شهادات ركاب «أسطول الصمود» من خلف قضبان السجون الإسرائيلية.. إذلال ممنهج

كتب: محمد عبد العزيز

شهادات ركاب «أسطول الصمود» من خلف قضبان السجون الإسرائيلية.. إذلال ممنهج

شهادات ركاب «أسطول الصمود» من خلف قضبان السجون الإسرائيلية.. إذلال ممنهج

في ليلة حالكة الظلام، وصمت يخيم على مياه البحر المتوسط، لم يقطعه سوى أصوات محركات سفن الأسطول الذي يشق طريقه فوق مياه ثقيلة، يجلس متطوعون من قارات مختلفة على أسطح السفن، يحدقون في الأفق، تتناوب على وجوههم ملامح التعب والأمل، كان البحر هادئًا على غير عادته، كأنه يعرف أنهم لا يبحرون من أجل المغامرة، بل نحو حصار ينتظرهم في غزة.

في تلك الساعات الطويلة، كانت الرسائل الأخيرة تكتب بخط متقطع، ترسل إلى عائلات ورفاق يعرفون أن الوصول إلى ساحل قطاع غزة ليس مجرد رحلة، بل تحد لقوة لا ترحم، ثم، في لحظة قصيرة كصوت ارتطام الموج، صعد جنود الاحتلال الإسرائيلي فوق السفن.

انقلب الصمت إلى صراخ، والماء إلى مرآة تعكس وجوهًا مذهولة، هكذا انتهت الرحلة التي بدأت بحلم إنساني، وانطفأت تحت فوهة البنادق، فحين صعد الجنود الإسرائيليون إلى سطح السفينة، لم يتبدل الشعور فجأة من حماسة إلى رعب بقدر ما انتهى حلم الوصول إلى غزة إلى خيبة أمل عميقة.

حلم إنساني في مواجهة قوة لا ترحم

أسطول الصمود، التابع لتحالف «أسطول الحرية»، غادر من برشلونة متهجًا إلى قطاع غزة، محملًا بأمل واحد، الوصول وفتح ممر إنساني، صارع الأمواج حاملا الدواء والطعام والأمل لمن أصبحوا محاصرين بلا صوت، وهو أكبر أسطول لكسر الحصار الإسرائيلي على غزة، مكون من 50 سفينة و500 شخص من 50 دولة حول العالم، وصل إلى القطاع في أكتوبر الجاري، لكنه وكالعادة، تعرض لهجوم من قوات الاحتلال الإسرائيلي، انتهى باعقتال كل أفراد الطاقم.

منذ عام 2010، تكررت محاولات أسطول الحرية لكسر الحصار على غزة، ومع كل محاولة، كانت إسرائيل ترد بعنف متزايد، معتبرة الرحلات تهديدًا أمنيًا - لكن دون دليل - بينما يراها المشاركون صرخة ضمير.

الصمت ينقلب إلى صراخ

اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي قوارب الأسطول، تلك اللحظة لم تنه المهمة فحسب بل أطلقت فصلًا جديدًا من المعاناة داخل جدران سجون لم تكن لتنسى، ترصد «الوطن»، قصة أيام قضاها 3 ناشطين، في سجون الاحتلال الإسرائيلي، عاشوا لنحو 10 أيام ما يعيشه الفلسطينيون لسنوات طويلة، من سوء معاملة، وتهديد، وأحيانًا الضرب، وهم، النرويجي صموئيل روستول، والإيطالي لورينزو داجوستينو، والإيطالي ياسين لافرام.

الاقتحام جاء مصحوبًا بضجيج عسكري وأضواء كاشفة ومدافع مياه، كانت سفن البحرية الإسرائيلية تقترب، وصعد الجنود وهم يصرخون: «سنصعد الآن»، لم يكن هناك إطلاق نار وقتها، لكن العنف بدأ فورًا بعد الصعود، ليس دائمًا على شكل ضربات فقط، بل بإحكام قبضتهم على كرامتنا: «كنا نأمل أن نصل، نفذنا المهمة في قلوبنا، لكننا انتهينا أسرى».

أسطول الصمود

فصول من إذلال منظم

لم تكن تلك المرحلة هي الأكثر عنفًا في الرحلة، بل كانت البداية فقط، فالعنف الحقيقي بدأ بعد أن هدأ صخب البحر وصعد الجنود، ليبدأ فصل طويل من الإيذاء النفسي والجسدي، كأنه سيناريو معد بعناية للإذلال، وصفه بعض الناجين بأنه «فصول من إذلال منظم».

كانت الناشطة السويدية جريتا ثونبرج، محاطة بالأعلام الإسرائيلية، والجنود يلتقطون صورًا تذكارية بجوارها، وفي زاوية أخرى، أُجبر ناشط إسباني على الركوع أمام العلم الإسرائيلي لساعات طويلة، لا يُسمح له برفع رأسه: «أما الأصفاد التي كبلت معاصمنا، فكانت تضيق كل دقيقة حتى تحولت إلى ألم نابض يذكرنا بأننا لسنا سوى أجساد مقيدة تستخدم كخلفية لحملة دعائية يقودها وزير يميني متطرف (نتنياهو)».

زنازين ضيقة وأسلحة مصوّبة إلى الصدور

في زنزانات ضيقة، صُممت لثمانية أشخاص لكنها تضم 12، يعيش المحتجزون وسط أسلحة مصوّبة إلى صدورهم ورؤوسهم، وتهديد دائم بإطلاق النار، كما تستخدم الكلاب كأداة ترهيب، وتمضي الساعات بلا نوم، وبلا دواء للمرضى، وبلا ذرة رحمة لمن ينزف أو يتألم.

يروون خلال حديثهم لـ«الوطن»: «حين كنا نطلب دواءً، كان الرد ببرود: الحيوانات لا تحصل على علاج»، بعضهم تُرك ينزف دون مسكنات، «إذا كانت تلك المعاملة مع حاملي جوازات سفر أوروبية، فكيف تكون مع من لا صوت لهم؟».

أسطول الصمود

إيقاظ متكرر.. وتكييف قاتل

يقولون: «منعنا من الخروج إلى الهواء الطلق، صودرت أجهزتنا، وحرم المرضى من أدويتهم الحيوية، مرضى السكري، المصابون باضطرابات نفسية الذين كانوا بحاجة لأدوية مهدئة، كلهم تُركوا بلا علاج، كان العنف يتلوه أنواعا من التعذيب النفسي، زنازين تغلق ويعمل فيها التكييف على حرارة مرتفعة أو برودة قاتلة، ليس لأمر عملي بل «من أجل الإزعاج وفقط».

كانت الليالي طويلة، بلا نوم ولا ضوء، لم تكن محاولات إيقاظهم المتكررة في الظلام بغرض التحقيق، بل لتفكيك الإحساس بالزمن وإذلال الجسد حتى يفقد توازنه، أصوات الأبواب المعدنية وهي تفتح فجأة كانت تُبقي الجميع على حافة الانهيار.

وفي الممرات الضيقة والزنازين الخرسانية، لم يسمح لمن يعانون آلام الظهر أو الجروح بالحركة، تركت الأجساد ملقاة على الأرض الباردة، تتألم بصمت، كأن الألم نفسه صار جزءًا من العقوبة المقصودة.

الإضراب عن الطعام.. السلاح الأخير

رد «روستول»، و«لورينزو»، وغيرهما بالإضراب عن الطعام، كان سلاحهم الأخير المتاح، واستمر الأمر لعدة أيام: «كنا بلا مياه جارية، في مراحيض تفيض بالقذارة، ونتعرض للتهديد بهراوات وغاز مسيل للدموع داخل زنازين لا ترحم الجسد أو العقل».

مراسلات حكومية وصفوها بـ«الباردة» كشفت واقعًا مختلفًا: «حكومة بلدنا قالت لنا حرفيًا: أنتم وضعتم أنفسكم في هذا الموقف»، تنصلت بذلك من مسؤوليتها عن إعادة مواطنيها، وكأنها تقبل ضمنيًا المعاملة القاسية التي تعرضوا لها.

كان هذا الرفض الرسمي إضافة ملحٍ جديد إلى جراحهم، وجعل الرسالة واضحة: «ما عانيناه ليس سوى تلميح لما يعيشه الفلسطينيون يوميًا تحت السجن والاحتلال».

خطوط محفورة على جدران السجون الإسرائيلية

على جدران السجون الإسرائيلية، يقولون إنهم رأوا خطوطًا محفورة لأشخاص عاشوا هنا لشهور وسنوات، بل وأحيانًا يموتون بداخلها: «لقد دخلنا السجون هناك من أجل الفلسطينيين، لنكون شهودًا على بعض أعمال العنف التي يمرون بها ولنقدم تلك المعلومات لجمهور يفضل الاستماع إلى رجل غربي بدلًا من آلاف الفلسطينيين في الأسر».

خرجوا من السجون الإسرائيلية، لكن الخروج لم يكن نهاية القصة، امتدت أيدي جنود الاحتلال، وأخذوا هواتفهم وأوراقهم، وكل ما يمكن أن يكون دليلا يروي رحلتهم: «أرادوا طمس الأدلة، لكنهم لم يدركوا أن الذاكرة لا تُصادر، خرجنا نحمل في صدورنا الأصوات، الوجوه، التفاصيل التي التصقت بالوعي كأنها وشم».

لا تزال الليالي التي أمضاها النشطاء في سجون الاحتلال حاضرة في ذاكرتهم، تطاردهم حتى في أحلامهم، بل وتوقظهم من النوم، يقول أحدهم: «أحيانًا أستيقظ على صرخات تتردد في أذني كأنها تنبع من جدران الزنزانة، أو أشعر ببرودة تخترق العظام، فأنتفض مذعورًا، ثم أتذكر أنني حر الآن، وأن كثيرين ما زالوا هناك».

رسالة تحذير للعالم: كشف الوجه الحقيقي للقمع

يؤكد النشطاء أن ما عاشوه داخل سجون الاحتلال لم يكن مجرد تجربة عابرة من الألم، بل «رسالة تحذير للعالم»، ويقولون إن القسوة التي طالت حتى من يحملون جوازات سفر أوروبية تكشف الوجه الحقيقي لنظام متكامل من القمع.

وبعد الإفراج عنهم، شعروا أن مسؤوليتهم لم تنتهِ عند بوابة السجن، فواجبهم اليوم أن يحفظوا ما رأوه وأن يرووه دون خوف، حتى لا تُمحى الحقيقة، لأن الصمت ـ كما يقولون ـ شكل آخر من أشكال التواطؤ.


مواضيع متعلقة