رؤوف مسعد.. رحلة اغتراب بسلاح الهوية والانتماء
رؤوف مسعد.. رحلة اغتراب بسلاح الهوية والانتماء
حفر اسمه بأحرف من نور بين قائمة كبار أدباء المهجر، ليكون أحد أبرز الأصوات الأدبية التي جمعت بين المغامرة الفكرية والجرأة الإبداعية، بعد مسيرة حافلة امتدت لعقود طويلة تنقّل خلالها الأديب والروائي والكاتب الصحفي والمخرج المسرحي رؤوف مسعد، بين القاهرة وبغداد ووارسو وأمستردام، حاملا خلالها سلاح النضال والدفاع عن الهوية والانتماء.
وقدم الراحل عددا كبيرا من الأعمال الأدبية التي رسخت اسمه بين كبار كتاب جيله، من بينها: بيضة النعامة، مزاج التماسيح، غواية الوصال، إيثاكا، صانعة المطر، وكتابه السيرذاتي «لما البحر ينعس.. مقاطع من حياتي»، إلى جانب أعماله المسرحية مثل يا ليل يا عين ولومومبا والنفق.

كاتب صحفي وأديب بدرجة مناضل
لم يكن رؤوف مسعد مجرد أديب وروائي وكاتب صحفي ومخرج مسرح، لكنه تجاوز ذلك ليوظف مواهبه المتعددة في تشكيل شخصيته الوطنية، حيث استخدم الأدب لتدويل قضايا بلاده التي نشأ وترعرع بين أحضانها، مثلما فعل في بداية حياته لحث المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الأجنبي لمنطقة قناة السويس للتنديد بالاحتلال الانجليزي لمنطقة قناة السويس.
قبل أن يرحل عن عالمنا، اليوم السبت عن عمر ناهز 88 عاما ليلحق برفيق دربه صنع الله إبراهيم بعد أقل من شهرين، ولد رؤوف مسعد عام 1937، في السودان لوالدين من أقباط مصر، وعاش في السنوات الأولى من حياته هناك، قبل أن ينتقل مع عائلته إلى ود مدني، إلى الجنوب الشرقي من الخرطوم على النيل الأزرق، ومن هناك أرسل إلى مدرسة داخلية في أسيوط في مصر الوسطى، قبل أن يدفع عمل والده الأسرة إلى الانتقال أخيرا إلى الأقصر، في عام 1954 انتقلت أسرته للقاهرة في مناطق مختلفة، منها الفجالة ودير الملاك، لينخرط لأول مرة في العمل السياسي، من خلال منظمة ماركسية تحت الأرض صغيرة تسمى في البداية «طليعة العمال والفلاحين» ثم سميت فيما بعد «حزب العمال وفلاحين».
انضمامه للحزب الشيوعي المحظور
واصل الأديب رؤوف مسعد مسيرة التعليم، حتى التحق بجامعة القاهرة عام 1956، درس بها الصحافة، ثم تخرج في عام 1960، وبسبب نشاطه السياسي وانضمامه للحزب الشيوعي المحظور وقت ذلك، قضى في السجن عدة سنوات، وفيه التقى بكل من صنع الله إبراهيم وكمال القلاش، حيث شارك في تأليف كتابه الأول.
بعد خروجه من السجن، مارس العمل الصحفي، وبدأ عمله الأدبي، بتأليف المسرحيات والقصص والتقارير، ثم انتقل إلى وارسو في بولندا، عام 1970، حيث درس الإنتاج المسرحي والإخراج المسرحي، ومن هناك بدأت رحلة الاغتراب التي امتدت بين العواصم العربية والأوروبية، حتى استقر في العاصمة الهولندية أمستردام وتزوج هناك من امرأة بولندية وأنجب منها ابنه الوحيد.
عاش في بولندا لمدة 5 سنوات، ثم تنقل بين البلدان السوفيتية، إلى بغداد في (1975) وبيروت (1979) قبل أن يعود لفترة وجيزة إلى مصر في عام 1982، ليعود من جديد إلى بغداد، حيث عمل في مؤسسة السينما والمسرح والتقى امرأة مصرية والتي أصبحت زوجته (بعد الطلاق من زوجته البولندية)، ثم عاد مرة أخرى إلى هولندا في عام 1990، وتزوج للمرة الثالثة من سيدة هولندية، وكون عائلته الجديدة، التي أصبحت والدة أطفاله وزوجته الجديدة، مستقرا في أمستردام، حيث عاش وعمل منذ ذلك الحين.
وحصل، بكلماته الخاصة، على قدر معين من الشهرة، وكان نشطا في وسائل الإعلام، وأسهم في المناقشات الثقافية والسياسية، مثل عواقب الحرب في العراق والمشاركة في مناقشة تليفزيونية عن الرقابة جنبا إلى جنب والشاعرين العربيين المشهورين محمود درويش وأدونيس.
وفي عام 2004 أسس في أمستردام دار نشر صغيرة، بالتعاون مع عدد من الكتاب العرب الآخرين الذين يعيشون خارج العالم العربي، وسماها «المهاجرون» يطبع أعمال الكتاب العرب بعيدا عن صعوبات النشر في العالم العربي، التي يرى مسعد أنه يعاني من مشاكل نشأت عن «حالة التراجع في المشهد السياسي العربي».