دار الإفتاء توضح حكم التصوير في الأماكن المقدسة والبث من الأضرحة

كتب: أحمد البهنساوى

دار الإفتاء توضح حكم التصوير في الأماكن المقدسة والبث من الأضرحة

دار الإفتاء توضح حكم التصوير في الأماكن المقدسة والبث من الأضرحة

تثير احتفالات مولد السيد البدوي في طنطا، هذا العام، جدلاً حول مدى مشروعية البث المباشر من أمام الأضرحة، وتصوير مقاطع الفيديو أثناء الدعاء للأهل والأقارب، ومدى توافق هذه الممارسات مع الأحكام الشرعية. ويأتي هذا النقاش في أعقاب تداول صورة تظهر أحد الأشخاص أثناء تحدثه بالهاتف المحمول أمام ضريح السيد البدوي، قبل أن يضعه داخل الضريح، ما أثار استفسارات عديدة حول الحكم الشرعي لمثل هذه التصرفات، وما إذا كانت تُعد من البدع المحرمة أم أنها جائزة.

وفي هذا السياق تناولت دار الإفتاء المصرية حكم كثرة الانشغال بالتصوير أثناء أداء مناسك الحج والعمرة، وذلك في سؤال تلقته الدار عبر موقعها الرسمي حيث أكد الدكتور شوقي علام، مفتي الجمهورية السابق، أن التصوير أثناء مناسك الحج جائز شرعًا بشرط ألَّا يؤدي إلى تعطيل الحجاج الآخرين، والتصوير المبالغ فيه قد يوقعهم مع الحرج، خاصة في وجود كبار السن وأصحاب الحالات الخاصة الذين يتأخرون بسبب التقاط الكثير من الصور التذكارية؛ بالإضافة إلى أن الواجب على المرء المحرم وغير المحرم أن يلتزم الأدبَ والوقارَ أثناء وجوده في الأماكن المقدسة كالبيت الحرام؛ حيث أمر المولى سبحانه وتعالى بأن نعظم هذا البيت ونحترم قدسيته، كما أن اللائق بالحاج أن يكون منشغلًا بالخشوع في أداء المناسك، حتى يكافئه المولى سبحانه وتعالى بالأجر والثواب، فيكون حجُّه مبرورًا مقبولًا.

وشدد «علام» على أن من أجلِّ العبادات القلبية التي يُستدل بها على تقوى القلوب وخضوعها لله عزَّ وجلَّ: تعظيم شعائره؛ حيث قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، وأن تعظيم شعائر الله تعالى يشمل إبراز معاني التوقير والإجلال والاحترام لها، وامتثال الأمر بإقامتها والتعبد لله بها؛ فإن تعظيمها من تعظيمه سبحانه وتعالى؛ فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال في تفسير قول الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: 13]: «مَا لَكُمْ لَا تَعْلَمُونَ حَقَّ عَظَمَتِهِ؟»؛ كما في «بحر العلوم» للإمام السمرقندي.

ولَمَّا كان الحج شعيرة من شعائر الله؛ اقتضى ذلك تعظيمه بإبراز أقصى معاني الاحترام والإجلال، بالتأدب وحفظ الوقار أثناء القيام بالمناسك، سواء كان ذلك أثناء الطواف حول البيت الحرام، أو في السعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، وعند رمي الجمار، وهذا الاحترام لا يتأتَّى في حال كون الإنسان منشغلًا بالتصوير في كلِّ مكانٍ من أماكن المشاعر المقدسة بشكلٍ مُبالَغٍ فيه؛ بحيث يتسبب في تعويق حركة الحجاج في أداء المشاعر من طوافٍ وسعيٍ، أو حتى في الأمور التنظيمية الخاصة بالفوج الذي يشترك فيه الناس معًا كالتنقل من وإلى المسكن والمشاعر الأخرى، فإذا نتج عن التصوير ضرر بتعطيل حركة الآخرين أو أي نوع من الإيذاء، عُدَّ التصوير ممنوعًا شرعًا؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» أخرجه ابن ماجه في "سننه".

والضرر المنهي عنه في الحديث يشمل قليل الضرر وكثيره، فهو لفظٌ عامٌّ يشمل عدم الضرر في كلِّ الأمور إلَّا ما دلَّ الشرع على إباحته لمصلحة شرعية.

حكم كثرة الانشغال بالتصوير خلال أداء مناسك الحج والعمرة

وقال علام: إن المبالغة في التصوير أثناء مناسك الحج فيها نوع من الإيذاء وعدم مراعاة أحوال الآخرين، قد يوقعهم في الحرج المنهي عنه شرعًا؛ بل إنه يُعَدُّ من الأفعال المنافية للحال التي ينبغي أن يكون عليها مَن يزور بيت الله الحرام، سواء كان مُحْرِمًا بالحج أو غير محرم؛ لذا فلا يليق أن ينشغل المحرم بالحج عن أداء المناسك بأي أمر آخر من أمور الدنيا؛ كالتقاط الصور التذكارية؛ لأن الأصل أن يكون حاله في هذا الوقت منقطعًا عن الملهيات والشهوات متعلقًا قلبه بربه، ومنشغلًا فكره برضا مولاه، راجيًا قبول حجه؛ لينال بذلك الأجر، فيرجع كيوم ولدته أمه، لا ذنب ولا إثم عليه، فيكون حجه مبرورًا.

ويتأكد هذا التقرير -منع المبالغة في التصوير أثناء المناسك- في حقِّ كلِّ مَن دخل الحرم المكي الشريف مُحْرِمًا أو غير محرم؛ لقدسيته وهيبته وإجلاله، والذي قال عزَّ وجلَّ في شأنه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ۝ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 96-97]، فكيف بالحرم الشريف؟! وقد قال تعالى في حقِّ المساجد عامة: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ۝ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [النور: 36-37].

مخالفات الاحتفال في الموالد والأضرحة

وقد أكدت دار الإفتاء المصرية أنه قد يحدث في الموالد أمورٍ محرمةٍ؛ «بل إننا ننكر ما قد يكتنفها من منكرات، ويُنبَّهُ أصحابها –بالحكمة واللِّين- إلى مخالفةِ هذه المُنكراتِ للمقصد الأساس الذي أقيمت من أجله هذه المناسبات الشريفة»، وتابعت الدار: وأما ما قد يحدث في هذه المواسم من أمور محرمة؛ كالاختلاط الفاحش بين الرجال والنساء، فيجب إنكارها وتنبيه أصحابها إلى مخالفة ذلك للمقصد الأساس الذي أقيمت من أجله هذه المناسبات الشريفة.والله سبحانه وتعالى أعلم.

حكم التمسح بالأضرحة وتقبيلها

وأوضحت: «أما التمسح بالأضرحة وتقبيلها فمحل خلاف بين العلماء؛ فمنهم من أباح ذلك بل واستحبه؛ أخذًا بما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" عن داود ابن أبي صالح قال: أقبل مروان يومًا فوجد رجلًا واضعًا وجهه على القبر، فقال: أتدري ما تصنع؟ فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب، فقال: نعم؛ جئتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم آت الحَجَر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لَا تَبْكُوا عَلَى الدِّينِ إِذَا وَلِيَهُ أَهْلُهُ، وَلَكِنْ ابْكُوا عَلَيْهِ إِذَا وَلِيَهُ غَيْرُ أَهْلِهِ»، ومنهم مَن منعه، وللإمام أحمد في ذلك روايتان؛ وعلى ذلك فالأمر في ذلك واسع، والعبرة فيه حيث يجد الزائر قلبه، ولا إنكار في مسائل الخلاف، وما دام المذهبان واردين عن السلف فليسعنا ما وسعهم.

وأشارت دار الإفتاء أن في بعض أفعال مرتادي هذه الموالد وما يصدر عنهم من أفعال خلافًا بين العلماء مؤكدة أن في بعضها خطأً محضًا لا خلاف فيه؛

علي جمعة

كما أكد الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف ومفتي الجمهورية الأسبق في لقاء تليفزيوني سابق، أنه يجب النهي عن الأمور البدعية التي يشهدها الاحتفال بالموالد، لافتًا إلى أن الأمور البديعة قد تحدث في الحرم وفي أي مكان.

وتابع: «موقفنا من الجهلة التعليم وليس أن نرميهم بالشرك، لكن التعليم بالرفق والحسنى إذا كانت هناك البدع المدعاة، وهي خطأ نصوبه عن طريق التعليم».