في قلب باريس، وأمام أعين الزوار والكاميرات، دوّى إنذار «متحف اللوفر» فجأة وأغلق أبوابه، بعدما تعرّض لأجرأ عملية سرقة في تاريخه الحديث، إذ اخترق 4 لصوص في وضح النهار أكثر أنظمة الحراسة صرامة، واقتحموا قاعة أبولون الشهيرة، وخلال 7 دقائق اختفى اللصوص ومعهم جواهر لا تقدَّر بثمن بينها قلادة نابليون التي أهداها إلى زوجته. ومع تصاعد الأسئلة عن كيفية حدوث هذه السرقة السينمائية، يعود التاريخ ليذكّرنا بأن «اللوفر» لم يكن يومًا بعيدًا عن أيدي اللصوص ولا أطماع المهووسين بالفن.
بدأ بخطف «الموناليزا».. متحف اللوفر تاريخ من السرقات الجريئة في وضح النهار
بدأ بخطف «الموناليزا».. متحف اللوفر تاريخ من السرقات الجريئة في وضح النهار
تاريخ سرقات متحف اللوفر
كشفت تفاصيل عملية سرقة متحف اللوفر عن تخطيط دقيق يعكس الاحترافية، حيث نفذ 4 لصوص يرتدون أقنعة واقية غارة نهارية منظمة، بدأ المشهد بتوقف اللصوص بشاحنة مزودة برافعة سلة وسلّم قابل للتمديد أمام متحف اللوفر على طريق بمحاذاة نهر السين، وفي حوالي الساعة 9:30 صباحًا، أي بعد حوالي نصف ساعة من بدء دخول الزوار إلى واجهة المتحف، كان اللصوص قد وصلوا إلى الجانب الجنوبي من المبنى، مستخدمين الشاحنة للوصول إلى نافذة شرفة في الطابق الثاني، ليبدأوا بذلك عملية الاقتحام المثيرة التي استهدفت كنوز فرنسا التاريخية.

ولا تُعد السرقة الأخيرة للمجوهرات هي الأولى من نوعها التي يشهدها متحف اللوفر، إذ يمتلك هذا الصرح التاريخي سجلًا طويلًا من حوادث السطو التي شغلت الرأي العام، ولعلّ أعظم هذه السرقات وأكثرها شهرة هي تلك التي وقعت عام 1911، عندما أقدم مصمم ديكور إيطالي يُدعى فينتشنزو بيروجيا، والذي عمل لفترة وجيزة في المتحف، على سرقة لوحة الموناليزا، إذ دخل بيروجيا المتحف متخفيًا في زي عامل متحف، واغتنم لحظة غياب الأنظار ليُخرج اللوحة ويتسلل بها خارج المبنى، وعلى الرغم من جرأته، أُلقي القبض عليه لاحقًا، وتمت استعادة اللوحة الثمينة، بحسب ما ذكرت صحيفة «ذا جارديان» البريطانية.

محاولة حماية الموناليزا بالزجاج الواقي
وبالإضافة إلى السرقة، شهدت اللوحة الأيقونية «الموناليزا» واقعة سيئة السمعة أخرى في عام 1956، ففي ذلك العام، ألقى أحد الزوار حجرًا على اللوحة، مستهدفًا ابتسامتها الغامضة، وهذا الهجوم أسفر عن تقشر الطلاء بالقرب من المرفق الأيسر للوحة، وقد عجّل هذا الحادث من قرار نقل العمل الفني إلى عرضه خلف زجاج واقٍ، لضمان حمايتها من أي محاولات تخريب أو اعتداءات مستقبلية.

نهب النازيين للمتحف رغم الإخلاء
وهدد الاحتلال النازي لفرنسا عام 1940 بوقوع خسائر ثقافية فادحة، حيث بدأ النازيون المحتلون بالفعل في نهب جزء من مجموعة متحف اللوفر، لكن مدير المتحف آنذاك، جاك جوجارد، كان لديه خطة محكمة لإنقاذ التراث الفرنسي، فقبل سقوط باريس في يد ألمانيا النازية، قام جوجارد بإنقاذ جزء كبير من المجموعة، حيث نقل أكثر من 1800 صندوق خشبي مليئة بالأعمال الفنية الثمينة إلى الريف الفرنسي، ونتيجة لجهوده، نجا معظم هذه الأعمال الفنية من ويلات الحرب، وعندما اجتاح النازيون باريس عام 1940، وجدوا المتحف شبه فارغ.
وعلى الرغم من عملية الإخلاء الناجحة، تمكن كبار النازيين من الاستيلاء على العديد من روائع المتحف، من ضمنها لوحة للفنان بارتولومي استابان موريلو، التي تم التنازل عنها لاحقًا لإسبانيا الفاشية في عملية تبادل جرت عام 1941، كما قام النازيون بنهب العديد من الأعمال الفنية من المواطنين الفرنسيين وعرضوها في متحف اللوفر الذي أصبح فارغًا بشكل كبير، ولم تتوقف المشاكل الأمنية عند نهاية الحرب العالمية الثانية؛ ففي عام 1966، سُرقت مجوهرات أثرية أثناء نقلها إلى فرنسا بعد إعارتها لمتحف في فرجينيا، ولكن تم استردادها بعد العثور عليها في كيس بقالة في نيويورك.

السرقات تستهدف اللوحات والمجوهرات الملكية
واستمرت السرقات تضرب أمن المتحف خلال العقود اللاحقة، ففي يناير 1976، تمكن لصوص من سرقة لوحة فلمنكية من المتحف، وفي ديسمبر من العام نفسه، قام ملثمون بسرقة سيف مرصع بالجواهر كان ملكًا للملك الفرنسي شارل العاشر، حيث تمكنوا من دخول المتحف عبر سقالة في الطابق الثاني، وحتى اليوم لم يُعثر على هذا السيف، وتفاقمت السرقات بعد عقد من الزمن؛ ففي عام 1990، سرق لصوص لوحة صغيرة للفنان رينوار بعد أن انتزعوا إطارها في وضح النهار، وسرقوا معها 12 قطعة من المجوهرات الرومانية القديمة وبعض اللوحات الأخرى، واستمرت هذه الموجة مع سرقة قطعتين في أسبوع واحد عام 1995، ثم اختفاء لوحة للفنان كاميل كورو عام 1998، والتي لم تُسترد هي الأخرى بعد.
وعلى ضوء الانتقادات الواسعة وسجل السرقات الطويل، سعى المتحف منذ ذلك الحين إلى تعزيز إجراءاته الأمنية، بل وخضع مؤخرًا لتدقيق أمني شامل، وفقًا لـ«رويترز»، أما بخصوص مصير المجوهرات الثمينة المسروقة مؤخرًا، فلا يزال يكتنفه الغموض، وحتى الآن، لم يُعثر إلا على قطعة واحدة فقط، وهي تاج براق ومكسور من الزمرد والألماس، أهداه نابليون الثالث لزوجته أوجيني، بحسب وكالة «أسوشيتد برس»، ويظل مصير الأعمال الفنية الأخرى، التي تشمل مجوهرات ارتدتها ملكات وإمبراطورات فرنسيات، غامضًا، ومع ذلك، يبعث التاريخ بعض الأمل في إمكانية استعادة المسروقات يومًا ما؛ ففي عام 2021، تم استرداد درع من عصر النهضة الإيطالي سُرق في عام 1983، وفي الوقت نفسه، يبدو أن التاريخ الطويل لمتحف اللوفر مع اللصوص الجريئين والنقاش الدائر حول كيفية تأمين الكنوز الوطنية الفرنسية، مُقدر له أن يستمر.