقرار، مع إنشاء صندوق ائتمانى دولى لضمان الشفافية وتنظيم مؤتمر وزارى لجمع الدعم من الدول المانحة والقطاع الخاص.
ونوه بأن للدبلوماسية المصرية دوراً محورياً فى تنسيق هذه الجهود، من خلال الضغط على الأطراف الإقليمية والدولية، وتأمين الالتزام العربى والدولى بالمشاركة فى إعادة البناء، فضلاً عن ضمان توافق الرؤى السياسية والاقتصادية لتحقيق استقرار طويل الأمد فى غزة، بما يعكس مكانة مصر القيادية فى إدارة الملفات المعقدة بالمنطقة.
وأكد خبير الاقتصاد السياسى أن مصر فى الوقت نفسه تضطلع بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية بمهمة ضمان تسهيل مرور المواد الإنسانية والبناء عبر المعابر الحدودية، مع ربط كل إدخال للمواد بضرورة الالتزام بوقف إطلاق النار ومنع أى تعطيل لخطط الإعمار، مضيفاً أن القاهرة ركزت خلال هذه الاتصالات على خلق بيئة مستقرة للتنفيذ، ما يعكس قدرة الدبلوماسية المصرية على إدارة الملفات المعقدة وتحقيق التوازن بين مصالح الأطراف المختلفة.
وشدد «الطماوى» على حرص مصر على استثمار الزخم السياسى الذى صاحب قمة شرم الشيخ، فقادتها اتصالات مكثفة مع الدول الكبرى والمؤسسات المالية العالمية ومنظمات الأمم المتحدة لتأمين التمويل اللازم وإشراك المجتمع الدولى فى تنفيذ المشروعات، مع وضع آليات دقيقة لمراقبة التنفيذ ورفع تقارير دورية حول التقدم، بما يضمن الشفافية والمساءلة، كما تحرص القاهرة على تنسيق الدعم العربى، عبر إشراك الدول الشقيقة فى تقديم مساعدات ملموسة، الأمر الذى عزز الدور المصرى كمنسق رئيسى للعمل العربى المشترك، ورفع من مصداقية القاهرة على الساحتين الإقليمية والدولية، وجعلها عنصراً مؤثراً فى مسارات الاستقرار والسلام فى المنطقة.
وأشار إلى أن مصر وضعت آلية تنفيذية شاملة تقوم على تقسيم عملية إعادة الإعمار إلى مراحل زمنية محددة، تبدأ بالمرحلة الإنسانية العاجلة التى شملت توفير الغذاء والدواء وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، ثم مرحلة إعادة بناء البنية التحتية الحيوية التى تضمنت المستشفيات والمدارس والطرق وشبكات المياه والصرف الصحى، وصولاً إلى مرحلة التنمية الاقتصادية التى تضمنت إطلاق مشروعات صغيرة ومتوسطة لتوفير فرص عمل، وتحريك عجلة الاقتصاد المحلى، بما يضمن عودة الحياة تدريجياً للقطاع ويعزز الاستقرار الاجتماعى.
واستطرد: «وضعت القاهرة خطة دقيقة لتنظيم حركة المواد والخدمات عبر المعابر من الجانب الآخر وفق جدول زمنى مرتبط بمراحل التنفيذ، بحيث يتم تفادى أى توقف أو تعطيل لأى مشروع، مع ربط التمويل الدولى بالتقدم الفعلى على الأرض لضمان الاستدامة والفعالية، وتشمل الآلية المصرية مراقبة مستمرة لجميع المشروعات، مع تقديم تحديثات دورية للمجتمع الدولى والدول المانحة، ما يسهم فى تعزيز ثقة الأطراف كافة بقدرة مصر على إدارة العملية بكفاءة عالية، وتحويل الزخم الدولى والسياسى إلى دعم عملى ملموس».
وأكد أن مصر استطاعت من خلال هذه التحركات المتكاملة، تأسيس نموذج دبلوماسى وإنسانى متكامل لإعادة إعمار غزة، يجمع بين البعد السياسى والأمنى والإنسانى والتنمية الاقتصادية، ويؤكد قدرة الدبلوماسية المصرية على إدارة ملفات إقليمية معقدة وتحقيق الاستقرار، وإعادة الأمل للشعب الفلسطينى من خلال خطة عملية طويلة الأمد، تعكس مكانة مصر التاريخية كركيزة أساسية للسلام والتنمية فى قلب الشرق الأوسط.
ولفت إلى أن الجهود الدبلوماسية عززت مكانة القاهرة دولياً وإقليمياً، وأكدت أن نجاح إعادة الإعمار فى غزة يرتبط بشكل مباشر بالقدرة المصرية على تنسيق الجهود المختلفة بين الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، وضمان التنفيذ الفعلى لكل مرحلة وفق آلية دقيقة وشفافة.