غزة ومخاوف النادل الصعيدي
فى صباح يوم الثلاثاء الماضى، وبينما كنت أتناول طعام الإفطار فى الفندق الذى كنت أقيم فيه أثناء مشاركتى فى تغطية قمة شرم الشيخ، فاجأنى النادل الصعيدى الشاب بسؤاله: الحمد لله المؤتمر نجح، والحرب هتوقف على إخواتنا فى غزة، ولّا ممكن «نتنياهو» يرجع فى كلامه؟
تلقيت سؤاله بابتسامة وقلت له: انت رأيك إيه؟
فرد: والله أنا مش باثق فى إسرائيل خالص، ونتنياهو بالتحديد.. ربنا يستر.
فقلت له: عندك حق ربنا يستر.
تركنى النادل الشاب ليواصل عمله فى خدمة زبائن الفندق الذى كان يعج بالسائحين من جنسيات مختلفة، بينما واصلت تناولى طعام الإفطار وأنا أُردّد ما قاله لى: «والله أنا مش باثق فى إسرائيل خالص ونتنياهو بالتحديد.. ربنا يستر».
بدون شك، موقف هذا الشاب يعكس قناعات قطاع عريض من المصريين، ولا أبالغ إن قلت إنه يتفق مع غالبية شعوب العالم.
فسوابق إسرائيل كفيلة بأن تثير الشكوك فى أنها ستلتزم بوقف العدوان، وسوابق نتنياهو نفسه فى هذا المجال تحيل هذه الشكوك إلى حقائق.
فى هذا اليوم، وبعد ساعات قليلة، أعلنت حركة حماس إعدام ستة فلسطينيين فى شمال غزة بتهمة العمالة لإسرائيل. وقالت حماس فى تبرير عملية الإعدام التى نفّذتها فى إحدى الساحات، وعلى مرأى ومسمع من العشرات الذين تجمّعوا ليشهدوا عملية الإعدام: «إن القتلى سلموا عناصر من الحركة لإسرائيل، وكشفوا مواقع وعمليات حسّاسة، وتورطوا فى اغتيال عناصر أخرى فى بيت حانون وبيت لاهيا».
كنت أتابع الأنباء الواردة بشأن هذه العملية، وأنا أسأل نفسى: تُرى ماذا سيكون رد فعل النادل الشاب الذى بادرنى بسؤاله فى صباح هذا اليوم لو علم بما حدث فى شمال غزة؟
هل سيؤيده باعتباره قصاصاً عادلاً من الذين «خانوا المقاومة».. أم سيدينه باعتباره «إعداماً خارج نطاق القانون»، وربما يكون وراءه أهداف انتقامية لا تمت للمقاومة بأى صلة؟
وبين هذا الموقف وذاك جاءت ردّات الفعل على قدر هائل من الاختلاف والتباين.
مشاهد إعدام الستة، وما سبقها بأيام من إعلان حركة حماس إعدام ثلاثة آخرين بتهمة «الخيانة والعمالة لإسرائيل»، زادت مخاوف البعض من خطورة الإقدام على مثل هذه العمليات، خاصة أنها جاءت بالتزامن مع عمليات انتشار واسعة داخل غزة لعناصر الشرطة التابعة لحماس، وعمليات دهم واستهداف لعدد من المنازل التى تقطنها عائلات تقول حركة حماس إنهم تعاونوا مع الاحتلال، كما جرت عمليات تبادل لإطلاق النار واشتباكات مسلحة بين عناصر حماس ومسلحين تصفهم الحركة بالعناصر الإجرامية والعميلة.
وهو ما أعاد إلى الأذهان مشاهد شبيهة لعمليات إعدام ميدانية نفّذتها عناصر حماس بعد «الانقلاب» على السلطة الوطنية الفلسطينية عام ألفين وسبعة، وكانت ضد عناصر من حركة فتح، ومعارضين لحركة حماس، وليست ضد «خونة ومتعاونين مع الاحتلال».
الرئاسة الفلسطينية أدانت ما حدث ووصفته بالجرائم البشعة والمرفوضة تحت أى مبرر، واعتبرتها «انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان وتعدّياً خطيراً على مبدأ سيادة القانون»، وتعكس حسب البيان الصادر عن الرئاسة «إصرار الحركة على فرض سلطتها بالقوة والإرهاب، فى وقت يعانى فيه أبناء شعبنا فى غزة من آثار الحرب والدمار والحصار».
كما شدّدت الرئاسة على أن «القانون هو المرجعية الوحيدة»، محذّرة من أن «مثل هذه الممارسات تمسّ وحدة الشعب الفلسطينى ونسيجه الاجتماعى، وتتعارض مع القيم الوطنية والأخلاقية، ومع الجهود الرامية لتوحيد مؤسسات الدولة الفلسطينية تحت سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد».
وفى المقابل فقد أكدت حركة حماس على لسان مصدر أمنى فى تصريح نقلته منصة «الحارس» الأمنية، أن تنفيذ أحكام الإعدام بحق المتخابرين مع الاحتلال أو المتورطين فى جرائم أمنية وجنائية، يتم بعد استيفاء كامل الإجراءات القانونية والقضائية ووفقاً للأصول المعمول بها، وأن جميع من نفّذت بحقهم أحكام عقابية خضعوا لتحقيقات أمنية دقيقة، وتم توثيق إجراءاتهم كافة حتى خلال فترة الحرب.
وشدّد المصدر الأمنى التابع لحركة حماس على أن الأجهزة الأمنية تلتزم بأعلى معايير العدالة والشفافية فى تطبيق القانون.
لم يوقف بيان حركة حماس وما تضمّنه من تبريرات ردّات الفعل المندّدة بمشهد الإعدام الميدانى، وتحولت مواقع التواصل الاجتماعى كالعادة إلى ساحات معارك مفتوحة بين المؤيدين والمعارضين.
والخوف كل الخوف من أن تنتقل هذه السجالات على مواقع التواصل الاجتماعى إلى شوارع غزة المكلومة، فتتحول بعد تنفيذ الانسحاب الإسرائيلى إلى ساحة اقتتال داخلى، بينما يتابع نتنياهو المشهد من مكتبه وعن يمينه بن غفير، وعن يساره سموتريتش، فرحين بنجاح خطة انسحابهم من غزة فى تحقيق أهدافهم، بعد أن فشلت خطة احتلالهم غزة فى تحقيقها..
فعلاً ربنا يستر يا عزيزى النادل الصعيدى الشاب.